مضمون التفسير القضائي غير المنشئ
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 117-121
2026-06-27
27
يتطلب البحث في هذا المضمون بيان مفهوم التفسير القضائي غير المنشئ والاسباب التي تدعو لطلبه وهو ما سنوضحه على النحو الآتي :-
أولاً / مفهوم التفسير القضائي غير المنشئ :- عرف الفقهاء التفسير القضائي تعريفين أحدهما يوسع من مفهومه والآخر يضيق فيه ، فأما التعريف الواسع فينظر أليه بأنه توضيح ما غمض من ألفاظ النصوص وتقويم لعيوبها وأستكمال ما نقص من أحكامها والتوفيق بين أجزاءه وتكييفه على نحو يجاري متطلبات المجتمع (1) .
أما التعريف الثاني وهو ما يهمنا عند البحث في هذين التعريفين والذي يضيق من مجال التفسير القضائي ولا يُضمّنه حق الانشاء أو الاضافة ، أذ عُرف أنه الاستدلال على ما تتضمنه النصوص من حكم وتحديد المعاني التي تتضمنه حتى يمكن تطبيقها في الظروف الواقعية (2) ، كما عرفه آخرون أنه توضيح معنى القاعدة الدستورية لاستجلاء المعنى الحقيقي لها (3) ، أو هو الكشف عن معنى ومضمون النصوص الدستورية ليتسنى تطبيقها على الوقائع المستجدة (4) .
وذهبت المحكمة الاتحادية في الإمارات لذات المفهوم الضيق أعلاه في حكم لها جاء فيه بأن ( الاصل اختصاص القضاء الدستوري بتفسير أحكام الدستور وتجلية ما يكون قد ران على النص المطلوب تفسيره من غموض او لبس بغية رفع هذا اللبس وايضاح ذلك الغموض والتوصل إلى تحديد مراد الدستور وضمان الوحدة في التطبيق الدستوري واستقراره ) (5) .
والتعريفات ذات المفهوم الضيق أعلاه نجدها قصرت مهمة القاضي الدستوري على إظهار معنى النص دون الخوض في قصوره أو نقصه ، وأن دوره وفق هذا المفهوم لا يتعدى نطاق أزالة الابهام أو الغموض .
وبدورنا نعتقد أن التفسير القضائي غير المنشئ هو ما يقتصر على تحديد المضمون الحقيقي للنص دون أضافة أو أثراء ، وهو مجرد أيضاح لمعنى النص وبيان مقصوده وأزالة التعارض بينه وبين نص آخر دون ان يتعدى ذلك لسد النقص فيه ، فمضمون التفسير القضائي غير المنشئ هو ذلك التعريف الضيق المقتصر على توضيح غموض النصوص وأزالة تعارضها بوصفها من مسببات ذلك التفسير ، كما أن الأصل بأختصاص القاضي الدستوري عند تفسير نصوص الدستور ينحصر بعدم الانشاء ، أذ لا يمكن اللجوء للاستثناء وهو الاضافة او الانشاء في ظل وضوح النص الدستوري وعدم قصوره .
والتفسير القضائي للدستور وأن كان غير منشئ فأنه لابد له من غاية مفترضة أو مصلحة معينة يحميها ، وبما أن التفسير ينصب على نص دستوري فلابد من تحقيق قصد المشرع الدستوري وهي المصلحة العامة والتي تكشفت عن القواعد القانونية التي يتضمنها النص الدستوري، فالنص ما هو الا غلاف مادي وهو يتميز عن القاعدة القانونية التي يحويها ، كما أن النصوص هي محل ذلك التفسير أما القواعد القانونية المستخلصة منه فتكون الهدف أو الغاية المتوخاة من التفسير (6).
ولأن نصوص الدستور تشكل الجزء الاساسي من النظام القانوني والذي قد يشوبه أحد عيوب الصياغة مما يصعب فهمه واستيعاب أحكامه وتطبيقه على الوقائع المعروضة ، وبسبب سمو تلك النصوص على غيرها تظهر أهمية التفسير القضائي، ليس كغاية بحد ذاته بقدر ما هو وسيلة لهدف جوهري يتمثل بأزالة الغموض وتوضيح معنى النصوص ، ولكي لا يؤدي تفسيرها لتعديلها والذي يُعد ضرباً من ضروب التحايل والاعتداء على الدستور تحت ستار الغموض والابهام توجب خضوع التفسير لضوابط محددة حتى يقطف ثماره (7).
