خصائص سياسة القضاء الدستوري
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص20-24
2026-06-27
23
سياسة القضاء الدستوري تمتاز ببعض الخصائص التي تميزها عن غيرها من السياسات والتي سنحاول أجمالها بالنقاط الآتية :-
أولاً / الخصوصية :- تستهدف أحكام القضاء الدستوري العمل على تكريس مفاهيم الديمقراطية والحيلولة دون المساس بالاسس التي يقوم عليها النظام الديمقراطي ومناهضة كل ما يمسه أو ينتقص من قيمه ليبقى قوي الأركان ، وبما أن غاية كل شيء نهايته فالقضاء الدستوري لطالما كانت غايته أرساء قواعد الشرعية الدستورية وحمايتها ، مقررا وجوب التزام السلطات جميعاً بما فيها السلطة التشريعية بحدود الدستور.
فهو يمارس مهمة الرقابة على دستورية القوانين بهدف تحقيق حكم القانون وتقوية المؤسسات الدستورية والقضاء على حكم الأشخاص ، وترسيخ مفهوم الدولة والسلطة التي تكون ممثلة للشعب والمعبرة عن إرادته ، وفقا لسياسة متوازنة يحافظ بها على حقوق وحريات الأفراد دون الصدام مع السلطات الأخرى (1) .
وإذا كان تحقيق المصلحة العامة هو هدف كل سلطة فإن دور القاضي الدستوري هو التدقيق في جوهر هذه المصلحة من خلال رقابته على السلطة التقديرية للمشرع وهو ما لم يقم به قاض آخر ، ويتم من خلال رقابته على التناسب بين الوسائل والأهداف وخلوها من الانحراف بالسلطة التشريعية. (2)
ثانياً / النسبية : - تتأثر سياسة القضاء الدستوري بأحوال المجتمع والثقافة السائدة والتي من شأنها التأثير فيه سواء ما تعلق منها بالنواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فكلها تنبع من صميم المجتمع والقيم السائدة والتي تؤثر بتلك السياسة ، فالقاضي لطالما يلائم بين القانون والواقع الذي لا يمكنه طرح العوامل الواقعية جانباً فهو يجعل من الأوضاع منعكسة على توجهاته (3) .
وهذا يظهر جليا بأمتداد دوره في المحافظة على توازن السلطات في الدولة ووحدة البلاد لاسيما في الدول ذات التركيبة الاجتماعية المتنوعة طائفياً أو عرقياً كما في العراق ، والحفاظ على التعايش السلمي بين الطوائف المتنوعة لا سيما في أوقات الأزمات والمحن ، أذ بات من الضروري تأثره بأحوال المجتمع مكونا بأفراده بوصفه مصدر السلطات بعيداً عن نفوذ السلطتين التشريعية والتنفيذية ، ومن دون التأثر بالضغوطات التي يمكن أن يمارسها السياسيين بغية تمرير التشريع أو النظام المخالف للدستور والحقوق وحريات الأفراد .
ثالثاً / ردع السلطات :- في حقيقة الأمر يشبه القضاء الدستوري من حيث صلته بالسلطات الاخرى ما سبق ومر به القضاء الإداري في علاقته بالسلطة التنفيذية ، حيث لم تكن الاخيرة راضية عن وجود هذا القضاء ولا عن منحه صلاحية أبطال أعمالها وبالخصوص تلك التي تتصل بسياسات الحكومة ، ووقفت موقف المتحدي الذي لا يقبل التنازل بأبطال قرارها وأعتبرته بمثابة هزيمة لها أو انكسار أو إنقاص لهيبتها أمام المواطنين ، ولهذا كان إنشاء قضاء دستوري يواجه ذات التحدي ومسألة إعطائه صلاحيات في الرقابة والتفسير ونجاحه في هذه المهمة يكمن في مواجهة صعوبة تقبل السلطتين التشريعية والتنفيذية لاحكامه ولما يقرره له الدستور من اختصاصات (4) .
وقد يرجع مرد الرقابة على دستورية القوانين لعدم الإفراط بالثقة تجاه سلطات الدولة عند عملها ، فإن للاخيرة قوة وانسجام تتوحد أحياناً على شكل كتل وتيارات وأحزاب سياسية ، ولهذه التجمعات برامج وأهداف تمثل مصالحها ومصالح القائمين عليها ، ومن الممكن أن تشرع قوانين تخالف بها الدستور الذي يوصف بأنه الأساس لكل القوانين والأنظمة ، فلابد من وجود جهة تفحص هذه الاخيرة عند وجود شك بعدم دستوريتها ، وهذا كله نابع من عدم الثقة بالعمل السياسي في اتباعه المبادئ الدستورية وعدم ثقة الدستور بهذه السلطات ، ذلك لأن الثقة المطلقة كما يقول الرئيس الامريكي توماس جيفرسون هي قرينه الإستبداد والميل والجنوح نحو المخالفة الدستورية لان من يقوم بالعمل في النهاية هو إنسان (5) .
فالمقولة المشهورة لمونتسكيو بأن السلطة توقف السلطة كانت الاساس للفصل بين السلطات ولها دلالات ديمقراطية لا زالت تشكل السياج الحامي للنظم الديمقراطية ، ورادعاً من الانحراف في ممارسة السلطة وتركزها بيد واحدة وتحول دون استبدادها وتفردها ، فلطالما كان القضاء الدستوري حامي للدستور ورادعا للسلطات الاخرى من خلال فتح قنوات الطعن بالنصوص القانونية بطرق شتى منها الدعوى المباشرة أو الفرعية ، وغالبية الدساتير في العالم قد أكدت على مبدأ الرقابة الدستورية على القوانين من قبل جهة قضائية أو مجلس دستوري يتولى فحص الاعمال القانونية التي تصدرها السلطتين التشريعية أو التنفيذية .
ولو نظرنا لجوهر وحقيقة النظام السياسي الأمريكي مثلا نجد أن مؤسسي هذا النظام أرادوا رئيس واحد قوي وفوضوه كل السلطة التنفيذية تجسيدا لوحدة امريكا ، لكن في ذات الوقت كانوا يخشون من أساءة التصرف بهذه السلطة و تحولها إلى دكتاتورية فقيدوا سلطته بالرقابة على اعماله ، فيكفي أن تحكم المحكمة العليا أن تصرف رئاسي مناقض للدستور الامريكي حتى يعد لاغياً ، فالامر أذن لا يتعلق بالوصول للسلطة بطريقة ديمقراطية لكن بممارسة هذه السلطة وعدم إساءة استخدامها والإنحراف بها (6) ، فالقاضي مارشال يرى عند قيامه بالرقابة على دستورية القوانين انه لا يعتدي على اختصاص سلطة اخرى لان واجبه البحث عن قانون ، وتطبيقه فأذا وجد عند التحقق من القانون المراد تطبيقه انه مخالف للدستور فلا وجود للقانون ، وبالتالي فالقاضي هنا انما يطبق القانون لا يخرقه (7)
وفي العراق تأسست المحكمة الاتحادية العليا استجابة لرغبة قضائية وشعبية مشروعة لتأمين رقابة تحكم التشريعات والأنظمة ومطابقة دستوريتها ، أذ لم تكن مهمة هذه المحكمة سهلة ولم يكن طريقها معبدا وكان محفوفا بالصعوبات وعملت وفق نصوص حمالة أوجه وكانت تلبية للتوجهات والتوازنات السياسية ، إلا أن هذه المحكمة وخلال فترة قصيرة نسبياً مقارنة مع المحاكم الدستورية المقارنة كانت راعياً للسلطات ، وأصدرت أحكاماً بعدم دستورية قوانين وفسرت نصوص الدستور ووضحت أحكامه التي كتبت في ظروف غاية بالتعقيد (8) ، فأصبحت محل أتهام بكل أحكامها فالاتهام جاهز ولا سبيل للمتضرر الا مهاجمتها وتغدو خصماً بعد الفصل بعد أن كانت حكما قبله (9)
رابعا / التطور : - تتصف سياسة القضاء الدستوري بكونها متطورة فهي ترهف سمعها لدروس التاريخ وتنظر لآفاق المستقبل ، ولا تجمد عند لحظة معينة أو تضع نفسها في دائرة مغلقة وتراقب التطورات الفقهية والقضائيه للقانون الدستوري المقارن (10) .
وعدم الجمود نابع من تنوع المصالح بصورة عامة والتي تختلف فيما بينها من حيث مدى القابلية للتبدل والتغيير ، وتتطور بحكم العوامل التي تتحكم في تحديدها والمؤثرات الخاضعة لها ، فهنالك ارتباط حتمي بين التطور السياسي والتوجهات العامة للدولة والأهداف التي تستهدفها المحكمة في أحكامها ذلك لأنها أنعكاس للسياسة العامة للدولة ، والحلول التي تراها للمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية لابد وتلحقها تغيرات في سياسات القضاء الدستوري بشرط موافقتها للمبادئ العامة للدستور ، فضلا عن أن قيم المجتمع تتغير في ضوء التطورات على جميع الأصعدة ومنها التطور العلمي والتكنولوجيا فائق السرعة ، وإيمان القاضي الدستوري بتطور الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية يدفعه دوماً لمواكبة هذا التطور ومسايرته وأعاده النظر في سياساته القضائية من حين لآخر ، ومواكبة التغيرات على نحو ينفي عن قضائه شبهة الجمود شريطة ألا يتعارض ذلك مع قصد المشرع الدستوري أن تحصيل هذا المقصود بقدر الإمكان واجب (11) .
وقد أظهر القضاء فاعليته في ألحاق النصوص الدستورية بالظروف المتغيرة المتجددة من خلال ما يبثه فيها من روح مواكبة التطور وتباين الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك بتفسير النصوص الدستورية ، وأبرز مثال على ذلك الدور الذي لعبته المحكمة العليا في الولايات المتحدة في تفسير الدستور الأمريكي وما وضعته من مبادئ وأحكام (12) .
فالدستور الأمريكي رغم مرور ما يجاوز القرنين من الزمان نجد المحكمة العليا الامريكية بتجاوزها لعقبة الزمن وأستجابتها للمستجدات ، تمكنت من ردم الهوة وملاحقة المستحدث من خلال التفسير أو أعتماد روح النص وفحواه والعمل على موائمة النص مع الواقع (13) .
وما حكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية براون ضد مجلس التعليم سنة 1954 الذي أعلنت فيه أن قوانين الفصل العنصري في المدارس العامة التي تفصل الطلاب السود عن البيض هي قوانين غير دستورية (14) ، الا مثال على مواكبة هذه المحكمة للتطورات التي حصلت في هذه الولايات حيث هاجر أليها السود بعد الحرب العالمية الثانية مما أستدعى ضرورة الاختلاط مع البيض وترسيخ المساواة في التعليم بالمدارس .
وبما أن الحكم الدستوري يصدر من قضاة فيهم صفات الخطأ والقصور وقد لا تواكب أحكامهم تطورات المجتمع او لمرور الدولة بظروف استثنائية ، مما قد يدفعهم للعدول عن أحكامهم وسياستهم السابقة لتصحيحها وتطوير ما يمكن تطويره منها ، فما يكون عادلاً في زمن قد لا يكون كذلك في ظل ظروف مختلفة وزمان غيره وهنا تبرز أهمية العدول في أحكام القضاء الدستوري (15).
_________
1- جمال سالم ، القضاء الدستوري في الدول المغاربية ، اطروحة دكتوراه مقدمة لكلية الحقوق، جامعة الجزائر ، 2015 ، ص 12
2- د.شورش حسن عمر و د.خاموش عمر عبد الله ، الحق في المساواة وموقف القضاء الدستوري منه ، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية ، كلية القانون جامعة بغداد ، المجلد 32 ، العدد الثاني ، 2017 ، ص 110 - 112
3- عبد الحميد حسن محمد ، حماية الحقوق والحريات في أحكام المحكمة الدستورية العليا ، أطروحة دكتوراه مقدمة لكلية الحقوق ، جامعة القاهرة ، 1999 ، ص 55
4- د. عصام نعيم اسماعيل ، دور القضاء الدستوري في بناء دولة الحق في لبنان المركز العربي لتطور حكم القانون والنزاهة بيروت 2017 ، ص 116
5- القاضي سالم روضان الموسوي ، هل يثق الدستور بالسلطة التشريعية ، مقال منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا الالكتروني www.iraqfsc.iq تاريخ الزيارة 20 / 8 / 2020
6- جوندلین کارتر ، نظم الحكم والسياسة في القرن العشرين ، ترجمة ماهر نسيم ، دار الكرنك للنشر ، القاهرة ، بدون سنة طبع ، ص 81
7- د.رمزي الشاعر ، القضاء الدستوري في البحرين ، دار النشر الدولي ، بدون مكان طبع ، 2003 ، ص 110
8- محمد الشريف ، المحكمة الاتحادية العليا وسيادة الدستور ، مقال منشور على الموقع الإلكتروني للمحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq تاريخ الزيارة 20 / 8 / 2020.
9- د. علي يوسف الشكري ، التعديل القضائي للدستور ، بحث منشور في مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد الثالث ، السنة السابعة ، 2015 ، ص 50
10- المستشار ممدوح مصطفى حسن ، أحكام المحكمة الدستورية العليا المصرية ، الجزء الرابع ، ص 5
11- يحيى الجمل ، القضاء الدستوري في مصر ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2008 ، ص 195
12- د. عدنان عاجل عبيد ، القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري في العراق ، ط 2 ، مؤسسة النبراس للطباعة والنشر والتوزيع ، النجف الاشرف ، 2012 ، ص 136
13- د. علي يوسف الشكري ، المصدر السابق ، ص37
14- جیروم بارون ، الوجيز في القانون الدستوري، ترجمة محمد مصطفى غنيم ، القاهرة ، 1998 ، ص 205
15- هديل محمد حسن ، العدول في أحكام القضاء الدستوري في العراق، دراسة مقارنة ، اطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق الحقوق جامعة النهرين 2015 ، ص 68
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة