تطور التبريد عند الأوروبيين والأمريكيين
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص121
2026-07-30
51
كان تخزين الثلج شائعًا فيما وراء جبال البيرينيه، وقد بقي استخدام طريقة التخزين قائمًا حتى القرن العشرين، خصوصًا في سويسرا وبُلدان أخرى في وسط أوروبا، حيث تكون فصول الشتاء باردة على نحو يجعل هذه العملية مربحة تجاريًّا. وقد أشار الباحث ف. م. فيلدهاوس إلى كتاب وحيد موجود في أوروبا حول موضوع الثلج، وهو «حول استخدام الثلج» في القرن السابع عشر، لكننا نجد في إسبانيا قبل هذا العمل مصنفات لكاردوسو Cardoso ونيكولاس مونارديس N. B. Monardes (توفي 1588م) التي تشير إلى وصفات للطبيبَين العربيين أبي بكر الرازي وابن سينا.
وقد أشار الأب جيل، عام 1600م، في كتابه «جغرافية قطلونية»، إلى وجود آبار جليد في مونتسيني (بالكاتالونية: Montseny)، وهي إحدى بلديات مقاطعة برشلونة، والتي تقع في منطقة كاتالونيا، شرق إسبانيا.
وفي عام 1662م نشر العالم روبرت بويل R. Boyle (توفي 1691م) كتابًا أشار فيه إلى مزيجات من الأجسام تصلح للتبريد، وتمكَّن بعده بثلاث سنوات الأستاذ في مكتب باريسفيليب دي لاهير Ph. De La Hire (توفي 1718م) من تجميد الماء بوساطة ملح النشادر.
وقد عدَّد لنا فرنسيس بيكون F. Bacon (توفي 1626م) الأساليب الشائعة في القرن 17م لتخزين الأشياء وحفظها بوساطة البرودة؛ إذ كانت تخزن في الكهوف التي تقع تحت الأرض، أو تحاط بالثلج والجليد في أماكن عميقة محفورة لهذا الغرض، أو بإنزال الأشياء للآبار، أو بتغطيتها بوساطة الزئبق والمعادن، أو بغمرها بالسوائل التي تحول الخشب إلى حجر، أو بدفن الأشياء بالأرض كما يفعل الصينيون بالخزف الصيني، حيث إنهم يبقونه تحت الأرض أربعين أو خمسين عامًا؛ وذلك حتى يستخرجه الورثة بوصفه نوعًا من المعدن الصناعي.
تشير الوثائق إلى أن العالم وليم كولن W. Cullen (توفي 1790م)، أستاذ الكيمياء بجامعة إيدنبيرغ، أول من استطاع إنتاج الثلج بشكل صناعي؛ ففي حوالَي عام 1755م، استخدم كولن تطاير الأثير لتبريد الماء، ثم استطاع الإسراع بعملية تبخير الأثير وخفض حرارة تبخيره، باستخدام مضخة لخفض ضغطه؛ الأمر الذي ساعد على تحويل الماء المبرد إلى ثلج. كما تمكَّن نارن Nairne من تجميد الماء في وعاء مغلق في حمض السلفوريك، حيث كان الحمض يمتص ما تبخر من الماء فتهبط درجة الحرارة ويتجمد الماء سريعًا.
تعود محاولات إسالة الغازات عن طريق التبريد والضغط إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، حيث استطاع كلٌّ من كلوت Clouet ومونج Monge إسالة ثنائي أكسيد الكبريت عام 1780م،وقام مارتينوس فان ماروم M. Van Marum (توفي 1837م) وأ. باس فان مروستفيجك A. B. Van Mroastvijk بمحاولة ناجحة في إسالة النشادر (الأمونيا) عام 1787م. وقد حقَّق مايكل فاراداي M. Faraday (توفي 1867م) عام 1823م نجاحًا في إسالة غازَي كلوروكبريتيد الهيدروجين وغاز الزرنيخ، إلا أن الغازات المعروفة والموجودة في الهواء مثل النتروجين والهيدروجين والأكسجين أبت كل الطرائق التي تعتمد على الضغط وحده، وهو ما جعل العلماء يطلقون عليها اسم «الغازات الدائمة».
ربما كان الأمريكي أوليفر إيفانز O. Evans (توفي 1819م) أول من أشار إلى فكرة التبريد بالتبخير عام 1805م ثم الانضغاط والإسالة مرة أخرى (وهي فكرة دورة التبريد بانضغاط البخار المعروفة حاليًّا)، لكن من غير المؤكد قيامه بتجربتها أم لا، في حين أن يعقوب بيركنز J. Perkins (توفي 1849م) يعد أول من قدَّم وصفًا موثقًا لدورة التبريد بانضغاط البخار باستخدام الأثير عام 1834م. وبعد 22 سنة تمكَّن المهندس الاسترالي جيمس هاريسون J. Harrison (توفي 1893م) من صنع آلة لإنتاج الثلج، تعمل وفق التصميم الذي اقترحه بيركنز، ولكن باستخدام أثير كبريتي بدلًا من الأثير. ومن غير المؤكد إذا كان هاريسون على علم بتصميم بيركنز أم لا. وفي عام 1870م، استخدم كارل فان لينده C. Von Linde (توفي 1934م) في ألمانيا الأمونيا بدلًا من الأثير، حيث تتبخر الأمونيا في الضغط الجوي عند درجة حرارة قدرها −33٫3° مئوية، ومنذ ذلك الحين ولسنوات طويلة أصبحت من الموائع المستخدمة كمُبردات.
وفي عام 1845م تمكنجون غوري J. Gorrie (توفي 1855م) من صنع آلة لتجميد الهواء بوساطة الضغط الجوي، فكان يبرد بعض غرف المرضى في المشافي ويستحضر كمية من الجليد الصناعي. وقد جاراه في ألمانيا وفرنسا وندهاوس ونيس Nice، فأدَّت أبحاثهما إلى وضع أدوات ضاغطة لتجميد الماء وحفظ المواد الغذائية كالبقول والسمن والفواكه في أوانٍ مبردة صناعيًّا، لكن هذه الأجهزة كانت مكلفةً جدًّا؛ لأنها تحتاج لمحركات مرتفعة الثمن.
وفي عام 1857م قام الفرنسي فردينناد كاريه F. Carré (توفي 1894م) بصنع آلة تجميد بناها على مبدأ امتصاص الأبخرة بوساطة الأثير سولفوريك، ثم استبدله بالنشادر لسرعة انفجاره وأخطاره، فكان آلته تجمع بين الشروط الاقتصادية والعملية. وقد ساعده في ذلك شارل تاليه C. Tellier (توفي 1913م) فطوَّر آلته بشكل أفضل، وراح كلاهما يعمل في مجال تبريد الأطعمة.
وبدأ تبريد المشروبات يصبح رائجًا في أوروبا، وبشكل خاص في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا بحلول القرن السابع عشر. وبدأ بهذا الوقت استخدام «ملح بيتر» أو «الملح الصيني – نترات البوتاسيوم» المذاب في الماء للتبريد، حيث اكتشف أن مزج هذا الملح بالماء يسبب انخفاضًا كبيرًا بدرجات الحرارة. ومع نهاية القرن السابع عشر، كانت المشروبات المجمدة والعصائر المثلجة رائجةً في المجتمع الفرنسي.
في نهاية القرن الثامن عشر بدأ شحن الجليد تجاريًّا، وكان لكلٍّ من الأمريكيين فردريك تودور Frederick Tudor (توفي 1864م) وناثنال جيفري ويثي Nathaniel Wyeth (توفي 1856م) الفضل في تحويل هذه التجارة إلى تجارة رابحة ومنتشرة في أنحاء العالم كافةً؛ فقد قام الأول بتطوير تقنيات العزل، وتمكَّن من تخفيض فواقد الذوبان بشكل كبير، واهتمَّ بشحن الثلج إلى المناطق الاستوائية، أما الثاني فقد قام بتطوير طريقة سريعة ورخيصة لتقطيع ألواح الجليد مسرعًا بذلك إلى تخزينها ونقلها. وازدهرت هذه التجارة بشكل كبير، وأصبح الجليد أكثر توفرًا في العالم، وبدأ يُستخدم كوسيط للتبريد.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة