توجهات القضاء الدستوري في معالجة الامتناع التشريعي
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 98-101
2026-06-27
24
يتجه القضاء الدستوري لأكثر من معالجة للامتناع التشريعي ، وهذه المعالجة قد تكون صريحة ومباشرة وقد تكون غير مباشرة ، وتختلف باختلاف نصوص الدستور والسياسة القضائية للمحاكم الدستورية المقارنة ، وسنبحثها على النحو الآتي :-
أولاً / توجهات القضاء الدستوري المقارن :- نص دستور البرتغال لعام 1976 في المادة ( 283 ) أجاز الرقابة على الامتناع التشريعي ، وأنعقاد الاختصاص للمحكمة الدستورية لرصد حالة الأمتناع عن تشريع قانون ما ، وأبلاغ السلطة التشريعية صراحة دون ألزام بضرورة التدخل التشريعي ، وبالتالي فإن أساس المحكمة الدستورية في الرقابة على الامتناع التشريعي هي أحكام الدستور ، أما دستور المجر لعام 1949 وقانون محكمتها الدستورية لعام 1989 كان أكثر صراحة وحزماً في أعطاء دور للقضاء الدستوري بالنص على أن يتعين على السلطة التشريعية أن تتدخل وتصدر التشريع خلال المدة المحددة بحكم المحكمة الدستورية إلا أنه لم يرتب جزاء على عدم احترام السلطة التشريعية لتلك المدة (1) .
ولاشك أن هذه الرقابة يحوطها كثير من المحاذير والمخاطر لأنها قد تؤدي إلى الصدام بين كل من السلطتين التشريعية والقضائيه وبالخصوص في نظم الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين ، لأن الغياب الكلي للقاعدة القانونية يحول دون اللجوء لتحريك تلك الرقابة ووجود النص شرطاً أساسياً من شروطها ، والرقابة على السكوت المطلق إنما هو حلول للقاضي الدستورية محل السلطة التشريعية في تقدير كثير من الأمور (2) .
وبهذا الاتجاه أتجهت المحكمة الدستورية العليا في مصر بعدم فرض رقابتها على ما لم يعالجه المشرع ، ورقابتها تنصب على قدر التحقق من مدى مطابقة النصوص التشريعية مع النصوص الدستورية (3) ، والالتزام المفروض على السلطة التشريعية لمعالجة وضع معين طبقا للدستور في حد ذاته هو التزام سياسي وليس التزام قانوني ، ويقتصر دور القاضي الدستوري فيه على أخطار السلطة التشريعية المختصة بممارسة اختصاصاتها في التشريع دون تحديد مدة زمنية معينة ، لأن هذه المدة وكيفية التدخل في تشريع القانون والظروف المبررة له متروك للسلطة التشريعية نفسها (4) .
ففي حكم للمحكمة الدستورية العليا بالرقم 7 لسنة 1993 ذهبت الى ( إن رقابة القضاء الدستوري لا تمتد إلى مجرد امتناع المشرع عن إصدار تشريع إنما لتنظيم مسألة معينة ) (5).
وتوجهها يلخصه حكمها ( فضلا عن الحكم أعلاه ) الذي ذهبت فيه الى أن نكول السلطة التشريعية عن مهمتها يخرج عن نطاق الرقابة القضائية التي تباشرها ، وذلك تطبيقا للشرعية الدستورية وأن لا شأن لها بتخلي المشرع عن واجباته فمرد ذلك لهيئة الناخبين (6).
ثانيا / توجه المحكمة الاتحادية العليا في العراق : - خلت نصوص دستور جمهورية العراق لعام 2005 من النص أو الإشارة للرقابة على الامتناع التشريعي ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا الواردة في المادة 93 ولا في قانونها رقم 30 لسنة 2005 ، وأفتقار المحكمة لنص دستوري صريح كأساس يجيز لها هذه الرقابة كما هو حال الدستور البرتغالي او المجري سالف البحث ، يجعل مهمتها محفوفة بمخاطر الصدام مع مجلس النواب وهذا الافتقار انعكس على توجهات المحكمة الاتحادية العليا عند إصدارها الأحكام ذات الصلة بأمتناع مجلس النواب ممارسته اختصاص التشريع المنصوص عليه في الدستور ، وبالتالي لم تكن هنالك حدود عند ممارستها الرقابة على حالات الامتناع ، إلا تلك المبادئ العامة المقررة لها في أصولها التقليدية (7)
وما يدل على توجه المحكمة الاتحادية العليا وبالضرس القاطع نحو عدم المواجهة مع مجلس النواب ، حكمها 116 / اتحادية / 2017 في 27 / 11 / 2017 بشأن تأخر وامتناع الاخير عن أصدار قانون مجلس الاتحاد رغم مرور أكثر من عشر سنوات واعتباره من الامور التنظيمية ، حيث جاء في الحكم ( أن طلب الزام مجلس النواب بتشريع قانون مجلس الاتحاد ليس له سند من القانون ، وليس من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا ، وإنما يتعلق بأمور تنظيمية تخص مجلس النواب ) (8) .
وفي حكم ثان لها تنصلت فيه عن النظر في الاتهام الموجه لرئيس الجمهورية حكمها 41 / اتحادية / 2017 في 13 / 6 / 2017 قضت فيه ( أن المحكمة لا ينعقد اختصاصها بالفعل في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية إلا بصدور قانون من مجلس النواب ينظم كيفية الفصل في هذه الاتهامات ولعدم صدور ذلك القانون فلا يمكن مسألته ) (9) .
ووصل الحال بالمحكمة في عدم مواجهة مجلس النواب بامتناعه عن التشريع والتنصل عن اختصاصه عمداً ، حين نأت بنفسها في حكمها 87 / اتحادية / 2017 في 30 / 10 / 2017 برد طعن عدم تشريع قانون لمزدوجي الجنسية خلال مدة محددة على الرغم من أن مجلس الوزراء أوفى بالتزامه وأعدَّ مشروع القانون وقدمه لمجلس النواب منذ 14 / 8 / 2013 ، وهذا الحكم فيه دلالة قاطعة على وجود الامتناع عن التشريع، فمجلس النواب لم يصوت على ذلك القانون بعد مرور أربع سنوات على تقديم الطعن ووصول مشروع القانون .
فضلا عن ردّ المحكمة لطعن سابق أمامها بالعدد 8 / اتحادية / 2015 في 4 / 5 / 2015 لا لغاء قرار لمجلس النواب صوّت فيه على تعيين أشخاص لمناصب عليا بداعي أنهم من حملة الجنسية الأجنبية (الجنسية المزدوجة) ، حيث ردّت الطعن بحجة أن الالغاء يتطلب صدور قانون لتنظيم هذه الحالة استناداً للمادة 18/ رابعاً من الدستور ، وبما أن القانون لم يصدر فلا يمكن لها البت بالطعن .
وقد تلجأ المحكمة أحيانا للمعالجة بطريق التوصية أو الاشعار لمجلس النواب بتدارك الامتناع أو النقص التشريعي ، كما في حكمها 10 / اتحادية / 2009 في 26 / 5 / 2009 الذي قضت فيه ( أوصت المحكمة الاتحادية العليا لجنة تعديل الدستور في مجلس النواب لمعالجة كيفية انتخاب رئيس المجلس أو أحد نوابه في حالة شغور منصب أي منهم ) (10) ، وحكمها 59 / أتحادية / 2011 في 21 / 11 / 2011 بـ ( أن طلب أيقاع الطلاق بالوكالة والمنع الوارد بالقانون رقم 188 لسنة 1959 يتطلب دراسة آراء المدراس الاسلامية كافة عند الصيرورة لتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية وأشعار السلطة التشريعية بذلك ) (11) ، واتجهت المحكمة في حكمها 87 / اتحادية / 2017 في 30 / 10 / 2017 المشار له مسبقا لفسح المجال لكل ذي مصلحة للطعن أمامها بالامتناع التشريعي .
ورغم أيماننا بأحقية المحكمة الاتحادية العليا بممارسة الرقابة على الامتناع التشريعي دون الحاجة للنص على ذلك ، فأننا ندعو في ذات الوقت الاضافة للمادة ( 93 ) من الدستور ما يجيز لها تلك الرقابة وأصدار الاحكام الملزمة بأصدار القوانين ضمن مدة تحدد في الحكم جزاءً على موقفه السلبي ، وهذا الحكم سيعزز فاعلية المحكمة بالحفاظ على سمو نصوص الدستور وتفعيل نصوصه المعطلة بفعل الامتناع التشريعي ، كما هو حال النصوص الدستورية المتعلقة بأدانة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء الواردة في المادة 61 / خامساً والمادة 93 / سادساً ، وما يتعلق بتشريع قانون مجلس الاتحاد في المادة 65 ، وقانون التخلي عن الجنسية المكتسبة لمن يتولى منصباً سياديا والوارد في المادة ( 18 / رابعا ) ، لان من غير المعقول وبعد مرور اكثر من 15 عاما على نفاذ الدستور لم تكن لمجلس النواب فرصة أو مدة زمنية كافية لإصدار تلك القوانين .
لذلك نضم صوتنا لدعوة أحد فقهاء القانون الدستوري للمحكمة الاتحادية العليا عند نظرها بطعون أمتناع مجلس النواب عن تشريع القوانين ، فأن تأيد لها تجاوز المدة المعقولة لا صداره جاز لها أصدار حكم يلزمه بأصدار القانون خلال أجل مسمى ، فأن لم يستجب للامر جاز لصاحب المصلحة تحريك الشكوى الجزائية على رئيس مجلس النواب أضافة لوظيفته مستبصراً بالمادة ( 329/ 2 ) من قانون العقوبات (12) ، وكل مايقال بأن هذه بدعة غير موجودة في الدول المقارنة ، نستدل عليه بأن القوانين تخرج من فطرة الشعوب وأحتياجاتها والقضاء يكشف عنها ويعلنها في احكامه (13) .
خلاصة القول أن المحكمة الاتحادية العليا رغم كل هذا وذاك نجدها تتجنب في أحكامها مواجهة مجلس النواب بأمتناعه عن التشريع مساهمة معه في تعطيل النصوص الدستورية ، متكئة على أفتقار سند دستوري يجيز لها هذه الرقابة وتساير بسياستها توجهات القضاء المقارن بعدم الرقابة على أمتناع المشرع بالتدخل التشريعي ، ومن بحثنا في أحكام المحكمة الاتحادية العليا وجدنا اتباعها طرقاً مختلفة بصدد معالجة حالات الامتناع التشريعي ، تتأرجح بين الاشعارات والأخطارات لمجلس النواب بضرورة تشريع القوانين الممتنع عن تشريعها في احكامها أو رد الطلب لعدم الاختصاص ، وندعو المحكمة لتضمين أحكامها ما يحمي نصوص الدستور من الانتهاك الموضوعي ، ويكون لها موقف حازم يحرج مجلس النواب الممتنع عن تشريع القوانين الهامة أمام الناخبين لدفعه نحو الاسراع بتشريعها ، ولا تكون مساهما في تعطيل نصوص الدستور خلافا للغرض الذي وجدت من اجله .
__________
1- د. أحمد فتحي سرور ، الحماية الدستورية للحقوق والحريات ، دار الشروق للنشر والتوزيع، القاهرة ، 1999 ، ص 226 ، كذلك د. رمزي الشاعر ، الرقابة على دستورية القوانين ، دراسة مقارنة مع دراسة تحليلية للقضاء الدستوري في مصر ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2004 ، ص 724
2- د. عبد الحفيظ الشيمي ، رقابة الإغفال التشريعي في قضاء المحكمة الدستورية العليا - دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2003 ، ص 202
3- د. رمزي الشاعر ، المصدر السابق ، ص 724 ، كذلك د. عبير حسين السيد حسين ، دور القاضي الدستوري في الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع - دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2009 ، ص 375 - 376
4- د. عبد الحفيظ الشيمي، المصدر السابق ، ص 126 - 127
5- الحكم منشور في مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ، الجزء السادس ، ص830
6- حكم المحكمة الدستورية العليا القضية رقم 34 لسنة 1997 منشور في مجموعة أحكام المحكمة ، ج 8 ، ص 209
7- د. حيدر محمد حسن ، معالجة أمتناع البرلمان عن ممارسة اختصاصه التشريعي في القانون الوضعي ، بحث منشور في مجلة المحقق الحلى للعلوم القانونية والسياسية ، العدد الرابع ، 2015 ، ص 591
8- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.ia ، تاريخ الزيارة 20 / 1 / 2021
9- ذات التوجه في حكمها 101 اتحادية 2017 في 17 / 11 / 2017 ، الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 20 / 1 / 2021
10- أشار له أيضاً د. حيدر محمد حسن ، معالجة أمتناع البرلمان عن ممارسة اختصاصه التشريعي في القانون الوضعي ، بحث منشور في مجلة المحقق الحلى للعلوم القانونية والسياسية ، العدد الرابع ، 2015 ، ص 591
11- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 20 / 1 / 2021
12- تنص المادة ( 329 / 2 ) على أن ( يعاقب بالحبس او الغرامة أو بأحدى هاتين العقوتين كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أمتنع عن تنفيذ حكم أو أمر صادر من أحدى المحاكم أو أية سلطة عامة مختصة ، بعد مضي ثمانية أيام من أنذاره رسميا بالتنفيذ ، متى كان تنفيذ الحكم أو الأمر داخلا في اختصاصه) .
13- د. غازي فيصل مهدي، مقالات في مجال القانونين العام والخاص، ص 39
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة