

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
عناصر جودة التشريع
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص 47-56
2026-04-26
25
يتكون التشريع الجيد من عناصر عديدة ، يصعب وضع الحدود البيئة بينها وبين المعايير ... ، فكما أن وحدة المعنى والموضوع - على سبيل المثال - تمثل معياراً لتوثق من مدى جودة التشريع، فهي أيضا تمثل عنصراً من عناصر جودته ؛ لذلك وتجنباً للتكرار غير المجدي ارتأينا الاقتصار في هذا الموضوع على بيان عناصر جودة التشريع التي لم يرد ذكرها مسبقاً، وكما يلي:
أولاً : الصائغ التشريعي ( الجهة المعنية بالتشريع )
يمثل الصائغ التشريعي الجانب البشري في العملية التشريعية، ويمكن تعريفه بأنه: « القائم بعملية صياغة القواعد التشريعية » (1) ، ويتباين صائغو النصوص التشريعية بتفاوت ما يملكون من خبرة، وآليات الصياغة؛ فكلما أتقن الصائغ فنون الصياغة، والياتها، وألم بضوابطها ، وكان على مستوى من الكفاءة كان التشريع فاعلا ومؤثراً ؛ لذا يتطلب أن يكون الصائغ التشريعي ملماً بالعلوم الأخرى، كالإلمام بعلم المنطق، والنحو، وأصول الفقه ؛ فصياغة النصوص التشريعية فن يحتاج اتمامه واتقانه بالشكل الصحيح، وعلى أتم وجه معرفة مستفيضة، وخبرة واسعة في مجال تلكم العلوم سالفة الذكر ، فضلاً عن لحاجته إلى سعة الافاق في علم القانون، وفروعه المختلفة وأصوله، فالصائغ التشريعي يحدد قوة النص القانوني، من عدمه(2) ؛ وبذلك يتبين لنا أن الصائغ التشريعي هو الذي يوجد القواعد القانونية، ويسهم بأخراجها إلى حيز الوجود، فينقلها من عدم الوجود غير المحسوس كأفكار ، إلى حيز الوجود القانوني الحقيقي، فتصبح بذلك ذات قيمة حقيقية في الوجود المادي ؛ ولكون الصائغ هو الذي يُسهم بإيجاد تلكم النصوص لذلك يقع على عاتقه التمتع بقدر من سعة الاطلاع بمجموعة من العلوم ذات الصلة بالقانون، كاللغة، وأصول الفقه، فضلاً عن مهارته، وحنكته في اتباع القواعد والضوابط ؛ لإخراجه تشريعاً متماسكاً لغوياً، وموضوعياً؛ وبذلك يتبين لنا أن الصائغ يختلف عن المشرع ، فالمشرع هي السلطة التشريعية المختصة بوضع التشريعات داخل الدولة، في حين يمثل الصائغ الاشخاص، أو اللجان داخل الهيئات التشريعية التي يتم تحويل مشروعات، ومقترحات القوانين إليها؛ للقيام بقولبتها، وصياغتها بأسلوب قانوني رصين، ومهما يكن من أمر فان التشريع لا ينسب إلى الصائغ التشريعي إنما إلى المشرع ؛ أي الجهة التشريعية، لأن وضع التشريعات يمثل وضيفتها الأساس وفي العراق يتولى تلك الوظيفة مجلس النواب وفقا للمادة (61) من دستورنا النافذ لعام (2005) .
ثانياً : العناصر الشكلية
يمثل شكل التشريع عنصراً من عناصر جودته ؛ فالتزام الصائغ التشريعي بقواعد الصياغة التشريعية يؤدي لإدراك الغرض من التشريع بصورة تامة، وهذه العناصر تمثل الأسلوب المستعمل وبنية التشريع دون المساس بمضمونه، وهي كما يلي:
1. الأسلوب اللغوي
التشريع الجيد هو الذي يصل مضمونه إلى المخاطبين به، وهذا يحدث اذا ما اجاد الصائغ استعمال أسلوب التعبير القانوني عند صياغته للنصوص التشريعية، فينبغي أن تكون تلك اللغة مبنية على أساس البساطة والتحديد في التعابير المستعملة، ويتطلب ذلك اختيار الكلمات والمفردات المعبرة عن المعنى المقصود تعبيراً دقيقاً ومباشر (3) . ولا يجوز ان يؤدي الاقتصاد في استعمال الكلمات؛ أي البساطة والإيجاز واستعمل المفردات المألوفة والمتناسقة ، إلى تداخل في فهم المقصود من التشريع، وتضارب التيارات المفسرة له؛ فغاية البساطة في الأسلوب هي سهولة الفهم وملائمة تنفيذه من المعنيين، أي المخاطبين به(4)؛ وبذلك فإن اللغة تمثل القالب الذي تُصب فيه الأفكار المكونة لمضمون التشريع، ومتى ما أحسن الصائغ
قولبة تلك الأفكار وأجاد اختيار العبارات الدقيقة، اقترب من إصابة الهدف في أن يكون التشريع جيداً. ولا يجب التضحية بوضوح القواعد التشريعية (5) على حساب البساطة والاختصار والإيجاز؛ فالإخلال بمعيار الوضوح، يؤدي إلى غموض التشريع وكثرة التفسيرات حوله، وضعف تنفيذه. ويتحقق الوضوح باختيار العبارات المطلقة غير النسبية؛ أي إن تشير تلك التعابير إلى ذات المعنى عند جميع المخاطبين بها. وفي ذات الوقت لا يحبذ استعمل المفردات ذات الأغوار العميقة ؛ لتسهيل فهمها من الأفراد متوسطي الإدراك؛ فلغة التشريع يجب ان تكون لغة فنية ؛ أي ان يكون كل لفظ من الفاظ التشريع موزوناً، محدد المعنى في مواد التشريع جمعاء، فلا يجوز تغيير ما تعني به أحدى الألفاظ بتعدد مواطن استعماله(6). ونستشف من ذلك أن وضوح النص التشريعي، يقتضي التزام الصائغ لغة وسطية، فيتجنب الإسراف في البساطة، أو الغلو في التعقيد للوصول إلى النتيجة المرجوة. وكذلك فأن على الصائغ تحقيقاً لعنصر الوضوح ، التزام لفظ واحد يعبر عن المعنى ذاته ضمن جميع مواد التشريع ؛ لتجنب اللبس الحاصل عن تضارب المعاني، بتعدد الألفاظ.
ويتسم أسلوب الصياغة الجيدة بأهمية كبيرة لتحويل أهداف التشريع ، إلى مجموعة متماسكة من النصوص الواضحة والمنسجمة التي تسهل عملية استخلاص الأحكام القانونية منها بما يحقق أهداف التشريع؛ فالقواعد التشريعية في حقيقتها عبارة عن صيغة لفظية تستهدف تحقيق غاية معينة، وكلمات اللغة المستعملة في التشريع، مجرد وسيلة وضعت لبيان فكرة المتكلم والمقصود من كلامه(7)، فعملية وضع التشريع تقتضي الإلمام باللغة القانونية الدقيقة ؛ أي تلك اللغة المستعملة في سن الدساتير والقوانين واللوائح التشريعية.
وتتمتع هذه اللغة بخصوصية بالغة، وتكمن أهمية اللغة القانونية في قدرتها على التعبير عن الحقائق القانونية بلغة مطابقة للإرادة التشريعية (8) فلا يصح استعمال لفظ محل آخر ، كالقول ( يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية...) بدلاً من ( يمارس مجلس الوزراء الاختصاصات الآتية ...) فلكل كلمة، أو مفردة معناها الخاص الذي تنفرد به دون سواها ؛ لذلك ينبغي على الصائغ توخي الحذر، والدقة في اختياره للمفردات فمتى ما احسن اختيار تلكم المفردات، اقترب من إصابة هدفه في جودة النص التشريعي، فتكون الجودة المؤمل تحققها، رهناً بما يملك الصائغ من مؤهلات وخبرات تؤهله لإنجاز عمله على أتم وجه، وفي ادق صورة ممكن أن يصل لها العمل الإنساني.
2. هيكلية التشريع
تعد هيكلية التشريع أو بنيته من الأمور بالغة الأهمية. والمقصود بالهيكلية ليس فقط ترقيم المواد، وتفرعاتها ؛ أي ما تتكون منه من فقرات وجمل، وإنما يشمل بناء منطقي متكامل، بموضوعات مشدودة ببعضها بعلاقة واضحة المعالم، فيكون بينها ترابط في الأسباب، وتراتبية، واسترسال في تسلسل الأفكار. وتتمثل الفكرة الرئيسة من تبويب التشريع، في جعل الناتج النهائي، أي الصيغة النهائية للتشريع، على أتم وجه من الوضوح والفائدة (9). وبذلك فأن هيكلية التشريع، تعني تصميمه وصورته التي يتشكل بها ؛ بدءاً من ديباجة التشريع حتى احكامه الختامية، مروراً بالأهداف والمبادئ والأحكام الأساسية الممثلة لموضوع التشريع الأساس؛ فالهيكلية و هذه الحالة ، ليست مجرد ترتيب الأفكار داخل التشريع على مواد، وأعطاؤها أرقام معينة ؛ إنما تشمل التسلسل في تناول الأفكار والإتيان بها كلّ في موطنه الرئيس. ولتلك الهيكلية أهمية بالغة في حفظ الأفكار التي جاءت داخل التشريع من التشتت والبعثرة ، دون خطة واضحة فتتداخل تبعا لذلك المواد الأساسية التي جاء من أجلها التشريع مع المواد الفرعية التي تعد مواداً ساندة، الهدف منها إسناد المواد الأساسية، وتسهيل تنفيذها.
وبذلك يقوم المشرع في البدء، بإيراد الحقوق والمزايا، أو الواجبات المترتبة على عاتق الأفراد الذين يتأثرون بالتشريع ؛ أي الذين سيسري عليهم ذلك التشريع (10) ، و بعد إيراد الأحكام التمهيدية، كديباجة التشريع، وأهدافه ومبادئه ، فتشمل الحقوق والمزايا، أو الالتزامات، والواجبات النقطة التالية التي تنطلق منها المواد الأساسية في التشريع، سواء أكان المعني بتلك الحقوق والواجبات ، الإرادة أو الأفراد على حد سواء.
ولتسهيل فهم التشريع، وإيجاد مواده يتم اللجوء لتبويبه، ويقصد بتبويب التشريع : تقسيم التشريع إلى أبواب وفصول يرتبط بعضها بالبعض الآخر بشكل محكم، ومنطقي ، ويُشترط في هذا التبويب ان يكون تبويباً عملياً، يختلف عن التبويب العلمي لكتب الفقه والنظريات العامة بدءاً من المواد التمهيدية كالديباجة، والأهداف، والمبادئ (11) ويضيف لنا تبويب مواد التشريع فائدة أخرى إلى هيكليته، تتمثل تلكم الفائدة في تسهيل فهم التشريع، وهذا بدوره مرتبطاً بالأهمية سالفة الذكر، في الحيلولة دون تشتت المواد داخل التشريع الواحد، فعبر ذلكم التبويب، يمكن للمخاطب بالتشريع، أو الباحث أو كل من يهمه الأمر بشكل أو بآخر، الرجوع إلى المواد التي يحتاجوها بكفاءة عالية والمساعدة في فهم تلكم المواد بإيراد ما يتعلق بالحقوق في تبويب، وما يتعلق بالالتزامات في تبويب آخر، وهكذا دواليك من تبويب للتشريع، وبذلك ترتبط هيكلية التشريع بتبويبه فيتم تحقيق الفوائد المرجوة من هيكلة التشريع بتبويبه ؛ أي تقسيمه على ابواب، وفصول يسهل الرجوع إليها؛ بذلك فإن ( تبويب التشريع ( يمثل الأداة التي بواسطتها تحقق أهداف الهيكلة. ويختلف تبويب التشريع عن تبويب كتب الفقه وحتى كتب فقه القانون والنظريات العامة بالقانون ، فلا يحتوي التشريع على مقدمة تتضمن كلمة المؤلف، أو شروح مطولة للأفكار التي جاءت داخل فصول التشريع؛ إنما يكتفي المشرع بإيراد تعريفات واضحة المعنى، وموجزة للمصطلحات الواردة في التشريع والتي يعتقد المشرع بأنه سيُحدث لبساً في فهمها عند محاولة تطبيقه؛ لذلك يعمد إلى توضيحها في المواد الأولى ضمن نصوص التشريع، ويكون المعنى الذي يتم وضعه لكل مصطلح هو المعنى المراد، والذي يسري على جميع نصوص التشريع، فيُسهم بذلك في تحقيق وحدة المعنى والمقصود من وراء التشريع، وعدم إعطاء الفرصة، وفتح الباب لتضارب التفسيرات بشأن أي مصطلح من مصطلحات التشريع ، ومثال ذلك ما ورد في قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة (2014) المعدل في المادة (1) التي جاء في مقدمتها " يقصد بالمصطلحات والعبارات التالية لأغراض هذا القانون المعاني المبينة ازاؤها...".
ثالثاً: العناصر الموضوعية
تحظى العناصر الموضوعية بأهمية لا تقل عن أهمية العناصر الشكلية السالف ذكرها، والعناصر الموضوعية : هي تلكم العناصر المتعلقة بمضمون التشريع وموضوعه دون هيكليته، أو أسلوبه وهي كالتالي:
1. مراعاة مبدأ المشروعية
يقصد بمبدأ المشروعية التزام السلطة التشريعية عند وضعها للتشريع بالمبادئ والنصوص الدستورية التي تمثل قمة الهرم القانوني في أي دولة (12) .
وبذلك يتمتع الدستور بعلوه على جميع القوانين داخل الدولة، فهو القانون الأسمى الذي تخضع له تشريعات الدولة جمعاء، ويطلق على سمو قواعد الدستور مبدأ ( سمو الدستور) ، ويتضمن هذا المبدأ ناحيتين: أولهما ( السمو الموضوعي) الذي تتمتع به الدساتير كافة، أيا كان نوعها مكتوبة، أو عرفية، جامدة أو مرنة؛ وهذا راجع لتعلقه بالموضوعات الدستورية، ومضمونها، في حين يمثل ( السمو الشكلي ) الجانب الآخر من ( مبدأ سمو الدستور) ويرتبط هذا الجانب بالإجراءات والأليات التي توضع بها القواعد الدستورية؛ ولذلك فأن هذا النوع من السمو لا يتحقق إلا بالنسبة للدساتير المكتوبة، فهو يدور معها وجوداً، وعدماً(13). ومثال ذلك ما ورد في دستورنا النافذ لعام (2005) في المادة (13) منه «لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور ويُعد باطل كل نص في دساتير الأقاليم أو أي نص قانوني آخر».
وبناء على ما تقدم، يمثل الدستور بمبادئه قيوداً ملزمة للمشرع عند وضعه للتشريع، سواءً أكان الدستور مرنا، أو جامداً ، وحتى لو كان دستوراً عرفياً، فلا يتم الاحتفاء بنوعية الدساتير؛ إنما تقف جميعها في مرتبة واحدة، ويتم النظر إليها نظرة متساوية، فجميعها تتضمن مبادئ مقيدة لسلطات الدولة جمعاء، ولا تستثنى السلطة المختصة بوضع التشريع من الالتزام بالمبادئ الدستورية؛ لذلك يكون مماشاة تلكم المبادئ عنصراً من العناصر الجوهرية في جودة التشريع، سواء بمعناه الخاص؛ أي بوصفه قانون عادي، أم بمعناه العام؛ أي بوصفه عملية وضع القواعد القانونية داخل الدولة، ولا نبالغ إذ ما قلنا بأولوية وتفوق هذا العنصر على غيره؛ فمتى ما غد التشريع دستورياً، أمكننا النظر بعد ذلك إلى توفر بقية العناصر، وإلا فأنه في الحالة التي يتخلف بها عنصر الموائمة ، والانسجام مع الدستور فإن ذلكم التشريع يهمل ويقضى بعدم دستوريته، ومن ثم لا يمكن البحث ومناقشة جودته .
ويلحق باحترام الدستور وفقاً لمبدأ المشروعية مراعاة المعاهدات والاتفاقيات الدولية فالمشرع يعمد عند وضعه للتشريع إلى مراعاة ما التزمت به دولته من اتفاقيات ومعاهدات دولية، فمن المستقر عليه فقها، وقضاء، وافتاء : انه متى ما تم التصديق على الاتفاقيات الدولية، ومرت بالإجراءات المقررة دستورياً، امتزجت مع النسيج التشريعي داخل الدولة، واصبحت جزءاً لا يتجزأ منه؛ ويصبح بذلك من الواجب تطبيقها، بإعلانها على أنها تملك القوة القانونية داخل الدولة(14). فتصبح والحالة هذه عنصراً من عناصر المنظومة التشريعية داخل الدولة.
ورغم تمتع المعاهدات، والاتفاقيات بالقوة القانونية، وعدها جزء من المنظومة التشريعية داخل الدولة، غير أن قراءة الواقع القانوني في دول العالم، يبين لنا التباين في القيمة القانونية التي تمثلها بين دولة، وأخرى فتتفوق قيمتها في بعض الدول على قيمة القوانين العادية (15) وخير مثال على هذا التوجه ما جاء به دستور ( فرنسا) لعام (1958) في المادة (55) منه التي قررت : بأن تكون للمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، قوة تتفوق بها على القوانين العادية، غير انها أو قفت تمتعها بتلكم القوة على تطبيق الاتفاق، أو المعاهدة من قبل الطرف الآخر (16) ؛ فلا يمكن القول بعلوها على القوانين العادية، مالم يتحقق الشرط الوارد ذكره.
وتكتفي دول أخرى بانزالها منزلة القوانين العادية ، كما في ( جمهورية مصر ) إذ نص دستورها المعدل لعام ( 2014 في المادة (151) على تمتع المعاهدات، والاتفاقيات الدولية بقيمة مماثلة للقوانين العادية (17) . وبهذا فأن المشرع عند وضعه لتشريع يأخذ بنظر الاعتبار ما التزمت به دولته من التزامات دولية، سواء أكانت المعاهدات، والاتفاقيات الدولية تحتل مرتبة اعلى من مرتبة القوانين العادية، ام انها مماثلة لتلكم القوانين في المرتبة، وان عدم الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية المرتبطة بها دولته يفقد تشريعه عنصرًا مهم من عناصر الجودة و يجعله في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.
2. مراعاة حقوق الإنسان
يتوخى أي تنظيم قانوني، حماية، وتعزيز الحقوق والحريات؛ بذلك تهدف التشريعات بالدرجة الأساس إلى تنظيم حياة الأفراد، ومحاولة التوفيق بين مصالحهم المتعارضة نتيجة وجودهم الاجتماعي، فيأتي التشريع واضعاً الحدود بين تلكم المصالح المتضاربة، وساعياً إلى تنظيم ممارسة الأفراد لهذه الحقوق، وتلكم الحريات، ويكون هذا الهدف هو الغاية الأسمى التي يبتغيها التشريع (18) ، ولا بد من ادراك انه مهما بلغ التشريع من تقييد للحقوق والحريات بدواعي التنظيم، فأن ذلكم التقييد لا يصل درجة المنع والحرمان التام؛ انما على المشرع ان يضع نصب عينيه الدواعي الرئيسة من وراء ذلك التقييد، ومحاولته لتحقيق الموازنة بين المصلحة العامة، وحقوق الأفراد وحرياتهم دون التمادي في تغليب احد منهما على الآخر تحريا للجودة في التشريع ، ولا يشكل عدم تضمين دستور دولة ما مبرراً لإمكانية انتهاك حق من حقوق الإنسان؛ انما تبقى تلكم الحقوق مقيدة للمشرع، كونها حقوق طبيعية لا تستمد قوتها من النصوص الدستورية، فيبقى المشرع ملتزم تحريا لبلوغ الجودة في التشريع بحقوق الإنسان وحرياته حتى وان لم تكن واردة دستوريًا فالتشريع الذي ينتهك حقوق وحريات الأفراد لا يُعد تشريعا محققا للجودة.
3. مراعاة المصادر الأساسية للتشريع
يلتزم المشرع عند وضعه لتشريع ما بالتقيد بالمصادر الأساسية التي يحددها الدستور، كما في دستورنا النافذ لعام (2005) في المادة (2) أو لأ منه، والتي قررت بإن الاسلام الدين الرسمي للدولة، وجعلت منه مصدر أساس للتشريع، ثم اردفت ذلك بالنص صراحة على مصادر أخرى ممثلة قيوداً يلتزم بها المشرع العادي عند وضعه للتشريع فإضافة إلى التقيد بثوابت احكام الاسلام نجد إن مبادئ الديمقراطية، والحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها ضمن الدستور، هي الأخرى مصادر لتشريع (19) لذلك فالتزام المشرع بتلكم العناصر، وتقيده بها يمثل عنصر من عناصر جودتها؛ والا يفقد التشريع غطاؤه الشرعي في الحالة التي يخرج به عن تلكم المصادر ومن ثم لا يمكن البحث في جودته.
4. انسجام التشريع مع السياسة التشريعية العامة
تتكون السياسة التشريعية من عنصرين ، أو لهما : العنصر العلمي والمتمثل في معرفة وقائع المجتمع وقضاياه (20) أي القيام بأجراء دراسة وتحليل المجتمع الذي يراد وضع القواعد القانونية فيه فمهما بلغ واضع التشريع من كفائة ومهارة لا يمكنه الاتيان بقواعد تشريعية تتسم بالجودة مالم يكون ملم بالظروف السائدة في المجتمع وهذا يعد تفسيراً لعدم نجاح التشريع وفقدانه للجودة اذما تم استيراده من دولة أخرى تختلف ثقافياً واجتماعياً عن الدولة التي تم تصديره إليها .
وثاني عناصر السياسة التشريعية هو عنصر صناعة التشريع والمتمثل في وضع القواعد القانونية المناسبة و مقتضيات الواقع الاجتماعي (21) فأن كان العنصر الأول يعبر عن جوهر ومضمون القاعدة القانونية أي انه عنصر موضوعي بالدرجة الأساس ، فالعنصر الثاني يمكن عده عنصر شكلي فهو يعبر عن اختيار أفضل الوسائل والإجراءات والحلول لمجابهة مقتضيات الواقع المراد تنظيمه في نصوص تشريعية لبلوغ الجودة فيه.
وبذلك يصبح من الضروري انسجام المشرع مع ( السياسة التشريعية ) المحددة دستورياً أي ما يحدده الدستور من أهداف ومبادئ عامة (22) ولا تقتصر السياسة التشريعية على ما ذكر؛ انما تشمل كذلك الاليات التي يتم سن، أو الغاء التشريع بوساطتها، والجهات المختصة بالرقابة على التشريع، أو تفسيره، أي ان السياسة التشريعية بما انها الخطة التي يسير التشريع تجاهها، فهي تشمل كل ما ورد في الدستور، ويكون ذا صلة بالتشريع.
ولا يقتصر تحديد ( السياسة التشريعية ) على الدستور وحده فإضافة إلى الدستور كمحدد رئيس لتلكم السياسة، تعد التشريعات العادية: أي تلكم التشريعات الصادرة من السلطة المختصة بإصدار التشريعات داخل الدولة، ذات اسهام في وضع السياسة التشريعية(23). وبذلك نكون أمام سياسة تشريعية رئيسة: أي تلكم السياسة المحددة دستورياً، وأخرى فرعية: أي السياسة التي تضعها السلطة المختصة بوضع التشريعات العادية والسياسة الأخيرة أي ( السياسة التشريعية الفرعية ) تخضع للسياسة الرئيسة، ولا تخالفها، ومن كل ما تقدم نصل للقول بإن المشرّع عند وضعه للتشريعات، يقع عليه التزام في وجوب انسجام تلكم التشريعات مع كل من السياسة التشريعية الرئيسة ، والسياسة التشريعية الفرعية، وان لا يشذ، أو يخرج عن تلكم السياسة إذ ما تحرى الجودة في التشريعات فالانسجام يمثل عنصراً من عناصر ( جودة التشريع) ولا يمكن اعتبار التشريع محققاً للجودة إذ ما خالف الرؤى ، والتوجهات التي تسعى لها الدولة.
5 - وجوب تحديد الهدف المراد بلوغه بهذا التشريع
أي الحاجة الملحة التي أدت إلى إيجاد تشريع ما، ولا يكفي كينونة ذلك الهدف بالنسبة لواضعي التشريع؛ انما يقتضي صياغة تلكم الأهداف بشكل موجز ومبسط؛ تحقيقاً للغاية من وراءها تسهيلا للفهم العام لمضمون التشريع، من قبل المخاطبين به، وللتوثق من مدى نجاعة الأهداف المرسومة لتشريع ما، فيتم النظر إلى مدى قدرته على الاجابة على الاسئلة المتعلقة بطبيعة المشكلة المراد حلها بوساطة التشريع الموضوع، أو المنافع التي تؤمل الجهة مقترحة التشريع تحقيقها (24) ؛ ويتم النظر إلى الاجوبة لتحديد مدى حاجة المنظومة التشريعية لمثل هذا التشريع وهل بالامكان معالجة المشكلة صلب التشريع بطريق آخر ؟ تجنباً لظاهرة التضخم التشريعي، أو التشتت، والتعارض في الأحكام فيما لو وجد تشريع آخر يعالج المسألة ذاتها محل النقاش، فالتشريع الذي لا يساير قضية اجتماعية ما، أو يحقق منفعة معينة، يمثل عبئ مضاف للمنظومة التشريعية، وعقبة في وجه الحقوق والحريات، ولا جدوى من وجوده، ولا يكاد تشريع يخلو من ذكر أهدافه سواء ضمن مواده الأولى، أو ضمن اسبابه الموجبة، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ورد في قانون ( التقاعد الموحد ) رقم (9) لسنة (2014) المعدل من ايراده للأهداف التي يؤمل وصولها من وراء هذا التشريع، ضمن المادة (2) الفقرة ( أو لأ).
6.إمكانية تطبيق التشريع من الناحية المالية
يقصد به ان يكون ذلكم التشريع مجدياً بالنظر إلى تكلفته (25) والملاحظ ان هذا العنصر يخرج عن التشريع ذاته، أو مدى كفاءة العملية التشريعية؛ لذلك يمكننا وصفه بالعنصر الخارجي؛ إذ تتوقف والحالة هذه جودة التشريع على مدى توفر السيولة المالية لتنفيذ ما جاء به فالمشرع ملزم بإن لا يضمن مواد التشريع فقرات تقتضي إمكانية مالية، ومخصصات يعلم مسبقا بانها غير ممكنة، فالحالة هذه انما يجعل من التشريع مجرد حبراً على ورق، ومقرراً له الوفاة قبل الولادة: أي كتب على ذلكم التشريع ان يكون من التشريعات الميتة التي لا يمكن تطبيقها، أي بمعنى آخر انتفاء الجودة فيها.
رابعا وجود جهة وظيفتها الرقابة على تشريعات الدولة
يذهب جانب من الفقه إلى عدم الحاجة لوجود رقابة على التشريعات الا في ظل ( الدساتير الجامدة)؛ واية ذلك هو الطبيعة المعقدة التي تتسم بها تلكم الدساتير، في عدم إمكانية تعديلها الا بإتباع اجراءات، وأليات تختلف عما هو معمول به في القوانين العادية (26).
وتختلف الهيئات الدستورية التي تمارس حق الرقابة من دولة لأخرى : فمن الدول من يمنح سلطة الرقابة إلى جهة سياسية كما هو الحال بدستور (فرنسا) لعام (1958) ، منها من يمنحها إلى محكمة قضائية كما هو الحال في دستورنا النافذ لعام (2005) .
_______________
1- آمنة فارس حامد عبد الكريم العجرش، مصدر سابق، ص 22 محمود علاوي الحمادة، اصول وضوابط الصياغة التشريعية للنصوص الجزائية دراسة مقارنة كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط ، الاردن، 2022 ، ص 115.
2- امنة فارس حامد عبد الكريم العجرش، مصدر سابق، ص 22 محمود علاوي الحمادة، مصدر سابق ، ص 115.
3- للمزيد من التفاصيل حول القواعد اللغوية في علم القانون ينظر : شاجع علي قاسم البصير اليات الاحتراس التعبيري في الصياغة القانونية مجلة اللسانيات العربية مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، العدد الثامن 2019، ص 224
4- ابتهال ضياء ناصر، الدور الاستشاري لمجلس شورى الدولة في العراق دراسة مقارنة رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة المستنصرية ، 2017، ص 77
5- يقصد باللغة الواضحة : هي تلك اللغة المباشرة، والصريحة التي تجيد إيصال ما تريد ؛ أي رسالتها إلى المخاطبين بها دون أي مبالغة، أو تعقيد ينظر: حازم بن فهد بن محمد السند اللغة الواضحة مفهومها وتاريخها وتطبيقاتها، مجلة آفاق للعلوم جامعة زيان عاشور الجلفة، المجلد السابع العدد الثاني، 2022، ص 194.
6- ابتهال ضياء ناصر، الدور الاستشاري لمجلس شورى الدولة في العراق دراسة مقارنة رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة المستنصرية ، 2017 ، ص 77.
7- ابتهال ضياء ناصر، الدور الاستشاري لمجلس شورى الدولة في العراق دراسة مقارنة رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة المستنصرية ، 2017 ص 79.
8- تتسم ( اللغة القانونية ) بعدة خصائص : كالعمومية، والتجريد، وتنظيم سلوك الأفراد في المجتمع، وهي لغة الزام وجزاء، ... للمزيد حول اللغة القانونية . ينظر : ادريس حسوني اللغة القانونية وخصائصها، مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية ، العدد الثامن 2020، ص 118، 121
9- د. اكرم الوتري، فن اعداد وصياغة القوانين مجلة القضاء، بغداد ، العدد الثالث ، 1971 ، ص 27.
10- اكرم الوتري، فن اعداد وصياغة القوانين مجلة القضاء، بغداد ، العدد الثالث ، 1971 ، ص 28
11- ابتهال ضياء ناصر، الدور الاستشاري لمجلس شورى الدولة في العراق دراسة مقارنة رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة المستنصرية ، 2017 ، ص 77.
12- اد. محمد رفعت عبد الوهاب ، القضاء الإداري مبدأ المشروعية وتنظيم القضاء الإداري الاختصاص القضائي لمجلس شورى الدولة ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ، 2005 ، ج 1 ، ص 44 .
13- د. حميد حنون ،خالد، مصدر سابق، ص 147.
14- د. وسام صبار العاني القضاء الإداري، ط 1 ، دار السنهوري، بيروت، 2015، ص 15
15- المصدر نفسه، ص 15
16- نصت المادة (55) من دستور فرنسا لعام ( 1958) على : (يكون للمعاهدات أو الاتفاقيات التي يتم التصديق أو الموافقة عليها حسب الأصول، وعند نشرها قوة تفوق قوانين البرلمان شريطة أن يطبقها الطرف الآخر فيما يتعلق بهذا الاتفاق أو هذه المعاهدة ) . ينظر : دستور فرنسا لعام 1958
17- نصت المادة (151) على ( يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقا لأحكام الدستور). ينظر : دستور: جمهورية مصر المعدل لعام 2014، المادة 151
18- ليث كمال نصراوين متطلبات الصياغة التشريعية الجيدة، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، المجلد الخامس، ملحق السنة 2017.
19- ينظر: المادة (2) من دستور (جمهورية العراق ) النافذ لعام ( 2005).
20- د. حسن علي الذنون ، فلسفة ،القانون مكتبة السنهوري ، ص 240 .
21- حسن علي الذنون ، فلسفة ،القانون مكتبة السنهوري ص 240 .
22- ساسي محمد فيصل، ماهية السياسة التشريعية التعريف والآليات اليوم الدراسي السادس السياسة التشريعية بين حفظ النظام العام وايثار الحريات العامة ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة، المجلد الثاني السنة 2019، ص 101.
23- ساسي محمد فيصل ، مصدر سابق، ص 102
24 ليث كمال نصراوين متطلبات الصياغة التشريعية الجيدة، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، المجلد الخامس، ملحق السنة 2017. ص 406
25- أحمد عبيس نعمة، التشريع السليم ومعوقات العملية التشريعية في العراق، مجلة الكوفة، العدد الثامن عشر، ص 42.
26- د. عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والنظم السياسية، منشأة المعارف الاسكندرية، ص 42 43.
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)