وتتمثل ضوابط التفسير الدستوري بضوابط شكلية قد تتعلق بمن له حق تقديم طلب التفسير للمحكمة وتحديد النص المطلوب تفسيره ، ففي حكم للمحكمة الاتحادية العليا في العراق بالعدد 3 / أتحادية / 2009 ذهبت الى اشتراط تقديم طلبات التفسير بتوقيع الوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة استنادا لنص المادة ( 5 ) من نظامها الداخلي رقم ( 1 ) لسنة 2005 (8) .
وهنالك الضابط الموضوعي الذي يتمثل بأثارة النص المطلوب تفسيره خلافا عند تطبيقه وظهرت بشأنه وجهات نظر متباينة (9) ، مثاله ما ورد في حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 49 / أتحادية / 2011 في 18 / 2011/7 حول طلب بيان الرأي الوارد من محافظة الديوانية وينصب على تطبيق المادة ( 121 / رابعا ) وليس على تفسير النص ، حيث أجابت المحكمة بأن التطبيق مهمة تتولاها السلطة التنفيذية في ضوء الحاجة الحقيقية والامكانات اللوجستية والمادية في ضوء الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحكم التمثيل البلوماسي بين الدول ووفق مبدأ المعاملة بالمثل (10).
ومما يميز التفسير القضائي للدستور بأنه قد يكون ذات طابع سياسي نظرا لطبيعة النصوص الدستورية التي تضع قواعد الحكم وتحدد سلطات الدولة ، وقد يعود هذا الطابع للجهة التي تتولى التفسير نظرا للاعتبارات السياسية التي تتدخل في أختيار أعضاء المحاكم الدستورية كا هو حال المحكمة العليا الامريكية التي يختار رئيس الجمهورية ومجلس الشيوخ رئيس المحكمة وأعضائها وهو ما قد ينطبق أيضا على محاكم دستورية في دول أخرى ، مما ينعكس على طبيعة الاحكام التفسيرية التي قد لا تأخذ الجانب الفني في التفسير بل تتجاوزها للاعتبارات السياسية (11) .
ونعتقد أن الميزة أعلاه من المزايا السلبية ومن المآخذ على التفسير القضائي للدستور ، لكنها لا تنفي الحاجة لجهة قضائية تتسم بالحياد في سبيل أزالة أسباب تفسير الدستور من غموض وتعارض بين نصوصه .
ثانياً / أسباب التفسير القضائي غير المنشئ :- وفق ما ذهبنا أليه عند بيان مفهوم التفسير غير المنشئ فأن أسبابه وفقا للتعريف الضيق تكون أما لغموض النص أو التعارض بين نصوص الدستور، وسنبحثهما على النحو الاتي :-
1- غموض النص الدستوري : وهو أحد أسباب التفسير القضائي غير المنشئ والذي ينصرف إلى عدم وضوح عبارات النص أو أتسامها بالعمومية بالشكل الذي يؤدي إلى احتمال النص أكثر من معنى واحد (12) ، أو عدم أمكانية استخلاص أرادة واضع النص الدستوري وتطبيقها على الحالة المعروضة مما يتعين البحث في ألفاظ النص والوقوف على الإرادة الحقيقية للمشرع الدستوري (13) .
فالاصل عند صياغة نصوص الدستور تجنب استخدام المصطلحات اللغوية الغامضة أو التي تعطي أكثر من معنى أو العائمة غير المحددة ، بيد انها تصبح كذلك بفعل اندثار مصطلح ما أو عدم تداوله بعد حين من عمر الدستور الذي قد يتجاوز عقودا او قرون ، مما يجعل نصوصه غامضة الى حد ما او متعارضة مع غيرها (14) .
وقد يعود سبب غموض بعض النصوص الدستورية لاختلاف لغة الدستور التي تعلو في خطابها ومضمونها عن لغة التشريع العادي ، فهي لا تلجأ للتفصيل وتفسح المجال لسلطة المشرع للتقدير والملائمة بحسب الظروف ومقتضيات الصالح العام ، فنجدها لغة العموميات والكليات وتبتعد الى حد ما عن التحديد ، مما قد يشوبها الغموض وتكون أقرب للتفسير المرن ذات المعاني الأوسع والتي تعطيها الفاعلية لمواكبة التطورات وتمكن نصوص الدستور لمواجهة الأوضاع المتغيرة (15).
والغموض في النصوص الدستورية قد يكون نسبيا وقد يكون مطلقاً ، فإما الغموض النسبي يكون حين يكون النص واضح عند شخص وغامض عند آخر (16) ، أو أن النص يكون واضحاً ثم يكتنفه الغموض في وقت لاحق بفعل تغير الظروف التشريعية والسياسية الحاكمة في الدولة ، أو تغير القابضين على السلطة ، أو أختلاف ميزان القوة أو العلاقة بين السلطات نتيجة تعديل لاحق للدستور (17) ، أما الغموض المطلق فيكون بسبب الصياغة التشريعية والتي تعود للفظ ما أو للنص بمجموع الفاظه ، منها ما يرتبط اختيار عبارات مرنة أو مبهمة أو غير محددة مما يجعلها غير معروفة المعنى أو غير معروفة النطاق ويكون تطبيقها متأرجحا أو متذبذبا (18)، مثاله غموض لفظ ( النظام العام ) كشرط ورد في المادة ( 38 ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 لغرض كفالة حرية التعبير ، أو الصياغة المبهمة للمنصب( السيادي والامني ) والذي لطالما أثار خلافاً حول مضمونه ولعدم وضع معيار دقيق لتمييز المنصب المذكور ولتحديد معنى النص الدستوري وما شابه من غموض وضمان تطبيقه تطبيقاً صحيحاً يستعين القاضي الدستوري بوسائل التفسير المتعارف عليها لاستخلاص ذلك المعنى ، وهي أما وسائل داخلية تتمثل بتحليل النص الدستوري تحليلا منطقيا لاستنتاج مغزى النص ، كدلالة الالفاظ وتركيبها أو الاستنتاج المنطقي او الاستنتاج بطريق القياس ، وقد تكون وسائل التفسير خارجية أي تخرج عن النص وتتعلق بالحكمة منه والاسترشاد بالاعمال التحضيرية والمصادر التاريخية والظروف التي أحاطت بوضع النص الدستوري (19) .
2- تعارض نصوص الدستور :- ويقصد به وجود نص دستوري يحتمل حكمين أحدهما معارض للآخر ويستوي في ذلك وجودهما في مادة واحدة أو أكثر (20) ، ويقصد به أحياناً تعارض دليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر أنتفاءه في محل واحد في زمان واحد شرط تساويهما في القوة (21).
والتعارض أمر مألوف في القوانين ويعالجه القاضي من خلال العمل بالنص الاعلى ان كان الادنى متعارضاً معه عند اختلاف المراتب القانونية ، أو عند النص على عدم العمل بكل ما يتعارض مع القانون ، او ان يعمل بقاعدة اللاحق ينسخ السابق ، أو أن النص الخاص يقيد العام ، بيد ان المشكلة تطفو أمام القاضي الدستوري عند تعارض النصوص الدستورية والتي تعد من مرتبة واحدة ولا يقيدها نص عام او خاص ، ولا شك لاخيار امام المحكمة الا التفسير الذي يتجاوز فيه ذلك التعارض .
والتعارض بين نصين دستوريين قد يكون معاصرا للدستور أي وقت اصداره وقد يكون لاحقا له ، ويحصل ذلك. بسبب التطبيق المستقبلي للحالات المستجدة التي تظهرها الرؤية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية في الدولة ، ومن أمثلة التعارض المعاصر للدستور ما ورد في المادة ( 15 ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 التي أجازت حرمان الأفراد من الحقوق والحريات المكفولة فيه أو تقييدها وفقا للقانون وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة ، أذ يتعارض مع ما جاء بنص المادة ( 46 ) التي أجازت تقييد ممارسة الحقوق والحريات المكفولة في الدستور أو تحديدها بقانون أو بناء على قانون ، حيث وجه التعارض يكمن في اشتراط الأولى عدم تقييد الحقوق والحريات الا بقانون وبقرار من جهة قضائية مختصة ، في حين نصت الثانية على جواز التقيد والتحديث بقانون أو بناء على قانون أي قد يكون ذلك التقييد بقرارات ادارية تصدر عن سلطة تنفيذية (22) .
_______________
1- عبد الباقي البكري وزهير البشير ، المدخل لدراسة القانون ، ط 1 ، العاتك لصناعة الكتاب ، بغداد ، 2009 ، ص118
2- د. توفيق حسن فرج ، المدخل للعلوم القانونية ، المكتب المصري الحديث ، القاهرة ، 1971 ، ص 291
3- د. عدنان عاجل عبيد ، القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري في العراق ، ط 2 ، مؤسسة النبراس للطباعة والنشر والتوزيع ، النجف الاشرف ، 2012 ، ص 135
4- د. رحيم حسين موسى ، التفسير السياسي للدستور ، بحث منشور في مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية ، المجلد 10 ، العدد 33 ، 2017 ، ص 171
5- حكم المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات ، الطلب رقم ( 1 ) جلسة 29 / 11 / 1973 ، نقلا عن عليوة مصطفى فتح الباب ، الوسيط في سن وصياغة وتفسير التشريعات ، دار الكتب القانونية ، مصر ، بدون سنة نشر ، ص322
6- د. أحمد فتحي سرور ، الحماية الدستورية للحقوق والحريات ، دار الشروق للنشر والتوزيع، القاهرة ، 1999 ، ص218 - 219 ، كذلك د. محمد فوزي نويجي و د. عبد الحفيظ علي الشيمي، تفسير القاضي الدستوري المضيف ودوره في تطوير القانون ، بحث منشور في مجلة كلية القانون الكويتية العالمية ، العدد الثاني ، الجزء الأول ، 2017 ، ص 28 - 30
7- د. رحيم حسين موسى ، المصدر السابق ، ص 171
8- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 2 / 3 / 2021
9- د. جورجي نصيف ساري، اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالتفسير ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2005 ، ص 224 ، كذلك مكي ناجي ، المحكمة الاتحادية العليا في العراق ، دار الضياء للطباعة والتصميم ، النجف ، 2007 ، ص 86
10- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 2 / 3 / 2021
11- د. رحيم حسين موسى ، التفسير السياسي للدستور ، بحث منشور في مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية ، المجلد 10 ، العدد 33 ، 2017 ، ص 178
12- د. مصدق عادل طالب:القضاء الدستوري في العراق ,دار السنهوري بيروت . 2015 ، ص 99
13- د. عيد أحمد الحسبان ، النظام القانوني لتفسير النصوص الدستورية في الأنظمة الدستورية ، بحث منشور في مجلة كلية الحقوق ، جامعة البحرين ، العدد الثاني ، المجلد الرابع ، 2007 ، ص 87
14- د. علي يوسف الشكري ، المحكمة الاتحادية العليا في العراق بين عهدين ، الذاكرة للنشر والتوزيع ، بغداد ، 2016 ، ص 181
15- د. أحمد فتحي سرور ، اللغة العربية في الدستور ، مقال منشور في جريدة الاهرام المصرية بالعدد (45034 ) وعلى الموقع الاتي : www.gate.ahram.org
16- د. علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، ط1 مكتبة زين الحقوقية بيروت 2011 ، ص 78
17- د. علي يوسف الشكري ، المحكمة الاتحادية العليا بين عهدين ، المصدر السابق ، ص 180
18- د. علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، ط1 مكتبة زين الحقوقية بيروت 2011 ، ص 83 .
19- د. رمزي الشاعر ، ضوابط وسائل تفسير النصوص ذات الطبيعة الدستورية في قضاء المحكمة الدستورية العليا ، مقال منشور في مجلة الدستورية ، عدد خاص ، 2009 ، ص 26 ، كذلك د. أحسان حميد المفرجي و د.كطران زغير نعمة و د.رعد ناجي الجدة ، النظرية العامة للقانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق ، مكتبة السنهوري ، بغداد ،2012 ، ص 242-250.
20- د. مصدق عادل طالب:القضاء الدستوري في العراق ,دار السنهوري بيروت . 2015 ، ص 100
21- د. بدران أبو العينين ، ادلة التشريع المتعارضة ووجوه الترجيح بينها ، مؤسسة شباب الجامعة ، الإسكندرية ، 1984 ، ص 21
22- د. علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، المصدر السابق ، ص 102 - 103
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة