

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
أثر فلسفة الدستور في مصادر التشريع
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص 58-67
2026-04-22
45
يقصد بمصادر التشريع ، الأسباب المنشأة له ومادته الأساس التي يبنى عليها التشريع في مجتمع ما، فالتشريع كما هو حال كل الأشياء في الوجود لا يتصور وجودها من العدم(1) والمعنى المتقدم الذكر يشير إلى المصادر المادية للتشريع دون المصادر العضوية ؛ أي الجهة التي يخرج منها التشريع .
ويُؤثر الدستور بالاتجاهات التي يتبناها في مصادر التشريع ، التي تؤثر بدورها في مدى تحقيق الجودة في التشريع وهذا ما سيكون عليه مدار بحثنا في هذا الموضوع ، وفقًا لفرعين نتناول في أولهما مدى تأثير فلسفة الدستور في المصادر المدونة، ويختص الثاني في المصادر غير المدونة وفقًا لما يلي:
الفرع الأول
المصادر المدونة
يقصد بالمصادر المدونة : « تلك المصادر المكتوبة التي تستمد منها التشريعات مضمونها ومحتواها لتمثل بذلك موضوع التشريع ومادته».
مما لاشك فيه أن وضع تلك المصادر ضمن نصوص تشريعية ، يضفي عليها القوة الإلزامية ويمنحها الصبغة الرسمية (2) ، وبما إن تلك المصادر لا تتمتع بالقوة الالزامية المادية التي تتمتع بها القواعد التشريعية؛ فأن التشريع عندما يستمد موضوعه منها ، يسهم في رفع مدى الالتزام بها واتباعها (3) .
وتبرز أهمية المصادر المكتوبة بأنها عادة ما تكون على قدر كبير من التحديد ، وتتسم بالوضوح ولا يكتنفها الغموض وتكفل ثبات واستقرار الأحكام القانونية (4)؛ فذلك الوضوح الذي تتمتع به المصادر المكتوبة يسهل على المشرع عملية الرجوع إلى أحكامها والانتهال من مادتها .
كذلك فأن المصادر المكتوبة تتسم بأهمية عملية نابعة من ملائمتها للظروف والحاجات الاجتماعية وحاجات المجتمع (5) فالدين السائد في أي مجتمع وبصفته من أهم المصادر المكتوبة يعد تعبيرًا صادقًا عن منطلقات أفراد ذلك المجتمع ، والتنظيم الذي يرتضوه في سائر علاقاتهم كما إن هذه المصادر تتسم بسهولة معرفتها والاطلاع عليها والرجوع لها؛ لأنها تكون مدونة في وثائق أو كتب أو مستندات ... الخ (6) وبذلك فأن المشرع وكما أسلفنا القول يسهل عليه عملية الرجوع لتلك المصادر ومعرفتها و الانتهال منها، كما أن القاضي ايضا عند تطبيقه لتشريع ما يكون بإمكانه الرجوع بشكل سهل وسريع إلى مصدر ذلك التشريع ، فيما لو كان مكتوبا؛ لمعرفة روح التشريع والمقصود من وراء نصوصه بشكل أكثر دقة ؛ لوضع تفسير مناسب للتشريع محل النظر؛ مما يحقق الجودة في التشريع، فتلك المصادر توفر عنصر الوضوح لتحقيق الجودة التشريعية، بوساطة إمكانية سهولة الرجوع إليه الوضع التفسيرات المناسبة عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، لذلك سنعمد إلى بيان المصادر المدونة في فقرات عديدة.
أولا : الدين
يعرف الدين بأنه : " كل ما يتم التوصل إليه من وحي قوة معنوية غير منظورة " (7) ويلحظ في التعريف متقدم الذكر، أن الدين لا يقتصر على الأديان السماوية ، وانما يشمل كل الأديان سماوية كانت أو غير سماوية كالبوذية والهندوسية .
ونجد أن فلسفة الدساتير قد تأتي على بيان الدين الرئيس للدولة كما هو الحال في غالبية الدساتير العربية التي حددت الاسلام كدين رئيسي لدولها : كالمادة (8) من دستورنا النافذ لعام (2005) التي نصت على: «الاسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس للتشريع»، والمادة (2) من دستور (جمهورية مصر العربية) لعام (2014) المعدل (8) والمادة (2) من دستور (الجزائر) لعام (1996) المعدل (9) .
ومن الدساتير غير العربية التي نصت على الديانة الإسلامية دستور ( الجمهورية الباكستانية الإسلامية ) لعام (1973) المعدل في المادة (2) منه (10)، كذلك دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية) لعام ( 1979) المعدل .
ونجد أن بعض الدساتير قد نصت على الديانة المسيحية كما في دستور (الدنمارك) لعام (1953) في المادة (4) والتي نصت على : " تكون الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الكنيسة الرسمية في الدنمارك، وعلى هذا النحو، فإنه يتعين دعمها من قبل الدولة " .
وبقدر تعلق الأمر في بحث مدى تأثير فلسفة الدستور في مصادر التشريع ، نجد المواقف الدستورية المتباينة تجاه الدين المقر دستوريًا ، فمن الدساتير من سلكت مسلكا ضعيفاً دينيًا مثل دستور (الجزائر) لعام (1996) المعدل والذي اكتفى بالنص على كون "الاسلام دين الدولة"، في حين يقف دستور (الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) على طرف نقيض من الموقف سالف الذكر ، فنجد النزعة الدينية تطغى على مجمل نصوصه، وتختار الدساتير الأخرى لنفسها موقفًا وسطا بين التشدد والضعف من الدين .
وتؤثر المواقف سالفة الذكر في جودة التشريع ، فتمثل التعاليم الدينية بغض النظر عن كونها إسلامية أو مسيحية أو يهودية ... الخ ، ارشادات حول المبادئ الأخلاقية والتي من شأنها تعزيز ما يحتويه التشريع من عدل وانصاف ، وبالتالي فهي تحقق أهم معيار لجودة التشريع في ضرورة أن يكون التشريع عادلا ومنصفًا، كما إنها تسهم في إيجاد تشريعات مقبولة ومتبعة اجتماعيا (11) مما يعني زيادة فاعلية التشريع وشموليته؛ إذ إنه يكون نابعا من روح المجتمع المطبق فيه؛ لذلك لا يجد الأفراد صعوبة في تنفيذه هذا فضلا عن إسهام المصادر الدينية في تحقيق الهوية المشتركة للمواطنين؛ لذلك فأن الدساتير التي تطغى على نصوصها النزعة الدينية كدستور ( الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) لعام (1979) المعدل تحقق لتشريعاتها المزايا سالفة الذكر، خلافًا من الدساتير التي تتسم بضعف نصوصها الدينية .
ورغم المزايا التي تقدم ذكرها يمكن اثارة بعض العيوب المحتملة لاستعمال المصادر الدينية للتشريع، ومن العيوب الرئيسة هي أن التشريعات القائمة على المصادر الدينية من الممكن النظر إليها على أنها أقل شمولاً من قبل أولئك الذين لا يتبعون نفس الدين (12) وبالتالي يمكن أن يؤدي هذا إلى الشعور بالغربة والإقصاء من قبل مجموعات الأقليات لا سيما في الدول التي تمتاز بوجود تعددية دينية؛ لذلك نجد أن موقف دستور (جمهورية مصر العربية) لعام (2014) المعدل في المادة (3) منه قد أسهم بتلافي هذا العيب حين نص على : " مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤنهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية " ، وبذلك فأن الموقف الدستوري سالف الذكر قد تفادى العيب المشار إليه وضمن وجود تشريعات تتلاءم مع جميع فئات المجتمع .
في حين أن بعض الدساتير تكتفي بتقرير حقوق الأقليات بنصها على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، وتكافؤ الفرص والعدالة في الواجبات والحقوق (13) وهذا ما نجده في دستورنا النافذ لعام (2005) في المادة (14) التي تنص على «العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي» ، وهذا التوجه الدستوري يحتمل النظر له من جانبين، فهو من ناحية يؤدي إلى وحدة التشريعات داخل الدولة، مما يعني عدم تشتتها وحدوث ظاهرة التضخم التشريعي ، نتيجة لكثرة التشريعات الحاكمة لذات الموضوع بالنسبة لكل فئة أقلية، وهو من جانب آخر يؤدي إلى تحقيق الجودة في التشريع؛ لأن القواعد التشريعية والخاصة بالأقلية تكون أكثر قبولا وانسجاما مع آمال وطموحات تلك الأقلية .
فضلاً عن ذلك ، قد يكون تغيير القوانين المستندة إلى المصادر الدينية أكثر صعوبة أو التكيف مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتغيرة ، حيث يُنظر إليها غالبًا على أنها ثابتة وغير قابلة للتغيير، وذلك لأكسائها بالصبغة الشرعية الدينية التي تمنع الخروج عليها أو المطالبة بإلغائها أو تعديلها ، مما يعني احتمالية عدم ملائمتها للظروف السائدة في المجتمع (14) ، وهذا العيب التشريعي يظهر بشكل أكبر في الدول ذات الفلسفة الدستورية المتشددة دينيًا كدستور ( الجمهورية الإسلامية الإيرانية) لعام (1979) المعدل، في حين أن دساتير الدول كدستور (الجزائر) لعام (1996) المعدل ودستور ( الدنمارك) لعام (1953)، وغيرها من الدساتير التي تكتفي بالإشارة البسيطة إلى الدين دون أن تنص على أنه مصدرًا رئيساً للتشريع يزيد من السلطة التقديرية الممنوحة للمشرع عند سنه للقواعد التشريعية مما يعني تنوع مصادر التشريعات في الدولة ، وعدم إكسابها الصبغة الدينية وإضفاء الشرعية عليها فيصبح بالإمكان تغييرها والغاؤها متى أصبحت غير ملائمة للمجتمع .
في حين نجد بعض الدول تتجه دساتيرها اتجاهاً بعيداً عن الدين ، فتسلك سبيل الإلحاد(15) فيتجنب دستور تلك الدول ذكر الدين في أي شكل من الأشكال وقد تذهب دساتيرها إلى أبعد من ذلك فنجدها تضم بين موادها نصوصا تقضي بالتخلي عن الدين، ومن النماذج المثالية للدساتير العلمانية المتطرفة دساتير الدول ذات التوجه الشيوعي ؛ فتربط هذه الأفكار الدين بالتخلف والرجعية(16) مثال ذلك دستور (جمهورية كوريا الشمالية الديمقراطية الشعبية) لعام (1948) المعدل والذي نص في المادة (20) الفقرة الثانية منه « لا يعترف بدين للدولة، ويفصل بين الدولة والكنيسة ، وهذا الموقف الدستوري يترك أثره على مصادر التشريعات التي لا يتوقع منها أن تكون مستمدة من مصادر دينية وما يمكن أن توفره تلك المصادر من عدل وقيم أخلاقية ، وإيجاد هوية مشتركة لمواطني الدولة التي تعد من مقومات جودة التشريع ويستمد المشرع تشريعاته و هذه الحالة من مصادر وضعية مختلفة ، بحسب فلسفة الدستور سواء أكانت يمينية أو يسارية، أو إنها مستمدة من فكر الزعيم القابض على السلطة في الأنظمة الشمولية السلطوية ... وما إلى ذلك .
في حين نجد أن بعض الدول قد حسمت موقفها الديني ، بتبني دساتيرها العلمانية المحايدة في عدم إعطاء أي ميزة لأي دين على دين آخر ، والدساتير ذات التوجه العلماني غالبا ما تقدم العلمانية بوصفها أحد المبادئ الدستورية ذات الأثر الكبير في تشكيل أيدلوجية الدولة(17) ، كما في دستور (تركيا) لعام (1982) المعدل الذي نصت المادة (3) منه : « الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون؛ في حدود مفاهيم السلم والعلم والتضامن الوطني والعدالة مع احترام حقوق الإنسان والولاء لقومية أتاتورك، وتقوم على المبادئ الأساسية الواردة في الديباجة» ، وعند مقارنةً تأثير العلمانية مع الدساتير اللادينية نجد ان موقف العلمانية المعتدل تجاه . جميع الأديان يسهم في توسعة السلطة التقديرية للمشرع ، مما يعني إمكانية اقتباسه لتشريعات من مصادر دينية وغير دينية وبالتالي اختيار الأفضل من بين مصادر التشريع ، خلافاً لفلسفة الدساتير اللادينية التي تستبعد النصوص الدينية نهائياً من مصادر التشريعات .
ثانياً : الفقه
يمثل الفقه المصدر الثاني من المصادر المدونة للتشريع ويقصد به : «مجموع آراء الفقهاء من رجال القانون وما يضعونه من نظريات ويسترشد المشرع في أكثر الأحيان بما يضعه الفقهاء من آراء ونظريات قانونية عامة ويحاول تبنيها»(18) ، ويعمل الفقه كمصدر للتشريع من خلال تأثير الفقهاء والخبراء القانونيين على العملية التشريعية ، إذ يمكن لهم تقديم رؤى وتوصيات قيمة للمشرعين وصانعي السياسات؛ مما يساعد على تطوير التشريعات والسياسات الجديدة .
فضلاً عن ذلك يؤدي الفقهاء والخبراء القانونين دورًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه الإعلام حول القضايا القانونية التي يمكن أن تؤثر على الهيئة التشريعية عند وضعها لتشريع ما . وبالطبع فأن الدول ذات الأنظمة السلطوية الشمولية ، التي لا تعبئ بالمجتمع المدني والرأي العام ، تتركز السلطة في ضوؤها بيد المركز السياسي الوحيد في الدولة ، والذي يباشر توزيع الموارد والسلطات بين أجهزته الخاصة ، ينتفي في ظلها القدرة على طرح الآراء بكل حرية وشفافية، فكل ما يخالف رأي السلطة وتوجهيها في الدولة يتعرض للتهجم بشتى التهم، فالرأي الراجح في ظل الأنظمة السلطوية هو رأي الزعيم قائد الدولة وكل الآراء يجب أن تتفق معه، مما يؤثر سلبًا على الفقه في داخل الدول التي تتبنى مثل تلك الأنظمة؛ إذ تأخذ الآراء والنظريات خصوصا ذات المساس المباشر بالسياسة والقانون مجرى واحد وهو المؤيد للسلطة، فلا يتوقع والحالة هذه وجود آراء فقهية متباينة وناقدة لفكر وآراء القابض على السلطة وبهذا يختفي الجدل والمناقشات والرد بالرأي على الرأي الآخر؛ ليودي كل ذلك إلى تراجع دور الفقه كمصدر للتشريع .
ثالثاً: القضاء
يقصد بالاجتهاد القضائي : " المبادئ الصادرة من المحاكم عند تطبيقها للقانون" (19) ، وقد تساهم الأحكام الصادرة عن القضاء في تكوين موضوع التشريع ، فينتهل المشرع منه و هذه الحالة مضمون التشريع ومادته ، ومن الطرق الرئيسة التي تعمل بها الأحكام القضائية كمصدر للتشريع(20) تطوير المبادئ والعقائد القانونية هذه المبادئ والمذاهب يتم استلهامها من المنطق والتحليل الذي تستخدمه المحاكم في قراراتها ، وغالبًا ما تكون بمثابة أساس لقوانين جديدة أو تفسير للقوانين القائمة وبالتالي فهي تسهم في تحقيق جودة التشريع (21) فالقضاء عند تطبيقه للقانون وإصداره أحكام قانونية يكون كمراقب ينظر في مدى كفاءة أو نقص القانون ، وبذلك يصدر أحكامه والمبادئ القانونية التي يستهدي بها المشرع عند وضعه للتشريع فتكون مادة ذلك التشريع وجوهره ؛ وهذا لا يحدث إلا في ضوء فلسفة دستورية تضمن للقضاء استقلاله وتوفر الضمانات الفعلية لذلك الاستقلال، فمتى ما كان القاضي مستقلا أمكنه الإبداع في عمله، خلافًا للأنظمة السلطوية التي يجد القاضي نفسه في ضوئها مقيدًا عند أداء عمله وبالتالي لا يمكنه الإبداع في إصداره للأحكام القانونية ، وتنتفي إمكانية خلق القاضي لمبادئ قانونية جديدة، مما يؤثر سلباً لجودة التشريع .
الفرع الثاني
المصادر غير المدونة
يمثل العرف والمبادئ العامة مصادر غير مدونة للتشريع ، فالمشرع عند وضعه لتشريع ما يلتزم باحترام الأعراف والمبادئ العامة القانونية وعدم مخالفتها (22) فالمصادر غير المدونة لا تتضمنها وثيقة معينة؛ إنما تكون ذات وجود معنوي، أي أنها راسخة بضمير الجماعة، وعلى الرغم من كون تلك المصادر تتمتع بجزاء يلزم الأفراد باتباعها ، إلا أن ذلك الجزاء يستمد وجوده من وجود تلك المصادر فيشترك معها بالطبيعة المعنوية .
وتتمتع المصادر غير المدونة بشكل عام بأهمية كبيرة ؛ فتُعد مصداقا لما يرتضيه الأفراد في المجتمع في تعاملاتهم وتعبيرًا عن رغباتهم واحتياجاتهم، كما إن تلك المصادر تتمتع بمزية خضوع الأفراد إليها من تلقاء أنفسهم دون الحاجة لوجود جزاء مادي مفروض عليهم ، أو الشعور بإنهم خاضعين لهيئة أعلى منهم (23) وبذلك فأن المشرع كثيراً ما يلجئ للاقتباس من المصادر غير المدونة؛ لأنها تعد تعبيراً صادقًا لظروف المجتمع واحتياجاته ، وأن تجاهلها من شأنه ان يؤدي إلى عدم فعالية التشريع؛ لعدم استجابة الأفراد لتلك التشريعات. ونتناول تلك المصادر في فقرتين:
اولاً: العرف
يمثل العرف أهم المصادر غير المدونة، ويقصد به : « تلك القواعد التي درج الناس على استعمالها في معاملاتهم ونشاطاتهم ، والتي يلتزمون بها ويترتب على مخالفتها جزاء معنوي، فهو بمعنى آخر عادة يشعر الأفراد بأنهم ملزمون على اتباعها» (24).
ومن التعريف متقدم الذكر يتبين أن للعرف عنصرين، أولهما العنصر المادي الذي يمثل العادة التي درج الناس على اتباعها؛ أي سلوك الأفراد الذي درجوا على اتباعه في معاملاتهم (25) . في حين يمثل العنصر المعنوي شعور الأفراد بأن العادة التي درجوا على اتباعها ملزمة لهم ويترتب على من يخالفها جزاء معنوي (26) ، فيمثل العنصر المعنوي أساس وجود العرف وتمييزه عن العادة؛ فمهما بلغ الأفراد من تواترهم في اتباع سلوك معين ، لا يصبح ذلك السلوك عرفا ما لم يقترن بشعورهم بإلزاميته وشعورهم أن مخالفتهم لذلك السلوك يرتب عليهم جزاء معنوي.
ويشير العرف كمصدر للتشريع إلى فكرة إن بعض القواعد القانونية يمكن اشتقاقها من السلوك والممارسات المعتادة للأفراد في مجتمع معين، وبذلك تمثل الأعراف السائدة اجتماعيًا دليلًا للمشرع يسترشد به عند وضعه للنصوص التشريعية ؛ لتكون تلك النصوص متلائمة مع ظروف الواقع الاجتماعي؛ وبذلك تكون محققة لمعيار الواقعية ، وتزداد أهمية العرف كمصدر للتشريع في الدول التي تتجه دساتيرها توجها اشتراكيًا؛ إذ تسعى تلك الدول إلى التدخل في جميع مجالات الحياة الاجتماعية وتقلل من وجود الحريات الفردية فيكون العرف مصدرًا أساسيًا للتشريعات ذات الطابع الاجتماعي، في حين تقل هذه الأهمية في الدول التي تحكمها دساتير فردية التوجه؛ نتيجة لعدم تدخل الدولة في علاقات الأفراد .
في حين نجد أن المشرع في ظل الدساتير ذات التوجه الإسلامي ، كثيرًا ما يعتمد على العرف الصحيح بوصفه مصدراً للتشريع في المسائل التي لم يرد فيها دليل نصي أو إجماع ؛ فالشارع المقدس قد راعى الأعراف السائدة اجتماعيًا كما في شرط الكفاءة عند الزواج، وفي هذا الصدد يقال: ( العادة شريعة محكمة ) (27) فنجد أن العرف الصحيح الذي لا يخالف مقاصد الشريعة الإسلامية ، يستمد منه المشرع مادة تشريعاته في ضوء الدساتير ذات التوجه الإسلامي؛ إذ يحتل العرف مكانة مهمة في التشريع الإسلامي؛ وهذا يؤثر في جودة التشريعات الوضعية المستقاة من العرف من ناحيتين :أولهما إيجابية تتمثل في تحقيق معيار الواقعية والقبول الاجتماعي اللذان ، يعدان من معايير تحقيق الجودة في التشريع، وإن الاعتماد بشكل كبير على العرف سواء في ظل الدساتير ذات التوجه الاشتراكي أو الإسلامي ، قد يؤدي إلى عدم تطور القواعد التشريعية وحجب الأفراد عن إيجاد سبل حديثة في تعاملاتهم من جانب آخر ؛ لكون العرف يحتاج إلى وقت طويل لنشوئه ومن ثم الالتزام به ؛ أي استكمال أركانه المادية والمعنوية مما يؤثر سلبًا في تحقيق الجودة في التشريع ، ذلك التشريع الذي يجب ان يسهم في تحقيق التقدم الاجتماعي .
ثانياً : المبادئ العامة
تعد المبادئ العامة مصدراً من المصادر غير المدونة للتشريع والمبادئ العامة : " هي تلك القواعد القانونية والاجتماعية غير المكتوبة التي يتم الكشف عنها واستخلاصها بالرجوع إلى الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة في مجتمع معين ومبادئ العدل والإنصاف "(28) ، ويستمد المشرع في الدولة مضمون التشريع ، بالرجوع إلى تلك المبادئ واستنباطها من روح المجتمع أو من الأحكام الصادرة من القضاء ، وتقوم هذه المبادئ بدورها بالعمل كمرشد للمشرع ومساعدته في استنباط القواعد التشريعية الملائمة للمجتمع الذي يسن التشريع فيه ، فنجد أن رجوع المشرع إلى المبادئ العامة وانتهاله منها مادة التشريع ، يسمح بدخول الاتجاهات والتيارات السياسية والاجتماعية السائدة في مجتمع ما إلى المنظومة التشريعية ، ويبرز تأثير فلسفة الدستور على المبادئ العامة للقانون كمصدر للتشريع فالدساتير ذات النزعة الفردية التي تتبنى مبدأ عدم تدخل الدولة في نشاطات الأفراد ، وغل يدها عن الحريات الفردية نجد تراجع المبادئ العامة بوصفها مصدرًا للتشريع (29) وينعكس ذلك على مدى تحقيق الجودة في التشريع؛ فالتشريع الجيد هو الذي يقوم بتنظيم المجتمع ، ويسعى لعدم استغلال أفراد الهيئة الاجتماعية بعضهم للبعض الآخر ؛ وبذلك فأن الدساتير ذات التوجه الفردي لا تحقق الجودة في تشريعاتها من ناحية استلهام مادة التشريع من الواقع الحي الذي تعيشه الدولة.
إلا أن ظهور تلك العيوب للتيار الفردي ، ومبدأ عدم تدخل الدولة في نشاطات الأفراد، باستغلال الأفراد بعضهم للبعض الآخر ، وشيوع الفقر بإصابة شريحة واسعة من الناس بالفقر وتردي وضعهم الاقتصادي أصبح من الضروري تدخل الدولة عن طريق التشريع لحماية الأفراد في المجتمع بمواجهتهم مع أصحاب القوة الاقتصادية ورأس المال؛ فظهرت الأفكار الاشتراكية الساعية إلى كبح جماح التيار الفردي وإعادة التوازن بين أفراد الهيئة الاجتماعية ، والمحافظة على سلمه ومنع ما قد ينشأ عن النظام الفردي من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وما ينجم عنه من حدوث الفوضى والنزاعات في المجتمع (30) وبذلك نجد أن المشرع في ظل الدساتير ذات التوجه الاشتراكي ، يعود كثيرًا إلى المبادئ العامة للانتهال منها بوصفها مصدرًا من مصادر التشريع ، عند وضعه لتشريعات الدولة وما يزيد من اعتماد المشرع بالرجوع لهذه المبادئ هو أن الفلسفة الاشتراكية تقلل من أهمية الدين بالنسبة للدولة فلا يبقى أمام المشرع سوى رجوعه لتلك المبادئ ، واعتمادها كمصدر مادي للتشريع، و بناءً على ما تقدم القول ان كثرة انتهال المشرع من المبادئ العامة في ظل الدساتير الاشتراكية ، يؤدي إلى تحقيق الجودة في التشريع فتكون التشريعات و هذه الحالة ، مسقاة من المجتمع نفسه الذي تطبق فيه ، مما يعني واقعيتها وزيادة فعاليتها وقبولها اجتماعيًا .
_____________
1-د. السيد محمد السيد عمران، الأسس العامة في القانون المدخل إلى القانون نظرية الالتزام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2002، ص 43
2- د. احمد شوقي محمد عبد الرحمن، المدخل للعلوم القانونية النظرية العامة للقانون منشأة المعارف، الاسكندرية، 2009، ص 69؛ د . هشام القاسم المدخل إلى علم القانون، ط 5 1997 ، ص 110
3- يذهب جانب من الفقه إلى ربط فكرة الجزاء بالسلطة وليس بالقانون فالجزاء في هذا المذهب لا يكون جزء من تحديد وتعريف القواعد القانونية فهو والحالة هذه يحدد مدى نجاعة السلطة التي تحدد الوسائل التي يتم اللجوء اليها لإرغام الافراد على طاعتها ينظر .. د. منذر الشاوي، فلسفة القانون مطبوعات المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1994، ص 190
4- د نبيل ابراهيم سعد، د. محمد حسين ،منصور، مبادئ القانون المدخل إلى القانون نظرية الالتزامات، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1995، ص 34
5- د احمد شوقي محمد عبد الرحمن المصدر السابق، ص 78.
6- د . هشام القاسم المدخل إلى علم القانون، ط 5 1997 ، ص 119
7- هشام القاسم المدخل إلى علم القانون، ط 5 1997 ، ص 228 .
8- ينظر : دستور (جمهورية مصر العربية) لعام (2014) المعدل .
9- ينظر : المادة (2) من دستور (الجزائر) لعام (1996) المعدل .
10- نصت المادة (2) من دستور (الجمهورية الباكستانية (الإسلامية) لعام (1973) المعدل على : ( الإسلام دين الدولة في باكستان).
11- Abdulaziz Sachedina, The Islamic Roots of Democratic Pluralism, center for strategic and international studies, OXFORD, 2001, page 4.
12- Wael B. Hallaq, An Introduction to Islamic Law, CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS New York, 2009, page 140.
13- د . علي نجيب حمزة، بحوث في القانون العام، دار السنهوري ،بيروت، 2018، ص 107.
14- Dr. Riaz Ahmad, Islam and the challenges of modernity, centre of excellence, Islamabad, 2004, page 14.
15- الفكر الالحادي : هو الفكر الذي يرى ان الكون قد نشأ بشكل عشوائي دون وجود اي صانع وفي مجمل افكارهم المختلفة يذهبون إلى عدم الحاجة لوجود اله ينظر: د عمرو شريف ، الالحاد مشكلة نفسية، ط 1 ، نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة 2016، ص 36 .
16- محمد عبد العال العلاقة الدستورية بين الدين والدولة دراسة مقارنة حول مدى تدين الدساتير الوطنية، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الاسكندرية، العدد الثاني 2016، ص 281
17- محمد عبد العال العلاقة الدستورية بين الدين والدولة دراسة مقارنة حول مدى تدين الدساتير الوطنية، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الاسكندرية، العدد الثاني 2016 ، ص 284
18- هشام القاسم، مصدر سابق، ص 240
19- احمد شوقي محمد عبد الرحمن، المدخل للعلوم القانونية النظرية العامة للقانون منشأة المعارف، الاسكندرية، 2009، ص 70-71
20- لا تأخذ الدول ذات الأنظمة القانونية اللاتينية بالقضاء كمصدر أساس للقانون بشكل عام إنما يتمتع القضاء في ظل تلك الأنظمة بمكانته ضمن المصادر التفسيرية ، على العكس من الأنظمة القانونية الانكلوسكسونية التي تعتمد نظام السوابق القضائية فيمثل القضاء فيها مصدرًا رئيسًا للقانون ينظر: د . عصام انور سليم موقع القضاء الدستوري من مصادر القانون، منشأة المعارف الاسكندرية، 2000، ص 7.
21-Edgar Bodenheimer, Jurisprudence the philosophy and method of the law, Printing 4, Harvard University Press Cambridge, London, 1981, page 367.
22- د. وسام صبار العاني القضاء الإداري، ط 1 ، دار السنهوري، بيروت، 2015، ، ص 22
23- د . هشام القاسم، مصدر سابق، ص 216
24- د. السيد محمد السيد عمران، الأسس العامة في القانون المدخل إلى القانون نظرية الالتزام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2002،، ص 63.
25- د. أشرف اللمساوي، الشريعة الدستورية في التشريعات المختلفة ودور القضاء الدستوري في رقابة المشروعية، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة 2006، ص 35 .
26- د. أشرف اللمساوي، الشريعة الدستورية في التشريعات المختلفة ودور القضاء الدستوري في رقابة المشروعية، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة 2006ص 64.
27- د . أسامة الحموي، مبادئ الشريعة الإسلامية منشورات جامعة دمشق، 2009، ص 64.
28- علي سعد عمران ، القضاء الإداري العراقي و المقارن ، طبعة جديدة ومنقحة ، مكتبة السنهوري ، بغداد ، 2011، ص 31
29- نجيب عبد الله نجيب الجبشة، مفهوم فكرة النظام العام وتطبيقاتها في التشريع الفلسطيني، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2017، ص 10
30- نجيب عبد الله نجيب الجبشة ، مصدر سابق ، ص 11.
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)