رقابة القضاء الدستوري على الانحراف التشريعي
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 91-94
2026-06-28
22
ينصرف مفهوم تصدي القضاء للانحراف التشريعي الى المسائل الفنية ذات الطابع القانوني ، ونطاق تلك الرقابة لا يتعدى تلك المسائل التي حددها الدستور دون الخروج عن مبدأ الفصل بين السلطات ، والتدخل في اختصاصات المشرع في التقدير والملاءمة أو الاعتبارات الاخرى التي لا يخرج فيها التشريع عن الغاية الاساسية منه وهي المصلحة العامة .
وإذا كان القضاء في الاصل لا يتصدى للتشريع وبواعثه وأسباب أصداره الا عند خروجه عن غاية الصالح العام، فإن موقفه يختلف من دولة إلى أخرى بحسب اجتهاد المحاكم الدستورية فيها وسنبحثها على النحو الآتي :-
أولا / تصدي القضاء الدستوري المقارن للانحراف التشريعي : وسنبحث فيه كلا من قضاء المحكمة العليا الامريكية والمحكمة الدستورية العليا في مصر وعلى النحو الآتي :-
1- رقابة المحكمة العليا الأمريكية على الانحراف التشريعي -: أذ لعبت المحكمة دورا خطيرا وصل بالكتاب إلى وصف هذا الدور بأنه تجاوز للسلطة تخطت فيه المحكمة حدود وظيفتها القضائية ، وإقحمت نفسها في مجال لم يقرر لها في الدستور ، وظهر جلياً حين أكد أحد قضاة هذه المحكمة القاضي (هيوز) بالقول ( نحن محكومون من قبل دستور ولكن هذا الدستور هو ما نقول ) (1) .
ولم يتسم موقف المحكمة بالثبات والاستقرار تجاه مسألة الرقابة على الانحراف التشريعي ، فقد سمحت لنفسها بالرقابة على ملائمة التشريعات لحد الإفراط في ذلك ، أذ ظهرت رقابتها على مدى ملائمة التشريع من خلال شرط الوسائل القانونية السليمة (2) ، وباتت أهم وسيلة يباشرها القضاء للرقابة على السلطة التشريعية ، ففي قضية ( ميلوكي ضد مينيسوتا ) قررت المحكمة العليا أن هذا المبدأ لا يعني الإجراء المطابق للقانون فحسب بل يوجب على القاضي البحث في مضمون القانون وأهدافه، وأن لا يتضمن مساساً بحق طبيعي وما إذا كان ملائما أو غير ملائم وما إذا كانت الوسائل المستعملة مناسبة أو غير مناسبة (3) ، مما جعل المحكمة باستنادها لهذا الشرط تؤسس لرقابة التناسب والمعقولية (4) ، مما أدى بكل هذا التدخل لظهور أصوات معارضة قوية من داخل المحكمة تذكرها بضرورة حصر الرقابة في مجالها القانوني وترك مهمة وزن سياسة التشريع وملائمته ، والتزامها برقابة المشروعية دون الملائمة (5) .
وبذلك دخلت المحكمة العليا الأمريكية في مرحلة جديدة امتنعت فيها عن الخوض بملائمة التشريع وعدم مناقشة ضرورته بوصفه عنصر من عناصر السياسة التشريعية التي يمتنع على المحاكم التدخل فيها ، كحكمها عام 1810 في قضية ( فليتشر ضد بك ( بأن التشريع إذا كان مستوفي لكافة الشروط القانونية ، فإن المحكمة لا تستطيع أن تؤيد أحد الخصوم بعدم دستورية ذلك القانون بحجة صدوره عن بواعث غير شريفة أثرت على بعض أعضاء السلطة التشريعية التي سنت القانون (6) .
2 - رقابة المحكمة الدستورية العليا في مصر على الانحراف التشريعي :- استقر القضاء الدستوري المصري على عدم أمتداد رقابته لملائمة التشريع وبواعث أقراره ، فهو من صميم اختصاص المشرع من دون استبعاد البحث في ركن الغاية (7) .
وسياسة المحكمة الدستورية درجت على التمسك بالمعيار الموضوعي عند البحث في الطعون بعيب الانحراف دون البحث بنوايا المشرع ، فلم تبحث في هذه النوايا أو تبحث فيما وراء النصوص من بواعث مشروعة أو غير مشروعة لان هذه الدوافع الذاتية من الصعب أثباتها ، وهي أن استولت على بعضهم قد لا تستولي على معظمهم حتى يمكن الجزم بأن القانون صدر بباعث شريف من عدمه (8) .
ففي حكم للمحكمة الدستورية في القضية رقم 6 لسنة 1981 تناولت الجانب الموضوعي بالقول ( وحيث انه لأوجه للقول بأن المشرع قد انحرف في استعمال سلطته التقديرية . .... ، وأن النهج الذي اختاره المشرع في تحديد سعر ضريبة الأيراد العام لا يؤدي إلى المصادرة ولا يخالف أحكام الدستور، وإن ما ينعاه المدعي في هذا الصدد يؤدي الى الخوض في سياسة تستقل بها السلطة التشريعية التي عهد إليها الدستور رسم هذه السياسة وتعديل مسارها طبقا لما يتطلب وهو الصالح العام، بحكم وظيفتها التمثيلية للشعب ... ) (9) .
عليه يتبين تصدي القضاء الدستوري في مصر لعيب الانحراف التشريعي بمعياره الموضوعي وتجنب البحث في نوايا المشرع الذاتية حيث اعتبرها خارجة عن نطاق رقابته .
ثانيا / تصدي المحكمة الاتحادية العليا في العراق للانحراف التشريعي : من خلال تتبع أحكام المحكمة نجدها تصدت لقوانين أنحرف بها المشرع وخالف بها النصوص المتعلقة بالحقوق والحريات ، كحكمها 15 / اتحادية / 2015 في 25 / 1 / 2015 الذي قضت فيه عدم دستورية المادة (237) من قانون الكمارك لأنها أعطت صلاحية توقيف المتهمين للمدير العام أو من يخوله وهو ليس بقاض ، وخالفت المادة (37/ أولا ب) من الدستور الضامنة للأفراد من التوقيف التعسفي بدون حكم قضائي (10).
كما تصدت المحكمة لركن الهدف حين حكمت بالدعوى 55 / اتحادية / 2017 في 20 / 6 / 2017 بأن إيراد النص بوقف رواتب الموظف ومخصصاته حين لا يقدم الكشف عن ذمته المالية و تحريك الدعوى الجزائية ضده ، كما ورد في التعليمات الصادرة من مجلس الوزراء بعدد 30 لسنة 2011 ، قد تخطي مرامي صدورها لان صدور التعليمات كاشفة وموجهة لكيفية تطبيق القانون وتجاوز هذا الهدف يخرجها عن الدور المرسوم لمجلس الوزراء في المادة ( 80 / ثالثا ) من الدستور (11)
ومما يدلل على توجه المحكمة للأخذ بالمعيار الموضوعي عند الحكم بانحراف التشريع عن تحقيق المصلحة العامة وتركيزه في مصالح خاصة ، وبحثها في الادلة التي تثبت مخالفته للدستور حكمها بالدعوى 140 / اتحادية / 2018 في 23 / 12 / 2018 الذي ورد فيه ( ... ان وضع أحكام في قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018 خاصة بممارسة حق التقاضي أمام الهيئات القضائية يختص به مدعي الحق والادعاء العام وهيئة النزاهة ولا يختص به أعضاء مجلس النواب ... ، كما أن الفائز في الانتخابات العامة لا يكتسب صفة النائب أذا تخلف قبل أداء اليمين عن حضور الجلسات ... لذا قرر الحكم بعدم دستوريتها ) (12) .
ومن الاحكام البارزة لتصدي المحكمة لانحراف مجلس النواب في قرارات لا يتغيا فيها المصلحة العامة وأنعدم فيها ركن الغاية بصورة جلية حكمها 89 / اتحادية / 2019 في 128 / 10 / 2019 بعدم دستورية نص الفقرة ( 6 ) من قرار مجلس النواب رقم 44 لسنة 2008 الذي شرعه مجلس النواب والخاص بتنفيذ مطالب القوائم والكتل السياسية ، بحسب استحقاقها في أجهزة الدولة لمنصب وكلاء الوزراء ورؤساء الهيئات والمؤسسات والدرجات الخاصة ، لمخالفته أحكام المواد (2) اولا (ج) والمادة ( 14 ) التي تكفل المساواة أمام القانون دون تمييز ، والمادة ( 16 ) التي نصت على كفالة تكافؤ الفرص لجميع العراقيين والمادة ( 61 / خامساً ) التي نصت على تعيين اصحاب الدرجات الخاصة باقتراح من مجلس الوزراء وليس تنفيذا لمطالب القوائم والكتل السياسية وفق استحقاقها للمناصب (13).
ومن الاحكام أعلاه يتضح تشخيص المحكمة الاتحادية العليا بوجود الانحراف التشريعي وعلى أساس موضوعي ، وأن لم تعلن وجود الانحراف في القانون في أحكامها صراحة مكتفية بالحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه عندما يتوافر لديها الدليل الموضوعي والدافع غير المشروع من وراء من ذلك القانون .
___________
1- د. عادل الطبطبائي ، الحدود الدستورية بين السلطتين التشريعية والقضائية - دراسة مقارنة ، مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت ، 2000، ص 508
2- د. أحمد كمال أبو المجد ، دور المحكمة الدستورية العليا في النظامين السياسي والقانوني في مصر ، مجلة الدستورية ، العدد الأول ، السنة الأولى 2003 ، ص 286 ، ويقصد بشرط الوسائل القانونية السليمة عدم حرمان أي مواطن من حياته أو حرياته أو ماله دون أتباع أجراءات قانونية صحيحة ، د. عدنان عاجل عبيد ، القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري في العراق ، ط 2 ، مؤسسة النبراس للطباعة والنشر والتوزيع ، النجف الاشرف ، 2012 ، ص128
3- د . عادل الطبطبائي ، المصدر السابق ، ص 512 - 513
4- د. سامي جمال الدين ، القانون الدستوري والشرعية الدستورية ، منشأة المعارف، الإسكندرية ، 2005 ، ص 650
5- د. رمزي الشاعر ، الرقابة على دستورية القوانين ، دراسة مقارنة مع دراسة تحليلية للقضاء الدستوري في مصر ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2004 ، ص 728
6- د. أحمد كمال أبو المجد ، المصدر السابق ، ص 463
7- د. محمد ماهر أبو العينين ، الدفوع في نطاق القانون العام ، دار المجد للطباعة ، مصر ، 2003 ، ص 895
8- د. رمزي الشاعر ، القضاء الدستوري في البحرين ، دار النشر الدولي ، بدون مكان طبع ، 2003 ، ص 741
9- الحكم منشور في أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الأول ، ص 179
10- ذات التوجه في الدعوى 27 وموحدتها 38 / اتحادية / 2018 ، الاحكام منشورة على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 1/10 / 2021
11- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsciq، تاريخ الزيارة 1/10 / 2021
12- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا .www.iraqfsc.ig ، تاريخ الزيارة 2021/1/10
13- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا السابق ، تاريخ الزيارة 1/10/ 2021
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة