

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
أهمية فلسفة الدستور
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص 12-17
2026-04-22
51
تنعكس آثار الدستور على العلاقات القانونية والاجتماعية جميعها ؛ لذلك فعند البحث في أهمية الفلسفة الدستورية، لا بد من الوقوف على أهميتها القانونية، ومن ثم أهميتها الواقعية، وهذا ما سنبينه تباعاً.
أولا: الأهمية القانونية لفلسفة الدستور
يُعد الدستور القانون الأسمى في الدولة؛ لذلك فأن الفلسفة التي يتبناها تمثل الإطار التنظيمي للمجتمع الذي يحكمه والذي يُلقي بظلاله على مفاصل الدولة جميع ؛ وبذلك فأن لفلسفة الدستور أهمية على الصعيد القانوني؛ إذ تحدد المبادئ والأهداف التي تحكم ، وتحدد شكل الدولة والمؤسسات الرسمية داخلها وحدود العلاقة بين هذه المؤسسات ، وبذلك فهي تمثل المرجع والدليل والمرشد للمؤسسات الرسمية عند أداء أعمالها، وللشعب عند ممارسته للسلطة ، وإن غيابها يؤدي إلى غياب المرجعية التي يتم اللجوء إليها وكذلك غياب المسار والمسلك الذي يتم اتباعه في العلاقات المنظمة دستورياً والأهداف المؤمل بلوغها (1) فهنا تبرز أهمية فلسفة الدستور بالنسبة لمؤسسات الدولة ، إذ يحدد هوية القابض على السلطة، بتحديده نظام الحكم، وآلية توزيع الاختصاصات . وتتجلى أهمية كل نظام من الأنظمة بما يحققه من مزايا؛ لذلك تباينت الدساتير في اتجاهاتها، فيتم اللجوء أما إلى تركيز السلطة بيد فرد واحد يمارس الوظائف التشريعية، والتنفيذية والقضائية معاً ، ولما كان من المستحيل لذلك الفرد ممارسة كل هذه الأعمال؛ يتم اللجوء الى مساعدين، أو مستشارين لتقديم المعونة إلى القابض على السلطة ، وفي هذه الحالة نكون أمام نظام سياسي مونوقراطي، أو قد يتم تركيز السلطة بيد مجلس أو جمعية منتخبة ؛ لتسمى ( حكومة الجمعية) وأيضا لصعوبة قيام هذه الجمعية بالمهام الواجبة عليها ؛ تقوم بتأسيس لجان للإسهام وإياها في ممارسة سلطتها القابضة عليها، وفي ذلك يفقد هذا النظام صفائه النظري في وحدة سلطته حتى لو كان المساهمون مع المجلس خاضعين له (2) إذ تتوزع الاختصاصات بين لجان عديدة أو سلطات عدة والغاية في تركيز السلطة بيد فرد واحد كما نرى كانت نابعة من حب الاستئثار بالسلطة في الماضي، واللجوء إلى النظريات الدينية لإسناد الحكم لشخص واحد بوصفه مختار من قبل الله، أو ممثلاً عنه في الارض لذلك تبرز أهمية مثل تلكم الاتجاهات في منح الاستقرار النسبي للمجتمع ؛ لعدم جراءة الشعب في الخروج على الحاكم ممثل الإلهة ، فالدستور الذي يتجه للأخذ بنظام الحكم الفردي ، ينشد في حقيقته بلوغ المزايا التي يوفرها مثل ذلك النظام من توفير الاستقرار المزعوم ، الا أن هذا الاستقرار وبطبيعة الحال لا يدوم لينتفض بعد ذلك الشعب مطالباً بتغيير الحكم ؛ ليفقد هذا النظام أهميته، كما أنه لا يمكن عد توسيع اختصاصات سلطة على حساب الأخرى بانه تركيزاً للسلطة، وفي هذه الحالة تكون أمام سلطة دستورية مفضلة ، وتتجه الدساتير للأخذ بمثل هذا النظام في توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة ؛ لرغبتها في تقوية سلطة على بقية السلطات الأخرى ويكون ذلك تحقيقاً لأهمية مبتغاها ، محاولة الدستور الانتقال بالدولة إلى وضع تطمح السلطة التأسيسية الوصول إليه .
وقد تتبنى فلسفة الدستور مبدأ الفصل بين السلطات ، فتعمد إلى توزيع الأعمال بين العديد من المؤسسات، فلا يستقل فرد أو مؤسسة واحدة بوظيفة دون سواها ، والغاية من هذا التوزيع هو التخصص الفني لكل جهة، ويمنع شخصنة السلطة أو الاستئثار بها ، وتجنب مساوئ النظام الفردي السالف ذكرها؛ فالتنظيمات الحديثة تنتهي بتوزيع العمل داخل الدولة الواحدة إلى توزيع العمل بين ثلاث سلطات؛ فيكون من يصوغ الإرادة العامة في التشريعات يختلف عن من يقوم بالتنفيذ أو من يتولى الإشراف على ضمان صحة التطبيق (3) ، وفي هذه الحالة نكون أمام نظام حكم رئاسي أو برلماني، وبهذا فإن الدول الراغبة بمنح الرأي العام وجماعات الضغط قدراً من الأهمية ، نجد دساتيرها تتجه إلى تقوية السلطة التشريعية، في حين يتم اللجوء إلى تقوية السلطة التنفيذية؛ فيما لو رغبت ببسط سلطتها بالاعتماد على ما تملكه من قوة قد تصل إلى العنف، وتلجئ الدول الراغبة بإرساء مبادئ العدل إلى تعزيز استقلال السلطة القضائية ، وهنا تبرز أهمية التوجه الذي يسلكه الدستور في تحقيق الفوائد سالفة الذكر.
ولفلسفة الدستور أهمية أخرى في تبني مبدأ الفصل بين السلطات فضلاً عن ما تقدم ؛ فالحالة التي يتم بها توزيع الاختصاصات بين هيئات متعددة، تؤدي إلى الحد من الغلو في استعمال السلطة ومنع استبدادها وللإمعان في أهمية هذا المبدأ ذهب رجال الثورة الفرنسية بالقول، أن الدولة التي لا تأخذ بنظام الفصل بين السلطات تفقد أساسها الدستوري (4) وكان هجر رجال الثورة الفرنسية أمثال ( مونتسكيو ) و( جان جاك روسو ) لنظام الحكم الفردي والالتجاء إلى مبدأ ( الفصل بين السلطات ) نابع من ردة فعل تجاه نظام الحكم الفردي لما قاسته الشعوب من ويلات في الفترة التي كان ذائع فيها ، وبذلك فإن أهمية أخذ الدستور بنظام الفصل بين السلطات وتوزيع الاختصاصات فيما بينها ، يتمثل في المزايا التي يحققها هذا النظام والابتعاد عن المساوئ التي برزت بالنسبة للنظام الفردي.
وحتى على صعيد السلطة الواحدة قد تتجه دساتير بعض الدول للأخذ باللامركزية السياسية، ولا يأتي ذلك عن عبث؛ إنما لغاية يود الدستور بلوغها، وتكمن أهميتها في غايتها تلك، فالدساتير التي تأخذ باللامركزية السياسية تبرز أهمية فلسفتها الدستورية بتوزيع الاختصاصات بين المركز والأقاليم، أو الولايات، فتتجه دساتير الدولة الاتحادية التي تنشأ عن انضمام عدد من الدول المستقلة مع بعضها بعض، إلى توسيع اختصاصات الولايات أو الأقاليم على حساب الحكومة الاتحادية التي تضيق اختصاصاتها، في حين نجد أن دساتير الدول الاتحادية التي نشأت عن طريق تفكك دولة موحدة إلى ولايات، تتجه نحو منح حكومة المركز ؛ أي الحكومة الاتحادية ، الجانب الأكبر من الاختصاصات على حساب حكومات الولايات التي تضيق اختصاصاتها والحالة هذه (5) وهنا تبرز أهمية فلسفة الدستور؛ ففي الحالة الأولى يرغب الدستور بمنح الاختصاص الأوسع للولايات التي كانت تتمتع بكامل اختصاصاتها ، ولم ترغب بالتنازل سوى عن جزء منها، في حين يحدث العكس فيما لو تجزأت الدولة بعد وحدتها، فيعمد الدستور وفي هذه الحالة للإبقاء على الاختصاص الأوسع للحكومة المركزية صاحبة الاختصاص الاصيل، والسابق على وجود حكومات الولايات والغاية من كل ذلك ، هو بتعزيز أحد الحكومتين وفقاً لظروف الدولة ونشأة الاتحاد؛ لذلك توجه سهام النقد حول فلسفة دستور ( جمهورية العراق النافذ لعام 2005 )في منحه الاختصاص الأوسع للأقليم، على الرغم من أصل نشأة الدولة الفيدرالية في العراق هو الفرقة بعد الوحدة وليس العكس؛ ونتيجة لذلك فقد الدستور أهميته في تقوية حكومة المركز، ومنع حدوث النزاعات بينها وبين الأقاليم، وهي الغاية المثلى التي تضعها السلطة التأسيسية نصب عينيها عند صياغة الدستور(6).
ولفلسفة الدستور أهمية في تحديد نطاق وطبيعة حقوق الإنسان وتشريعات الدولة؛ فأهميتها لحقوق الإنسان تتضح بالنسبة للاتجاهات الليبرالية ، التي تركز على الفرد وتعده قيمة بذاته؛ لذلك توسع من نطاق الحقوق التي يتمتع بها في مقابل تضييق نطاق القيود عليها (7) ، أما الفلسفة الاشتراكية فترى إن حقوق الإنسان مجرد حقوق شكلية ذات صبغة نظرية ، ولا تتمتع بأي مضمون واقعي لأكثرية الأفراد؛ لذلك فهم يحددون نطاق الحقوق والحريات، ضمن ما نص عليه الدستور الذي يوفر لها الوسيلة المادية التي تتيح للمواطن التمتع بتلكم الحقوق والحريات (8)، وبذلك فإن الدساتير ذات النزعة الليبرالية توسع كثيراً من حقوق الأفراد على العكس من الدساتير الاشتراكية .
في حين إن أهميتها بالنسبة للتشريعات، تتجلى بتمثيلها الضمانة الأسمى لاستقرار المراكز القانونية، والتوقع المشروع الذي يُعد أحد أو جه مبدأ الأمن القانوني ، الذي يمكّن الأفراد من التعرف على القواعد الحاكمة لمعاملاتهم، والحدود التي بوسعهم الحركة ضمنها عند ممارسة نشاطهم، ومعرفة ما لهم من حقوق، وما عليهم من التزامات، وينتج عن ذلك تحقيق وظيفة القانون الأولى في توفير الأمان للشخص وينتفي وجود القانون في حالة عدم تحقيق هذا المبدأ ويركز الاشتراكيون الوطنيون (9) على فكرة الأمن القانوني؛ إذ يصبون تركيزهم على نصوص القوانين المادية دون الاكتراث لأرواح من يحكمهم القانون(10) وبذلك فأن الدساتير ذات الفلسفات الاشتراكية الوطنية تقدم مبدأ الأمن القانوني على غيره من المبادئ . ويتحقق ( الأمن القانوني ) في ضوء صياغة السلطة التأسيسية للنصوص الدستورية بقدر من التحديد والدقة والوضوح، ليجنب الدولة حالة الغموض، والقصور الدستوري وما يتبعه من اضطرابات، لا ترغب أي دولة بالوصول إليها، ويتبع التحديد والدقة في صياغة الفلسفة الدستورية توحيد النظام القانوني على جميع أقليم الدولة ، وإرساء الوحدة الوطنية لوحدة القانون المطبق على جميع أقاليم الوطن(11) مما يساعد على تحقيق غاية الدستور في توحيد الدولة، وتوحيد الأمة .
وتوحيد المصادر الشكلية والموضوعية للتشريع ، فيعود لينعكس على الجانب السياسي؛ إذ إن التوحيد القانوني يساعد على التوحيد السياسي، ليحقق بذلك التشريع الاستقرار والأمن في المجتمع (12). كما أن الوضوح في فلسفة الدستور، يؤدي إلى سهولة في استخلاص وفهم روح التشريع والمبادئ التي يقوم عليها، وتوفير الجهد للمشرع والقاضي، لتمكينهم من مواجهة الظروف المتغيرة، والاستجابة للحاجات المستجدة والتطور الحاصل في المجتمع (13) .
ويتبع ذلك أهمية الفلسفة الدستورية في تطبيق القانون ، بإنشاء المحاكم لحل المنازعات وفقا للقانون وما ينتج عن ذلك من أهمية في حماية أمن الأفراد وممتلكاتهم وحياتهم (14) . وبناءً على ما تقدم يمكننا القول أن الدساتير ذات الفلسفة الاشتراكية، تدعم الجودة المادية للتشريعات، ممثلة بالصياغة القانونية الواضحة لها، في حين أن الدساتير ذات النزعة الليبرالية تسعى لتمكين حقوق الأفراد وحرياتهم في تشريعاتها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ إنما نجد التشريع يتأثر جميع الاتجاهات المتبناة في الدستور بدءاً من نظام الحكم، والعلاقة بين السلطات وآلية من والغاء التشريع... إلى آخره .
ثانيا: الأهمية الواقعية لفلسفة الدستور
يوجد الدستور بوجود المجتمع ليقوم - كما أسلفنا - بتنظيم ذلك المجتمع الذي يحكمه ومنع احتمالية تحول السلطة إلى غنيمة بيد الأقوى، فالقانون الذي لا يواجه وقائع الحياة الاجتماعية ، يبقى مجرد حبر على ورق ضاعت الجهود سداً عند سنه، وبدءاً من تحديد الدساتير لحدود سيادة الدولة الجغرافية وتحديد الاشخاص الذين ينطبق عليهم وصف المواطنة (15) ومن هنا برزت الأهمية الواقعية لفلسفة الدستور في تنظيمها لقضايا ذات طابع واقعي ، تختلف عن القضايا القانونية سالفة الذكر للتوفيق بين مصالح ورغبات أعضاء الجماعة بوساطة الاتجاهات التي يتبناها، وكذا المؤسسات التي ينشئها لهذا الغرض لتحقيق الغاية التي تبلورت حولها النظريات في أسباب وجود الدستور؛ أي التوفيق بين مصالح أعضاء الجماعة لحفظ الأمن والنظام في المجتمع، ونتيجة لذلك يكفل بقاء ذلك المجتمع وعدم جر أعضاؤه نحو الصراعات التي تؤدي بآثار اجتماعية سلبية.
ولا يقف الأمر في بقاء المجتمع من زواله فحسب؛ أنما تبرز أهمية فلسفة الدستور في مدى إمكانية تحقيقها للتطور الاجتماعي ، فأي مجتمع يسعى بعد وجوده إلى تحسين حاله واطراد تقدمه؛ ويُعد ذلك بالأمر الطبيعي فيما لو نظرنا إلى الجماعات بوصفها مكونة من أفراد، وكل فرد لا يكتفي بشعوره بالبقاء؛ إنما هو في سعي دائم نحو التقدم والارتقاء، وهذه الغاية النابعة من الفرد والمكونة للمجتمع لا تتحقق إلا في ضوء وجود خطة يتم السير وفقاً لها، ويلتزم الجميع باحترامها حكاماً ومحكومين ، وهذا الاحترام يأتي من تحقيق الدستور للعدل(16) ويتمثل سعي الدستور للتقدم الاجتماعي بما يتبناه من نظم ، وفلسفات مختلفة وما يأتي على ذكره صراحة على ديباجته كما هو الحال في دستورنا النافذ لعام (2005) الذي يفهم من ديباجته سعيه لتحقيق التطور الاجتماعي » لصنع عراق جديد خال من النعرات الطائفية والنزاعات العنصرية والعقد المناطقية وبناء دولة القانون وانتهاج سبل التداول السلمي للسلطة » ، وكذلك يفهم سعي الدستور لأحراز التطور الاجتماعي بما يأتي على ذكره، ضمن نصوصه من كفالة التعليم الإلزامي كما في المادة (34) من دستورنا النافذ لعام (2005) التي نصت على أن التعليم عامل أساسي في تحقيق التقدم الاجتماعي ورعاية الدولة للبحث العلمي بما يخدم الإنسانية جمعا (17) .
وتبدو أهمية التطور الاجتماعي بشكل جلي بالنسبة للدساتير ذات الاتجاه الاشتراكي الاجتماعي ، إذ تمثل العدالة بالمصلحة الاجتماعية عندهم (18) ونحن نرى أن التطور الاجتماعي بوصفه القيمة الاجتماعية التي يسعى الدستور تحقيقها ، تبقى موقوفة على مدى استقرار الدولة ؛ أي توفر الأمن وعدم الانخراط في حروب داخلية أو خارجية، ففي مثل هذه الحالة التي ينعدم فيها الأمن لا يمكن تحقيق التقدم الاجتماعي فالأهمية الواقعية لهذه الفلسفة الدستورية ، تنبع من ترجيحها لغاية التطور الاجتماعي على غيرها من الغايات ؛ لذلك تتراجع هذه القيمة لتحل محلها توفر الأمن في المجتمع، فلا يمكن تصور مجتمع متطور وهو غارق في الصراعات، فتكون غاية المجتمع في هذه الحالة هو السيطرة على النظام و محاولة فرضه حتى لو بالقوة ، وبذلك فإن الأهمية المتوخاة في تحقيق التطور الاجتماعي تكون مرهونة في الاستقرار الذي تعيشه الدولة فلا يمكن تحقيقها مالم يتحقق ذلكم الاستقرار .
ولفلسفة الدستور أهمية لصيقة بماضي الدولة تتمثل ، بإحياء ذكرى أحداث أو واقعة سبقت وضع الدستور يتم برمجتها كآلية لحفظ ذكرى ضحايا ذلك الماضي ، ورفع نسبة الوعي الأخلاقي بشأن الجرائم المقترفة مسبقا؛ لإرساء حرز منيع يحول دون تكرارها في المستقبل، والسعي لزيادة الوعي الاجتماعي بتاريخ الدولة وما مرت من مآس ، وغايتها التي تسعى لنقل المجتمع إليها (19) ولا يقتصر الأمر على الذكريات الأليمة إنما يشمل ذكر امجاد الامة وتاريخها الحافل ، وبطولاتها كما هو الحال في دستورنا النافذ لعام (2005) وما جاء فيها : « نحن أبناء الرافدين موطن الرسل والانبياء ومثوى الأئمة الاطهار ومهد الحضارة وصناع الكتابة ورواد الزراعة ...» ؛ فتمثل هذه الفلسفة العلامة الفارقة في حياة الدولة ؛ أي الوضع الذي يسعى الدستور لعدم تكراره، أو الذي يطمح لبلوغه ، ويوظف فلسفته لتحقيق تلكم الأهداف.
وفي المجتمعات التي تتشابك فيها الهوية الدينية والقومية أو الدساتير التي توضع بعد ثورات ذات طابع ديني، تتجه فلسفاتها لصنع هوية دينية ترسم وفقا لها بقية العلاقات سواءً بين سلطات الدولة بعضها والآخر، أم بين تلكم السلطات والأفراد، وكذلك تعمد تلكم الدساتير لتحديد الإطار العام الذي تسير وفقاً له الدولة بجميع مفاصلها (20).
وتبرز الأهمية الواقعية في تبني الدستور لأحد المذاهب الفردية أو الاشتراكية، أو الإسلامية، فالمذهب الفردي يرى أن من واجب الدولة ، غل يدها عن التدخل في الحياة الاقتصادية التي تترك وشأنها للأفراد، في حين يتجه الاشتراكيون إلى التدخل في مفاصل الحياة جمعاء، ويتذرعون لتبرير ذلك لمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان؛ أما الدساتير ذات الاتجاه الإسلامي فأن أهميتها تبرز في حفظ الدين على أصوله المستقرة والاجماع، وكذلك حماية الشعب من استبداد وتحكّم الحكام، وتحقيق الأمن والطمأنينة بوصفها أساس الاستقرار في الدولة(21)؛ وبهذا فأن الدساتير ذات النزعة الفردية ، يتمتع الأفراد في المجتمع الذي تحكمه بحقوقهم وحرياتهم بشكل أوسع ، نتيجة لقصر وظيفة الدولة على توفير الأمن واشباع الحاجات الأساسية، مما يتيح لهم في ضوء تلك الفلسفة عدد أكبر من الخيارات التي بإمكانهم اتخاذها، على العكس من الدساتير ذات النزعة الاشتراكية؛ إذ تحكم الدولة بقبضتها على جميع مفاصل المجتمع؛ لتلقي بظلالها على الفرد الذي يجد نفسه مقيد الحرية، وعدد محدود من الخيارات التي بوسعه المضي بها، أما بالنسبة لدساتير ذات النزعة الدينية الإسلامية، فيحقق الفرد في ضوءها الأمن على دينه، وعقائده، إلا أن ما يعيب مثل هذه الدساتير في التطبيق العملي ، هو عدها للحاكم وكيل الإله ، أو ممثل عنه، واحاطته بهالة من القدسية تمنع خروج الشعب عليه في حالة استبداده ، والأمر لا يقتصر على الدساتير الدينية ؛ فحتى الدساتير الاشتراكية تركز الدولة بفكر زعيمها .
___________
1- د. قحطان أحمد الحمداني، المدخل إلى العلوم السياسية، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2012، ص 227 .
2- د. منذر الشاوي، فلسفة الدولة ، ط 1 ، الذاكرة للنشر والتوزيع، بغداد، 2013 ،ص93 و ما بعدها.
3- جعفر هشام أحمد، تقييد السلطة بين النموذجين الإسلامي والغربي، مجلة المسلم المعاصرة، جمعية المسلم المعاصر، المجلد واحد و عشرون العدد واحد و ثمانون، 1996 ، ص 71.
4- د. حسان محمد شفيق العاني الانظمة السياسية والدستورية المقارنة، العائك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2007، ص 27.
5- محمد كاظم المشهداني القانون الدستوري الدولة الحكومة الدستور، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الاسكندرية ، 2011، ص 47 .
6- كرس دستور جمهورية العراق النافذ لعام 2005 الباب الرابع منه لبيان الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية . ينظر دستور جمهورية العراق النافذ لعام 2005.
7- د. حسن علي الذنون ، فلسفة ،القانون مكتبة السنهوري، ص 172
8- رامز محمد عمار حقوق الإنسان والحريات العامة، ص 71.
9- الاشتراكية الوطنية . هي أحد أنوع الاشتراكية التي جمعت بين القومية والاشتراكية، فنجد أن الحزب الاشتراكي القومي الألماني ( النازي ) دعى إلى تدخل الدولة تدخلا كاملا في الحياة الاقتصادية لتمثيلها للصالح العام الواجب تقديمه على الصالح الخاص. ينظر : د. قحطان أحمد الحمداني، مصدر سابق، ص 214 .
10- د. حسن علي الذنون، مصدر سابق ، ص 171 - 172
11- د. محمد حسین ،منصور، نظرية القانون مفهوم وفلسفة وجوهر القانون ، 2001، ص 211 .
12- د. محمد حسن قاسم، المدخل لدراسة القانون ، القاعدة القانونية ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2006، ج 1 ، ص 177.
13- د. أحمد السعيد الزقرد المدخل للعلوم القانونية ، ج 1 ، ص 132- 133
14- أحمد ظاهر، دراسات في الفلسفة السياسية، ص 133
15-Elliot Bulmer, What is a Constitution Principles and Concepts, International Institute for Democracy and Electoral Assistance, Second edition, 2017, page,6.
16- د. محمد حسن قاسم، المدخل لدراسة القانون ، القاعدة القانونية ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2006، ج 1 ص 15
17- ينظر: المادة 34 من دستور جمهورية العراق النافذ لعام 2005 .
18- د. حسن علي الذنون، مصدر سابق، ص 172 .
19- سالم علي محمد علي العدالة الانتقالية بين الواقع والقانون الجامعة الاسمرية، أعمال المؤتمر العلمي، المصالحة الوطنية، مفهومها وأهميتها ضوابطها والياتها ومعوقاتها للعلوم الإسلامية، ليبيا، 2012، ص 94 .
20- Elliot Bulmer, page 7 last source .
21- د. قحطان أحمد الحمداني، المدخل إلى العلوم السياسية، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2012 ، ص 220 و ما بعدها.
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)