

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
أثر فلسفة الدستور في الأهداف العامة لجودة التشريع
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص 68-76
2026-04-22
50
تؤثر فلسفة الدستور في الأهداف العامة ؛ أي تلك الأهداف التي تشترك بها جميع التشريعات وهي:
أولا : تحقيق الاستقرار الاجتماعي
يتسم القانون بشكل عام بأنه ظاهرة اجتماعية؛ إذ تعود نشأة القانون لتحقيق غاية اجتماعية تتمثل في تنظيم شؤون أفراد الهيئة الاجتماعية؛ وبذلك فأن التشريع بمخاطبته للأشخاص يسعى لتنظيم سلوكهم، وهو بذلك التنظيم لا يكترث بغير ما يبدر منهم من سلوك اجتماعي ، ويصرف النظر عما سواه من عمل الإنسان مع نفسه أو مع ربه؛ فتلك الأعمال ، لا ينظمها التشريع؛ إنما تختص بتنظيمها القواعد الدينية أو ما درج عليه الناس من عادات وتقاليد (1) .
وينظم القانون المجتمع بوساطة ما يعمد إليه من التوفيق بين المصالح المتعارضة لأفراد الهيئة الاجتماعية، ومنع حدوث الفوضى بسبب تعارض مصالحهم الشخصية. بناءً على ما تقدم ، تركز الوضعية القانونية على التشريع كالمصدر الأوحد للقانون، وإن القواعد التشريعية هي وحدها القواعد الصادرة من لدن السلطة المختصة.
وتؤثر الفلسفة التي يتبناها الدستور في التنظيم الاجتماعي ، كهدف عام للتشريع بوساطة سعيها لدعم الفئات الاجتماعية التي تكون بحاجة إلى دعم كالفئات المتضررة والضعيفة أو الطبقات ذات الدخل المحدود (2) ، ونجد ذلك فيما يقرّه الدستور من نصوص تقر هذا الهدف كما في دستورنا النافذ لعام (2005) الذي في ديباجته : " فسعينا يداً بيد وكتفاً بكتف لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء" . وكذلك ما جاء ايضا في المادة (30) أولا التي نصت على : " تكفل الدولة للفرد و للأسرة - وبخاصة الطفل والمرأة - الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم " ، وكذلك المادة (33) التي نصت على: « ترعى الدولة المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة وتكفل تأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع وينظم ذلك بقانون» ، وتؤثر مثل تلك الفلسفة الدستورية في تحقيق التنظيم الاجتماعي كهدف عام للتشريع والتي توفر اللبنة الأساسية التي يجب أن يبنى عليها المجتمع من تقريرها لدعم الفئات التي تكون بحاجة لذلك الدعم، وإقامة المجتمع على ركائز من تقلل الفروق بين جميع أفراد المجتمع رجالا ونساء، أصحاء أم معاقين... الخ ، تمهيدًا لإقامة مجتمع سليم؛ فمتى ما اتسعت الهوة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد سادت الفوضى الاجتماعية بما تحمله من شرور وانتفى التنظيم الاجتماعي، فالدستور قد عمد في الأمثلة المشار إليها وغيرها ممن لا يتسع المجال لذكره إلى وضع المبادئ الأساسية ، التي يلتزم بها المشرع عند سنه لتشريع ما لتكون بذلك الخطوة الأولى في تحقيق الجودة في التشريع .
كذلك يتأثر التنظيم الاجتماعي كهدف عام لجودة التشريع بمبدأ ( سيادة القانون) الذي يعد أحد عناصر فلسفة الدستور، فمتى ما تم تطبيق أو تنفيذ التشريع بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع حكامًا ومحكومين انتفى التمييز بينهم، وتحقق الاستقرار الاجتماعي وكذلك العدالة الاجتماعية؛ إذ يمثل تمركز الثروة بيد فئة دون أخرى واحتكار تلك الفئة للثروات دون سواها، مصدرًا للظلم وعدم المساواة الاجتماعية وعدم تحقيق الانسجام الاجتماعي (3) فيعمل الدستور بوساطة مبدأ سيادة القانون على الزام المشرع عند وضعه للتشريعات في التزام الحياد والتجريد ، فلا تأتي تلك التشريعات محابية لفئة دون آخرى؛ بل تضع الجميع حكامًا ومحكومين على قدم المساواة أمام القانون، وذلك هو ما يرمي لبلوغه المشرع كهدف اولي لتحقيق الجودة في التشريع (4).
ثانيا : تحقيق العدل
يمثل العدل غاية يهدف كل تشريع إلى تحقيقها؛ فهي الغاية الأسمى التي وجد القانون من اجلها بشكل عام. ويختلف مضمون العدل من عصر الآخر ؛ فعند اليونان كان العدل يشير إلى عدم المساواة فالتباين الطبيعي بين البشر يتطلب معاملة مختلفة، في حين إن جوهر العدل في العصر الحديث هو المساواة والفلسفة القانونية الحديثة ، تعد تحقيق المساواة وتحاشي الابقاء على عدم المساواة وظيفة العدل الحيوية (5) فعند قيام المشرع بتنظيم المجتمع يقع على عاتقه تحري العدل في ذلك التنظيم، فلا يكون ترجيحه لمصلحة على أخرى مبني على أساس من الظلم والتمييز ؛ إنما عليه تحري العدل في ذلك التنظيم.
ولما كان العدل رديفا للمساواة، نجد أنه يتأثر كثيرًا بالفلسفة المتبناة دستوريا؛ فعندما يتبنى الدستور الفلسفة الفردية تكون المساواة بالنسبة له المساواة أمام القانون ومفاد ذلك مساواة جميع الأفراد أمام القانون وما يوفره لهم من حماية ، هذا من جانب ومن جانب أخرى يكونون جميعهم متساوون بما يفرضه القانون عليهم من التزامات دون تمييز بينهم على أساس من الجنس أو الدين أو الثروة(6) فالفلسفة الفردية لا تكترث بالفروق الاجتماعية بين الأفراد ، ولا تسعى إلى تقليل تلك الفروق أو الغاؤها فالفوارق الاجتماعية بالنسبة للفرديين شيء طبيعي؛ وبذلك فإن العدل والمساواة التي يسعى المشرع تحقيقها في التشريعات يكون أمام القانون لا إزالة الفوارق بينهم في الهيئة الاجتماعية.
في حين أن الفلسفة الاشتراكية تركز على تقليل الفوارق بين الأفراد، والسعي لتحقيق تكافؤ الفرص لهم (7) فالاشتراكية تتخذ موقفا مغايرا من غريمتها الفردية؛ إذ يسعى الاشتراكيون إلى إزالة الفوارق بين الأفراد داخل الهيئة الاجتماعية، فالمشرع في ظل الدساتير ذات التوجه الاشتراكي يضع نصب عينيه تحقيق هدفًا اجتماعيًا ممثلا في إزالة جميع الفروق الاجتماعية؛ ليكون العدل المحقق عدلا حقيقيًا غير مقتصر على العدل والمساواة أمام القانون فحسب ، كما في الفلسفة الفردية، مما يسهم في تحقيق أمثل للعدل تمهيدًا لتحقيق الجودة التشريعية فيما بعد.
في حين أن الفلسفة الإسلامية تنظر إلى العدل بوصفه مفهومًا شاملا يتضمن العدل بين جميع أفراد الهيئة الاجتماعية في مختلف الأصعدة ، كوضع الحل الأمثل لمعالجة الفقر والجهل وعدم التمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو غيرها من دواعي التمييز، فقد ركزت الشريعة الغراء على وضع اسس للصيانة الاجتماعية وفقًا للعدل ومنع الاستعباد ، فالعدل الإسلامي يقوم على أساس الآخاء والمحبة للإنسانية جمعاء (8) ، وقد ورد العدل في القرآن الكريم كما في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللَّهُ أُولَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تُعدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (9) ، وبذلك فان الدساتير ذات التوجه الإسلامي كما في دستور ( الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) لعام (1979) المعدل والتي تطغى النزعة الدينية الإسلامية عليها فقد نصت ديباجته على « لا تبنى الحكومة من وجهة نظر الاسلام على المصالح الطبقية أو على هيمنة فرد أو مجموعة ؛ بل أنها تجسد التطلعات السياسية للشعب ...» ، كذلك ما جاءت به المادة (2) من الدستور ذاته في الفقرة رابعا بنصها على : " الايمان بعدل الله في الخلق والتشريع " ، ومن الاستعراض البسيط سالف الذكر يمكننا ملاحظة مدى التركيز على العدل بوصفه مفهومًا شاملا، تُبنى على أساسه الدولة في الاسلام في جوانبها كافة ويدخل التشريع من ضمن تلك الجوانب من باب أولى ، فالتشريع هو الذي ينظم المجتمع ملتزما بالأسس والتوجهات التي يضعها الدستور؛ وبناءً على كل ما تقدم يمكن القول إن التوجه سالف الذكر يلزم المشرع بموجبه لأن يأتي عند وضعه لتشريعات تكون تلك التشريعات محققاً للعدل تمهيدًا لبلوغ الجودة في التشريع.
كذلك ويؤثر مبدأ ( الفصل بين السلطات ) بوصفه أحد عناصر الفلسفة الدستورية، فيضمن هذا المبدأ وضع تشريعات عادلة ، كونها تأتي من لدن السلطة التشريعية المتكونة من ممثلي الشعب فتكون التشريعات والحالة هذه متسمة بالعدل والواقعية (10) ؛ لذلك فلا يتصور كقاعدة عامة وجود تشريعات تتسم بالعدل في دول تسودها أنظمة سلطوية شمولية، ويحدث العكس في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية والتي تبنى على أساس من الفصل بين السلطات، إذ تتوفر بيئة مناسبة لتحقيق التشريعات العادلة ، لا سيما في أنظمة الفصل المرن بين السلطات؛ إذ تتعاون السلطتان التنفيذية والتشريعية من اجل وضع تشريعات على مستوى من العدل . فالفكر الأساس في تبني فلسفة الدستور الفصل بين السلطات في تجنب هيمنة شخص واحد أو فئة قليلة على مقاليد الحكم داخل الدولة، وإصداره لتشريعات لا تعبئ بالعدل انما الغاية الأساس منها توطيد فكر القابض على السلطة .
وقد تتدخل فلسفة الدستور بشكل مباشر لتحقيق العدل بوساطة النصوص المنظمة لعلاقات الأفراد الاجتماعية وتوفير حماية أكثر للطرف الأضعف في مثل تلك العلاقات (11) كما في دستورنا النافذ لعام (2005) في المادة (22) ثانيًا منه والتي نصت على : « ينظم القانون العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على اسس اقتصادية مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية » ، فهذا النص يبين أن الدستور قد اقر أن العلاقات بين العمال وأصحاب العمل تنظم بقانون عادٍ مع التزام السلطة التشريعية عند وضعها لذلك القانون ضرورة مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية؛ بمعنى أن الدستور قد وفر توجها يعني بتحقيق العدل الذي يعد هدفًا عامًا للتشريع ومعيارًا من معايير الجودة فيه .
ثالثًا : تحقيق المصلحة العامة
تعد المصلحة العامة فكرة متغيرة المضمون من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر ؛ لذلك فإنها تتمتع بمفهوم واسع وهلامي الحدود ومن الصعب وضع تعريف جامع مانع لها، غير أن للمصلحة العامة مدلولين أولهما سياسي والذي يعني: «عدم اختلاف المصلحة العامة من حيث طبيعتها عن المصلحة الفردية ومصلحة الجماعة؛ فالمصلحة العامة بالمدلول السياسي تشير إلى التحكيم بين المصالح الخاصة المتباينة » (12) ، وبذلك فأن المصلحة العامة من الوجهة السياسية هي المصلحة الفردية أو الجماعية المرجحة على غيرها من المصالح.
في حين أن المعنى القانوني للمصلحة العامة يشير إلى : « المصلحة المحددة بوساطة السلطة المختصة داخل الدولة، وهذه السلطة قد تكون الدستور الذي يعمد إلى تحديد المصالح العامة في مواده، أو قد تكون تلك السلطة هي المشرع الذي يستهدف الصالح العام من وراء أعماله، أو قد تتولى الادارة تحديد المصلحة العامة عند ممارستها لأعمالها » (13) ، وبذلك فان المصلحة العامة تتدرج بدءًا من الدستور؛ إذ تتولى السلطة التأسيسية حماية ما تراه مناسبًا من مصالح، ومن ثم فأن للمشرع هو الآخر سلطة بمنح الحماية القانونية للمصالح التي يراها جديرة بالحماية، وكذلك فأن الجهات الادارية هي الأخرى تملك الحق في تحديد المصلحة العامة ومنحها الحماية المناسبة، وما يعنينا في هذا المقام هو المصلحة العامة المحمية تشريعيًا؛ إذ يقع على عاتق المشرع عند وضعه للتشريع أن يستهدف من ورائه تحقيق المصلحة العامة .
هذا وتتسم المصلحة العامة بأربع خصائص، أولها ارتباطها بنشاط الدولة: فالدولة تقوم على أساس من المصلحة العامة، فالسلطات العامة تستند إلى المصلحة العامة عند مباشرتها لنشاطاتها ووظيفتها الهادفة إلى تنظيم المجتمع واشباع ما يحتاجه المواطنين من حاجات عامة؛ وفي سبيل قيام سلطات الدولة بهذه المهمة تمتلك امتيازات وسلطات استثنائية ما كانت لتظفر بها لولا تحقيقها للصالح العام، فالدولة بمؤسساتها المختلفة تسهر لتحقيق راحة المواطنين وامنهم وتعمل على تحقيق سعادتهم، وتأمين ما يحتاجوه من سلع أو خدمات أي كان نوعها (14) فمتى ما انحرفت تلك السلطات عن المصلحة العامة اعترى في أعمالها العيب؛ وبذلك يلتزم المشرع عند سنه للتشريعات ، بأن تكون محققة للمصلحة العامة وغير محابية لفئة على حساب أخرى.
وتمثل العمومية السمة الثانية للمصلحة العامة؛ إذ يتمحور مضمون المصلحة العامة في تلبية الحاجات العامة للجمهور، وإن الدولة قدرت أن تلك الحاجات تسمو على غيرها من حاجات الأفراد، والمصلحة العامة تستمد قيمتها من عموميتها ؛ إذ تشمل جميع المواطنين دون إقصاء أي منهم لأسباب مبنية على أساس ذاتية أو على أساس من الجنس أو الدين أو اللغة أو اللون والحالة هذه ليست وقفًا على فرد بذاته يتمتع بفوائدها دون غيره، والمصلحة العامة قد تتسم بالسعة فتحقق منفعة لجميع أفراد الشعب في الدولة وتمتد حتى إلى الاجانب الموجودين داخل الدولة، وقد تضيق المصلحة العامة فلا تعني إلا بطائفة قليلة من المواطنين يتميزون بوجود شروط معينة (15) ، ونجد ذلك جليًا في التوجه الذي يسلكه الدستور في منحه للحماية للأقليات في المجتمع كما في المادة (2) الفقرة ثانيًا من دستورنا النافذ لعام (2005) بنصها على : « يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين و الأيزديين والصابئة المندائيين » وكذلك المادة (4) الفقرة أولاً من الدستور ذاته بنصها على: « اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، ويضمن حق العراقيين بتعليم ابنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية وفقا للضوابط التربوية، أو بأية لغة آخر ى في المؤسسات التعليمية الخاصة ، فالتوجه الذي تتبناه فلسفة الدستور ويتبناه التشريع على حد سواء في حماية الأقليات لا يعني وجود تناقضا وتعارضا مع المصلحة العامة، فعلى العكس من ذلك يؤثر ذلك التوجه ايجابًا في تحقيق جودة التشريع؛ إذ لا تلتزم الأقليات والحالة هذه بتشريعات قد لا تتلاءم مع دينها أو عاداتها أو تقاليدها، فتنفرد بتشريعات خاصة بها تنظم أحوالها الخاصة لتكون تلك التشريعات محققة لمصلحة تلك الأقليات التي تعد مصلحة عامة.
وتمثل المرونة السمة الثالثة من سمات المصلحة العامة، وتعني التغير المستمر والدائم الذي يطرئ على المصلحة العامة ، فيغيرها من زمان إلى آخر ومن مكان لآخر وفقًا للنظام السياسي الذي تتبناه الدولة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها، وكذلك فهي تتغير ضيقًا واتساعا وفقًا للايدلوجية السياسية المعتنقة من الدولة، فالدولة التي يعتنق دستورها الفلسفة الاشتراكية ترى أن المصلحة العامة تتمحور في توليها كل شؤون المواطنين فيها؛ لذلك فأن مفهوم المصلحة العامة يتسع وفقًا للتوجه الاشتراكي الذي يشمل جميع النشاطات والمجالات التي تتدخل بها الدولة، وعلى العكس من ذلك فان الدول ذات التوجه الفردي تقتصر وظيفتها على تحقيق المساواة والعدل لمواطنيها وتغل يدها عن التدخل في نشاطات الأفراد، إلا في الحال الذي ترى فيه أن نشاط الأفراد يتعارض مع مصلحة الجماعة؛ لذلك يتسم مفهوم المصلحة العامة في التوجه الفردي بالغموض وعدم الوضوح (16) .
على هذا الأساس ، فان وسم المصلحة العامة بالمرونة يعود لارتباطها بوظائف الدولة من جهة، ومن جهة أخرى لتعلقها بإشباع الحاجات العامة التي تكون في طبيعتها متغيرة من وقت لآخر ومن مكان لآخر .
وبالكلام عن المصلحة العامة في ظل الفلسفة الدستورية ، نجد أن اتساع المصلحة العامة في ظل الدساتير ذات الفلسفة الاشتراكية سلاحًا ذو حدين بالنسبة لجودة التشريع، فمن جانب يؤدي اتساع المصلحة العامة إلى تدخل الدولة في نشاطات الأفراد ، ومنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ومن الجانب الأخر فأن كثرة التشريعات المنظمة لسلوك الأفراد، تؤدي إلى حصول تضخم تشريعي وحدوث تعقيد في المنظومة التشريعية؛ أي إنه يؤثر سلبًا في جودة التشريع، في حين أن الفلسفة الدستورية الفردية وبغل يدها عن التدخل في نشاط الأفراد فإن ذلك يؤدي إلى حدوث الفوضى الاجتماعية ويصبح الضعيف خاضع لهيمنة القوي، ما يعني خروج التشريع عن مساره الرشيد في حماية المصلحة العامة. وتمثل المصلحة العامة وفقًا للشريعة الإسلامية نوعاً من التوازن بين الفرد من جهة، والجماعة من جهة أخرى؛ فتُعد الجماعة والحالة هذه هي الفرد والفرد هو الجماعة، فقد راعي الاسلام الفرد والجماعة على حد سواء فلا يطغى أحدهما على الآخر ، ومن أمثلة ذلك التوازن إباحة حق التملك للفرد والبيع والشراء، وكذلك الحض على الزكاة والصدقة والنفقة الواجبة ... الخ ، وما إلى ذلك من وسائل التوازن (17) ونجد ذلك في الفلسفة التي ينتهجها دستور ( جمهورية ايران الإسلامية ) النافذ لعام (1979) المعدل في المادة (2) في الفقرة ثانيًا منه والتي نصت على " الإيمان بالوحي الإلهي ودوره الأساس في بيان القوانين "، فيمثل هذا التوجه توجها عامًا وصريحًا نحو الالتزام بكل ما قرره الاسلام من أحكام ومبادئ ومن ضمنها الأمور التي تحقق المصلحة العامة.
وتترك هذه الفلسفة الدستورية أثرها الايجابي في تحقيق التشريعات للمصلحة العامة؛ فهي تنتهج منهجًا مغايرا للفلسفة الفردية والفلسفة الاشتراكية، فتجعل من الفرد والمجتمع محل اهتمامها دون أن يطغى الواحد منهما على الآخر؛ لتجعل من الموازنة بين الفرد والمجتمع ، المعيار الراجح على ما سواه ، ليؤدي كل ذلك إلى عدم اهدار المصلحة الفردية في سبيل مصلحة الجماعة، وعدم اهدار المصلحة العامة في سبيل المصلحة الفردية؛ مما يلقي بظلاله على التشريعات التي تأتي وفقا لتلك الموازنة محققة للمصلحة العامة كهدف عام لجودة التشريع.
وتمثل الأخلاقية السمة الأخيرة من سمات المصلحة العامة، إذ تتكون المصلحة العامة في حقيقتها من المثل الأخلاقية والقيم الاجتماعية المتعددة؛ وذلك لأن المصلحة العامة التي يؤمل تحقيقها بوساطة التشريع يجب أن لا تتعارض بأي شكل من الاشكال مع الأخلاق والفضيلة؛ بل عليه أن يسعى لإشاعة الأدب والأخلاق والمثل العليا في المجتمع، والتشريع الذي يسعى إلى تحقيق الخير العام والفضيلة في المجتمع ، يؤدي دورًا مهما في تقوية المجتمع (18) ؛ وبناءً على ذلك فلا يمكن مناقشة أثر فلسفة الدستور في أخلاقية المصلحة العامة كهدف عام للتشريع، فالأمر محسوم سلقا؛ إذ لا تكون المصلحة العامة معتبرة مالم تتفق مع المثل العليا والقيم السائدة اجتماعيًا.
وتتكون المصلحة العامة من عناصر عديدة يتم اجمالها في ثلاثة عناصر : أولها عنصر المنفعة والذي يمثل النتيجة المتوخاة تحققها من وراء المصلحة العامة، والمنفعة وفقًا للفقه القانوني المعاصر تعني الصلاحية لاشباع الحاجة بالفعل، وتقاس المنفعة وفقًا للفلسفة الفردية بما يحصل عليه الفرد من لذة، في حين تذهب الفلسفة الاشتراكية على أساس من اللذة العامة ، أي ليست لذة الفرد وحده (19) وفي ذلك يتماثل أثر الفلسفة المتبناة دستوريًا في تحقيق عنصر المنفعة مع الأثر الذي تؤديه تلك الفلسفة في عمومية المصلحة العامة.
ويمثل الهدف ثاني عناصر المصلحة العامة، ويقصد به من الوجهة الفلسفية الحد النهائي الذي يتم الوقوف عنده؛ أي المصير المؤمل بلوغه، وأن هدف الإنسان الذي يسعى إلى بلوغه هو السعادة، فالإنسان غريزيًا يسعى إلى تحقيق السعادة (20) . وبذلك فان فلسفة الدستور وبتحديدها لأهداف وغايات الدستور سواء في ديباجتها أو في النصوص الأخرى تلزم المشرع العادي بتلك الغايات ، فلا يمكنه عند وضع تشريع ما الخروج عليها سواء بشكل صريح أو مباشر ، إذ ما أراد تحقيق الجودة في تشريعاته . في حين تمثل المشروعية العنصر الثالث من عناصر المصلحة العامة؛ إذ لا يمكن تصور وجود مصلحة عامة ما لم تكن تلك المصلحة موافقة للدستور والقانون (21) ويتم ذلك في تطابق المنفعة التي تحققها تلك المصلحة والوسيلة المستخدمة لبلوغ تلك المنفعة؛ أي عندما تتفق الوسيلة والمنفعة مع القانون تصبح المصلحة العامة مصلحة مشروعة؛ لذلك فأن المشرع يعمد إلى وضع حدود لغاية واضحة من وراء التشريع الذي يضعه ويرمي من ورائه بلوغ تلك الغاية، ونتيجة لذلك فأن التشريع يوجد لوجود تلك الغاية، فمتى ما انتفت الغاية انتفى التشريع، أي إنه يدور معها وجودًا وعدمًا، ولا تقتصر الغايات التي يرمي إلى وجودها المشرع على المتطلبات الفردية؛ إنما تشمل حتى ما يحقق نفع المجتمع بشكل عام، سواء كانت تلك المتطلبات الفردية أو الجماعية مادية أو معنوية (22) ، فالتشريع عند مخالفته للمصالح العامة المعتبرة دستوريًا وقانونيًا يكون مشوبا بعيب عدم المشروعية، هذا بالنسبة للدساتير ذات الفلسفة غير المرنة من حيث تعديلها ؛ أي الدساتير الجامدة، في حين أن الدساتير مرنة التوجه يتمتع المشرع في ظلها بحرية واسعة في تعديل أحكامها في تشريع عادي؛ لذلك فإن المصلحة العامة تكون أكثر تغيرا في ظل الدساتير ذات التوجه المرن على العكس من نظيرتها الدساتير الجامدة ، إذ تتمتع المصلحة العامة كهدف عام يستهدفه المشرع في ما يجيء به من تشريعات بشيء من الاستقرار والثبات النسبي.
______________
1- د. السيد محمد السيد عمران، الأسس العامة في القانون المدخل إلى القانون نظرية الالتزام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2002، ص 11.
2- د. رافد خلف هاشم البهادلي د. عثمان سلمان غيلان العبودي التشريع بين الصناعة والصياغة، ط1، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2009، ص 26 .
3- د. عبد الحميد براهيمي، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الاسلامي، ط ،1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997 ، ص 32 .
4- اما فيما يتعلق بفلسفة الدستور الاشتراكية او الفردية وأثرها في التنظيم الاجتماعي كهدف عام لجودة التشريع نحيل إلى ما بحثناه سابقا فيما يتعلق بالمبادئ العامة كأحد المصادر غير مدونه للتشريع : ينظر: ص 68 .
5- د. دينيز لويد ، ترجمة: سليم الصويص، فكرة القانون المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1981، ص 109
6- محمد ناصح محمد امين خدر الحماية الدستورية لمبدأ المساواة في التشريعات الجنائية دراسة تحليلية مقارنة، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة السليمانية، 2022، ص 9.
7- محمد ناصح محمد امين خدر الحماية الدستورية لمبدأ المساواة في التشريعات الجنائية دراسة تحليلية مقارنة، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة السليمانية، 2022 ، ص 9 .
8- عبد الرزاق كمونة الحسيني، العدل الاجتماعي في الإسلام ، ط1 ، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بيروت، 1981، ص 16
9- سورة النساء اية .135
10- د. علي مجيد العكيلي ، العدالة التشريعية ودورها في حماية الحقوق المكتسبة ، مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية ، الجامعة المستنصرية ، المجلد اثنان وعشرون ، العدد الثاني ، 2020، ص 283
11- د. احمد حسن البرعي، د. رامي احمد البرعي الوسيط في التشريعات الاجتماعية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2009، ج2، ص 69 .
12- مصطفى طه جواد الجبوري، التناسب بين المصلحة العامة والخاصة في القانون الجنائي دراسة مقارنة اطروحة دكتوراه، معهد العلمين للدراسات العليا 2020، ص 65 .
13- محمد مقبل البخيتي، دور القرار الاداري في حماية المصلحة العامة مجلة الندوة للدراسات القانونية، قارة وليد، العدد التاسع والعشرين 2019، ص 79 .
14- مداح العربي، فكرة المصلحة العامة في مجال نزع الملكية للمنفعة العمومية، اطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 2019، ص 14 .
15- علي كريم شجر الجويبراوي ، المصلحة المعتبرة في تجريم الأفعال الماسة بأمن الدولة دراسة مقارنة ، رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة ميسان ، 2019 ، ص232
16- علي كريم شجر الجويبراوي ، المصلحة المعتبرة في تجريم الأفعال الماسة بأمن الدولة دراسة مقارنة ، رسالة ماجستير ، كلية القانون ، جامعة ميسان ، 2019 ، ص 227 .
17- د. محمد حسن ابو يحيى اهداف التشريع الاسلامي، ط 1 ، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، 1985، ص 257 .
18- مداح العربي، فكرة المصلحة العامة في مجال نزع الملكية للمنفعة العمومية، اطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 2019، ص14
19- مصطفى طه جواد الجبوري، التناسب بين المصلحة العامة والخاصة في القانون الجنائي دراسة مقارنة اطروحة دكتوراه، معهد العلمين للدراسات العليا 2020، ص 73.
20- مصطفى طه جواد الجبوري، التناسب بين المصلحة العامة والخاصة في القانون الجنائي دراسة مقارنة اطروحة دكتوراه، معهد العلمين للدراسات العليا 2020، ص 73 .
21- د. محمد حميد العبادي، المشروعية رقابة القضاء امتيازات الادارة العامة الضمانات لحماية الحقوق الحريات، ط1، دار جليس الزمان، عمان 2014 ، ص7.
22- مصطفى طه جواد الجبوري، التناسب بين المصلحة العامة والخاصة في القانون الجنائي دراسة مقارنة اطروحة دكتوراه، معهد العلمين للدراسات العليا 2020، ص 74-75
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)