الإنسان والعلم والتكنولوجيا
المؤلف:
دكتور مصطفى محمود سليمان
المصدر:
تاريخ العلوم والتكنولوجيا في العصور القديمة و الوسطى ومكانة الحضارة الإسلامية فيه
الجزء والصفحة:
ص21
2026-08-01
15
تعيش البشرية الآن عصر زاه من عصور العلم والتكنولوجيا وبداية كشف الكون وإرتياده، وربما تسخير بعض مكوناته لصالح الإنسان ورفاهيته بصورة قد يصعب تخيلها، ومن ذلك مثلا إمكانية الحصول على بعض الخامات المعدنية الإستراتيجية والتي كاد أن ينفذ مخزونها من الأرض، فبعض النيازك ذات أحجام هائلة، تسبح في الفضاء في مدارات ليست بعيدة عن الأرض، ويعتقد بعض العلماء أنه يمكن تحويل هذه النيازك بواسطة أقمار صناعية إلى مدارات حول الأرض، وعندها يمكن استخراج المعادن منها وذلك بإنزال أجهزة على أسطح تلك النيازك تقوم باستخلاص المعادن المطلوبة بواسطة أفران شمسية خاصة، وتحويلها إلى قوالب تزن ملايين الأطنان، ومن ثم تنقل بعد ذلك إلى سطح الأرض، وقد يتم ذلك بأن تحقن هذه القوالب بغازات خاصة، وبعد ذلك يتم إنزالها إلى المحيطات فتظل طافية حتى تأتى السفن لنقلها .
والتقدم العلمي والتكنولوجي الحالى ليس وليد اليوم أو الحضارة المعاصرة فقط ولكنه جاء نتيجة تراكم جهود بشرية لحضارات عديدة خلت، ومن المؤسف أن التطور العلمي الهائل لا يسير إلى جانبه تطور مماثل فى النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للعائلة البشرية، فهناك عدم تناسق خطير في تطور الحضارة الراهنة. وهذا هو المأزق الرئيسي لتلك الحضارة.
ولم تشهد البشرية تقدمًا علميًا وتكنولوجيا منذ نشأتها وحتى اليوم، كالذي نراه ويعيشه بعضنا في الوقت الحاضر وليست كل قطاعات البشرية على درجة متساوية من التقدم العلمي، فهناك شعوب متقدمة علميًا، وأخرى متخلفة، بل إن هناك شعوباً في عصرنا الحاضر لا تزال تعيش فى عصور ما قبل التاريخ مثل شعوب البوشمن والهوتنتوب بصحراء كلهارى بجنوب إفريقيا، وأقزام الكونغو بوسط القارة الإفريقية وسكان جزر فيجى فى شمال شرق أستراليا بالمحيط الهادى، وشعوب الاندامان في خليج البنغال وغيرها.
والفرق بين الشعوب المتقدمة والشعوب المتخلفة هو في نصيب كل منها من التقدم العلمي والتكنولوجي، والدول الغنية ليست تلك التي تتكدس لديها الأموال، ولكنها الدول ذات المستوى العلمى والتكنولوجى الرفيع، ولا يخفى على أحد أن الدول المتقدمة علمياً تمتلك اقتصاداً قوياً مبنيا على أسس علمية.
وقد عاش قبلنا أناس فى عصور الحجر والمعدن والبخار، وقد عرفنا من الآثار التي تركوها أهم خصائص وصفات حضارتهم وتاريخهم، وكل عصر له مميزاته وحضارته وتاريخه، وعصرنا الحاضر هو عصر العلم الذي يوافينا كل يوم بالجديد من كل مجال. وإذا كنا معجبين بحاضر العلم وبعض منجزاته، فما أجدرنا أن نتعرف على نشأة العلم وتطوره ودور الحضارات المتعاقبة في ذلك، ومنها الحضارة العربية الإسلامية إبان ازدهارها في العصور الوسطى، لأنه لا يوجد حاضر بدون ماض، ولا مستقبل بدون حاضر، وأن الماضي كان الأساس الذي شيد فوقه صرح العلم والحضارة في عصرنا الحاضر والماضى والحاضر يفتحان الطريق للمستقبل، ولنأخذ مثالاً لذلك بالعجلة وهي من أعظم الاختراعات في تاريخ البشرية، وقد فتح اكتشاف نظرية العجلة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة مضت ومجالات واسعة في التطور الآلي والحضاري، وما زالت العجلة شيئا أساسيا لمعظم الأجهزة الميكانيكة.
وأقدم العجلات هي التي وجدت في المقابر الملكية بمدينة أور العراقية (بلدة سيدنا إبراهيم عليه السلام) ويرجع عمرها إلى 3000 سنة قبل الميلاد. وقد اكتشف المكسيكيون القدامى، قبل عصر كولمبس نظرية العجلة، غير أنهم استخدموها فقط في دمى الأطفال، أما جذور هذا الاختراع فهى فى الغالب زحافات الجليد التي كانت تجر فوق أجسام أسطوانية من الخشب عندما كانت تستخدم فى نقل الأشياء الثقيلة منذ آلاف السنين قبل اختراع العجلة.
وتعود فكرة الآلة البخارية وما أحدثته من تطور صناعى هائل، إلى عالم رياضي سكندرى اسمه هيرون يحتمل فيما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي)، وأدت ترجمة أعماله في القرن السادس عشر الميلادى إلى لفت أنظار العلماء إلى هذا المصدر المهم من مصادر الطاقة.
وكان لتطور الحروف الأبجدية الفضل في انتشار التعليم بين الناس، ومن ثم تقدم العلوم ورقى الحضارة، والمعروف أن الكتابة ظهرت فى الألف الرابع قبل الميلاد في مصر وحوض الرافدين (العراق) ووادى السند (الهند)، ثم عُرفت في الصين بعد ذلك التاريخ بحوالي ألفين من السنين، وتطورت الكتابة المصرية واقتبسها الكريتيون (سكان جزيرة كريت في البحر المتوسط فاليونانيون وغيرهم، وتشكل من ذلك كل الحروف الأبجدية التي تستخدم الآن.
وبالإضافة إلى العجلة والكتابة وغيرهما، فإننا نستخدم اليوم العديد من الأدوات التي اخترعها أسلافنا الذين عاشوا في عصور الحجر، مثل الرحى والمحراث والمغزل واقتبسنا منهم طريقة توليد النار بقدح الأحجار (الولاعة). بل إن جميع حيواناتنا المستأنسة ومحاصيلنا الزراعية الرئيسية ورثناها عن أسلافنا في عصور الحجر. وتقسيم السنة إلى فصول، وأشهر وأيام (365 يوما)، واليوم إلى 24 ساعة، والساعة 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية وغيرها الكثير، مما سوف نتناوله بشيء من التفصيل في الفصول التالية، أخذناه عن المصريين القدماء وسكان وادى الرافدين الذين عاشوا في الألف الثالثة قبل الميلاد.
ويعود اختراع الصفر" ذلك الاختراع العجيب الذي سهل العمليات الحسابية، إلى البابليين، وقد انتقل إلى الهنود عن طريق الفرس، وقد عرف الصفر" أيضا الماياييون وهم أسلاف الهنود الحمر (الأمير نديينن) الذين عاشوا في المكسيك وبيرو في الأمريكتين، منذ آلاف السنين قبل الميلاد، وكان للمايايين تقويم فلكى رائع، وقسموا السنة إلى 360 يوماً وإلى 18 شهرا، كل شهر 20 يوماً .
ونتبع نحن الآن العديد من العادات الغذائية والطبية التي ابتدعها أسلافنا منذ آلاف السنين، فقد ذكر المؤرخ اليونانى المشهور هيرودوت ( 425484 ق.م) أن الفراعنة كانوا يعطون العمال الذين قاموا ببناء الهرم الأكبر هرم خوفو) الثوم يوميا لوقايتهم من الالتهابات كحمى المستنقعات (الملاريا) ومن الإصابة بالديدان، ويعتقد أن الثوم كان يزرع فى حدائق بابل المعلقة، وأنه كان عند السومرين والفينيقيين من الأغذية اليومية، وورد أيضاً أن المقاتلين اليونانيين كانوا يتزودون بجرعات من الثوم قبل الذهاب
إلى المعارك، وانتقلت هذه العادة إلى الجنود الرومان لاعتقادهم بأن الثوم يعطيهم القوة والشجاعة، وبقى هذا الاعتقاد سائداً إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وحتى بداية لعصر الحديث، وقد أشار ابن سينا (371 - 428) هـ = 981 - 1027م) إلى الثوم في كتابه "القانون" في الطب بقوله "إذا جلس في طبيخ ورق الثوم وساقه البول و الطمث ..... وقد تجدد هذا الاعتقاد في وقتنا الحاضر واهتم به الأطباء والباحثون منذ الثمانينات، بعد أن كثر الحديث عن تأثيراته الطبية وإمكانية استخدامه كدواء لعلاج نزلات البرد وضغط الدم ومنع تخثره وغيرها . لم يكد هذا العقد يشرف على نهايته إلا وانتخب الثوم من قبل دور العطارة الألمانى كالعقار الأول لعام 1989، وقبل ذلك تبنى دستور الأدوية الألماني (الكودكس) الثوم كعقار رسمي في عام 1988 . وهناك العديد من شركات الأدوية العالمية التي تتنافس في إنتاج كبسولات طبية من الثوم.
توضح هذه الأمثلة وغيرها أن العلم هو تراث مشترك للإنسانية، وأنه في تطور مستمر، وفي ذلك يقول فيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب الكندى (185-252 =هـ 801 -867 م) أن الحقيقة الكاملة لم يصل إليها أحد بعد، وأنها تتكامل بالتدريج بفضل تضامن أجيال المفكرين.
وتاريخ العلم هو في الواقع تاريخ الإنسان على الأرض، وهو تاريخ طويل لا تعرف له بداية محددة، وربما بدأ منذ أن خطى الإنسان أولى خطواته على الأرض وبدأ يفكر ويعمل ويستكشف البيئة من حوله منذ آلاف السنين.
وتبين النقوش والآثار التى خلفها الإنسان على الحجر وجدران الكهوف، أنه بدأ حياته في الصحارى والغابات جنباً إلى جنب مع الحيوانات المفترس منها وغير المفترس، ولك تكن هذه الصحارى يومذاك قاسية جافة كما هي الآن، ولكنها كانت معتدلة المناخ وفيرة الماء والغذاء وتعج بالحياة - فهى إذًا ليست صحراء بمفهومنا نحن اليوم - وربما كانت هذه البيئة وظروفها بمثابة المعضلة الأولى التي صادفت الإنسان على الأرض، واستوجب عليه العمل والتفكير لإيجاد حلول مناسبة لتلك المعضلة حتى يؤمن حياته ويسيطر على هذه البيئة ويستغلها لصالحه، وكان ذلك بمثابة فجر العلم والحضارة ، وقد تطورت الحلول التي وجدها الإنسان إلى معارف وخبرات توارثتها الأجيال المتعاقبة وأضافت إليها ونقحتها لتسد الثغرات فيها، وباستمرار هذه العملية تولدت العلوم، وتفرعت إلى تخصصات من تلك المعارف والخبرات، ولم يكن ذلك في وقت قصير، بل استغرق أغلب تاريخ الإنسان.
وقد بلغ أبناء الحضارات القديمة أولى درجات السلم الذي مازلنا نحن نصعده، ولذا فمكانهم أولى فيه بالضرورة، وإذا غدا مكاننا نحن أكثر ارتفاعًا، فإننا مدينون بجزء من ذلك لمجهوداتهم، لأنهم أول المرشدين وأول المعلمين في شتى مجالات العلوم .
وأما السؤال المنطقى والضرورى بعد ذلك هو : لماذا لم يكمل أبناء حضارات الشرق القديم (مصر والعراق والهند والصين) مشوار العلم الذى بدأوه في شتى المجالات. ولماذا خبأت ثم انطفأت الروح العلمية عامة لدى أبناء تلك الحضارات؟
وهذا في الواقع سؤال فلسفى قديم - حديث شغل العقول واختلفت الإجابة عليه بحسب المناحي الفكرية والفلسفية وهو مثل السؤال التالى لماذا لم يظهر أرسطو أو أفلاطون أو سقراط أو أبو قراط أو جالينوس آخر في بلاد اليونان منذ ألفي سنة ولماذا لم يظهر بيرونى أو ابن سينا أو فارابى أو ابن هيثم أو ابن رشد آخر بين المسلمين منذ ألف سنة؟، ثم لماذا ظهر هؤلاء المفكرين الملهمين في أوقات معينة من التاريخ وفي مواقع معينة؟... إلخ ويبدو أن مثل هذه الأمور صعبة الفهم علينا، وأن هذه سنة الله سبحانه وتعالى في سائر الحضارات، كما قال في محكم آياته: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا سنة الأولِينَ فَلَن تجد لسنة الله تبديلاً ولَن تجد لسنة الله تحويلا) سورة فاطر - الآية 43. فإذا أخذنا الحضارة الإسلامية (آخر حضارات الشرق المزدهرة كنموذج لتلك الحضارات التي سادت ثم بادت، فإن هذه الحضارة قد أشرقت على العالم بنورها طيلة سبعة قرون، وبلغت اوج ازدهارها ورقيها العلمي في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي) ثم بدأت فى التدهور مع القرن الثاني عشر الميلادى، وكانت الظروف مهيأة لذلك تماما، فمن أضطرب سياسي في الداخل وحروب وإغارات صليبية وتتارية من الخارج. كل ذلك أدى إلى خلل في البنيان تبعه ظهور موجة من الجهل ركبها السذج والجهلاء. ويروى لنا ابن القفطى موقفا يوضح ذلك، وهو عن أحد علماء القرن الثالث عشر، والعالم هو عبد السلام ابن جنگی دوست وكان من علماء عصره البارزين ومقرباً عند الخليفة الناصر لدين الله الخليفة الرابع والثلاثين من خلفاء العباسيين توفى سنة 622 هـ = 1225م فقد وشى بهذا العالم أحد أرباب الشر، فسجن وأمر الخليفة بأن تحرق كل محتويات مكتبته الزاخرة، التي جمع فيها العديد من مؤلفات من سبقوه، وعهد بهذا العمل إلى رجل يقال له ابن المارستانية، واقيم لهذا العمل حفل كبير ومنبر عال في أحد الميادين في بغداد، وجمع الناس وكأنه يوم زينة (فرعون) واشعلت النيران، وصعد ابن المارستانية على المنبر وأخذ يلعن الفلاسفة ومن يقول بقولهم، وكان يخرج الكتب كتاباً كتاباً، فيبالغ فى ذمه وذم مؤلفه ثم يلقيه إلى من يلقيه في النار، ولم ينج من هذ المحرقة كتاب علم أو فلسفة، وتصادف أن وقع في يد ابن المارستانية أحد كتب إبن الهيثم فى الفلك، فأشار إبن المارستانية إلى الدائرة التي مثل فيها ابن الهيثم هيئة الفلك فى ذلك الكتاب وهو يقول: وهذه الداهية الدهباء والنازلة الصماء والمصيبة العمياء. ثم يخرقها، ويلقى بالكتاب تأكله النيران... ويوضح ذلك العمل موجة الجهل التي هبت على الأمة الإسلامية فى بداية انهيارها وهى مخالفة تماماً للروح التي بدأت بها النهضة في هذه الأمة في القرن السابع الميلادى.. فقد بدأت بتشجيع العلماء والعلم وانتهت باحتقارهما، وكان ذلك بداية السقوط ودخل العالم الإسلامي في عصور مظلمة ولم يخرج منها حتى اليوم.
ومن الثابت تاريخيًا أنه بعد أن أصابت عوامل التدهور والانحطاط جهود أبناء الحضارات القديمة فى شتى المجالات العلمية والفنية، فإن أمما أخرى نهضت وارتقت ومن ثم استطاعت أن تكمل هذه الجهود، وهذا ما حدث مرة بعد أخرى على مر العصور.
وقد لاحظ دارسو الحضارات أن جميع الحضارات تنمو نموا غير منتظم، فلكل حضارة اتجاهات معينة، وتهتم بأشياء دون غيرها، فتميل نحوها حتى تنمو تلك العناصر نموا عظيمًا، وفى الوقت ذاته تتأخر الحضارات فى تطورها في نواح أخرى واحيانا ترفض بعض العناصر رفضاً تاماً، وقد يؤدى ذلك إلى انهيار الحضارة في آخر الأمر، ولا يعرف سبب واضح لعدم التناسق في التطور في الحضارات.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة