لقد صمد غوردون للحصار المضروب على الخرطوم بالرغم من شدائد الحصار وخصوصًا المجاعة. ولكن لم تلبث أن تضافرت عوامل عدة على إضعاف المقاومة والتمهيد لسقوط الخرطوم، منها خسارة معظم الوابورات التي اعتمد عليها غوردون في حملات تموين العاصمة، وفي الدفاع عنها ضد الدراويش، حيث غرق بعض الوابورات (1884م)، واستولى المهديون على البعض الآخر، ومنها سقوط بربر في 26 مايو 1884م، ثم وفاة محمد علي بك (باشا) أقدر ضباط غوردون في واقعة أم ضبان في سبتمبر 1884م، وهي واحدة من المعارك الكثيرة التي اشتبك فيها ضباط غوردون مع الدراويش؛ لمحاولة رفع الحصار عن الخرطوم، أو لإدخال المؤن إليها، ثم إرسال الكولونيل ستيوارت لمقابلة الحملة الآتية لإنقاذ الخرطوم واستعجالها. وكان غوردون قد أوفد مع ستيوارت القنصل الفرنسي هربين (Herbin) والقنصل الإنجليزي — ومراسل التيمس — فرانك باور، ومعهم عدد من التجار اليونانيين والسوريين واليهود بالوابور «عباس» لمقابلة الحملة عندما بلغه نبأ قدومها، ولو بقي ستيوارت مع غوردون لانتفع هذا الأخير بنشاطه وبخبرته كثيرًا في مراقبة التحصينات وأعمال حصار عمومًا، «وقد قَتَلَ الدراويشُ ستيوارتَ وصَحْبَهُ عند قرية هبة قريبًا من أبي حمد في 18 سبتمبر 1884م، بعد ثمانية أيام فقط من مغادرة ستيوارت للخرطوم.»
وعندما كتب غوردون إلى شقيقته في 14 ديسمبر 1884م قال: «وقد يكون هذا آخر خطاب مني إليكِ.» والحقيقة أنه في ديسمبر كان قد بدأ يشعر يقينًا أن الأمل في الخلاص زال تمامًا؛ فالمهديون ما زالوا يضيقون الحصار على الخرطوم، بل كان في وسعهم قطعًا الاستيلاء عليها إذا هاجموها؛ لأن الحامية كانت في حالة من الضعف بحيث لا تقدر على المقاومة، ونال الدراويش نصرًا آخر عندما سلمت لهم أم درمان في 5 يناير 1885م، بعد أن نفدت المؤن من الحامية. وكانت أم درمان «كالروح» بالنسبة للخرطوم، كما قال المهدي في كتابه إلى عثمان دقنة عامله، يذيع نبأ سقوط أم درمان، ويبشر بسقوط الخرطوم قريبًا.
ولكن المهديين في شهر ديسمبر 1884م كانوا لا يزالون مترددين في الهجوم على العاصمة واقتحامها. فلم يقرر المهديون على ما يبدو نهائيًّا الهجوم على الخرطوم إلَّا خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير 1885م. وكان لتقريرهم الهجوم عليها سببان رئيسيان؛ أولهما: أن الإنجليز لعدم زحفهم السريع مباشرة بعد انتصارهم في واقعتَي الجكدول (5 يناير 1885م)، وأبي طليح (17 يناير 1885م) شجعوا المهدي على تقرير اقتحام الخرطوم، وذلك بعد أن كان الخوف من الحملة الإنجليزية جعله يؤثر الانسحاب إلى كردفان. فلما رأى تباطؤ الحملة عول على اقتحام الخرطوم حتى إذا سقطت هذا انتفى الغرض من إرسال الحملة الإنجليزية — وهو تخليص الخرطوم وإنقاذ غوردون. وزادت الصعوبات في طريقها، فلا تلبث حتى تؤثر الارتداد والنكوص على أعقابها. وعلى ذلك قرر المهدي يوم 23 يناير 1885م أن يذهب قسم من جيشه لمقابلة البريطانيين الزاحفين على الخرطوم، فيوقع بهؤلاء هزيمة ساحقة، «تعيد إلى الأذهان ذكرى اندحار هيكس في وادي كشجيل»، أو غابة شيكان، بينما يذهب القسم الآخر إلى الخرطوم؛ للمعاونة في تضييق الحصار عليها؛ حتى ترغمها المجاعة على التسليم. ولكن هذه الخطة سرعان ما تخلى عنها المهدي عندما حدث في اليوم التالي (24 يناير) أن تسلل من المدينة المحاصرة أحد ضباط الباشبزوق «السنجق عمر إبراهيم»، وفَرَّ إلى معسكر المهدي. ولم يكن الذين فروا من الخرطوم إلى المهدي قبل ذلك من الذين لهم «اطلاع على مجريات الأحوال»، ولكن عمر إبراهيم نقل إلى المهدي معلومات على جانب عظيم من الأهمية عن حقيقة الحالة في الخرطوم، وقبل كل شيء أخبره بوجود ثغرة في الخندق المحفور للدفاع جنوبي الخرطوم من النيل الأزرق إلى النيل الأبيض. وهذا الخندق لم يكن يتصل بالنيل الأبيض إلَّا في زمن ارتفاعه، فإذا انخفض النيل انحسر عن ثغرة يمكن الدخول منها بسهولة إلى الخرطوم، وقد أمكن سد هذه الثغرة وقتئذٍ (1500 متر)، ما عدا جزء بسيط منها (500 متر) بقي بين الخندق والنيل الأبيض. وقد تُركت هذه الثغرة دون دفاع اللهم إلَّا مركبين وضعهما غوردون في هذا المكان، وعلى كل منهما ضابط و25 جنديًّا، وتلك كانت الثغرة التي دل عمر إبراهيم الدراويش عليها، كما دلهم على ترتيبات التحصينات وتوزيع الجنود عمومًا، وكان ذلك هو السبب الرئيسي الثاني الذي جعل المهدي يقرر الهجوم على الخرطوم.
كان للمهدي نظام جيد للمخابرات، فعلم من جواسيسه أن الإنجليز غادروا «القبة» للزحف على الخرطوم في فجر يوم 24 يناير — وكان يوم سبت — علم المهدي بذلك يوم 25 يناير (أي الأحد) فقرر الهجوم على الخرطوم دون أي إبطاء. وتمت الاستعدادات في الليل، وقبل فجر يوم 26 يناير هاجم الدراويش العاصمة، وسقطت هذه في أيديهم. واستمر التقتيل إلى قرب الضحى، فقُتل من أهل الخرطوم حوالي 35000 نسمة. وكان من بين الذين قُتلوا الجنرال غوردون نفسه.
وفي صباح 28 يناير وصل السير تشارلس ولسون على الوابور «بوردين» إلى شمال الحلفاية، ولكن منذ 27 يناير وهو لا يزال عند التمانيات صار يسمع الدراويش ينادون: «الخرطوم سقطت والغوردون مات.» وسُمع ذلك أيضًا عند وصوله إلى الحلفاية، وابتدره الدراويش في المكانين بإطلاق القنابل والرصاص على مركبه. وعلم اللورد ولسلي — وكان في كورتي — بالخبر في 4 فبراير 1885م. وكان سقوط الخرطوم مؤذنًا ببدء السيطرة المهدية في السودان.
ذكرنا في كتابنا عن «غوردون في الخرطوم» الذي ظهر بالإنجليزية في سنة 1951م أن إجمونت هيك (Egmont Hake) الذي نشر جورنال غوردون عزا فشله في مهمته إلى أن غوردون لم يلقَ أية معاونة، بل كان يلقى كل معارضة في قيامه بمأموريته. وهذا الرأي سجله إجمونت هيك في عام 1885م عندما كانت المعلومات لا تزال ضئيلة لمعرفة حقيقة ما حدث. ولكن دراسة هذه المأمورية أوضحت حقيقتين هامتين؛ أولاهما: أن غوردون نفسه وإلى درجة بعيدة كان مسئولًا منذ اللحظة التي وصل فيها إلى السودان عن زيادة الصعوبات التي أحاطت به وعطلت تنفيذ مهمته، سواء في إجراءاته الداخلية، أو في إثارة المسائل التي كان يضيع وقت ثمين قبل أن تصل وزارة الخارجية البريطانية إلى حلول لها، وذلك دون أن يبدأ غوردون باتخاذ خطوة واحدة أثناء هذا الوقت كله لتنفيذ الإخلاء.
وثانيًا: فإنه لما كانت وزارة المستر غلادستون من أول الأمر تقف موقف المعارضة من أي تدخل عسكري في السودان، فقد كان واضحًا أنه لا يمكن إدخال أي تغيير على هذه السياسة، إلَّا إذا اقتنعت الحكومة اقتناعًا تامًّا بأن مثل هذا التغيير ضروري فعلًا. والذي حصل هو أن الحكومة في لندن لم تقتنع نهائيًّا بأن مركز غوردون في الخرطوم قد صار محفوفًا بالمخاطر، إلَّا حوالي آخر شهر أغسطس 1884م. وعلى كل الأحوال فإنه منذ أن تقرر إرسال «حملة الإنقاذ» انتهت مسئولية الحكومة، وخرجت المسألة من أيديها، وصارت مجرد سباق ضد الوقت للحاق الوصول إلى الخرطوم، وإنقاذ غوردون قبل فوات الفرصة، وذلك منذ أن وصل ولسلي إلى مصر. وكانت النتيجة خسارة هذا السباق، وسقوط الخرطوم، ومقتل غوردون.
ومع ذلك فإن مسألة فشل غوردون في مأموريته لا تزال مثار نقاش طويل بين الذين أرادوا توزيع مسئولية إخفاق البعثة بالعدل والقسطاس على حكومة المستر غلادستون، وعلى غوردون نفسه، وبين الذين آثروا إلقاء التبعة على كاهل غلادستون وحكومته وحدهما، كما فعل «إجمونت هيك» من سبعين سنة خلت. وحتى أيامنا هذه لا يزال يوجه فريق من الكتَّاب اللوم الشديد لحكومة أضاعت الفرصة؛ بسبب عناد رئيسها، ولعجزها عن مواجهة الأمر بالحزم الكافي، فتركت غوردون يذهب ضحية «الشهامة والبسالة»؛ أي ذلك الشعور النبيل الذي جعله يقبل مأمورية إخلاء السودان. ولعل اللورد إلتون (Elton) الذي ظهر كتابه من مدة قليلة (في بداية 1955م) عن سيرة غوردون صاحب أو بطل الخرطوم، هو خير من أوضح وجهة النظر هذه في الأعوام الأخيرة.
على أن مسئولية هذا الفشل عند فريق ثالث لا تنفرد في تحملها حكومة المستر غلادستون، أو هي من نصيب غوردون وحده، أو أنها موزعة بينهما. بل إن هذا الفريق لا يجد مناصًا من إشراك مسئول آخر معهما هو السير إفلن بارنج «كرومر»، بالرغم من أن أحدًا لا ينكر أن «بارنج» قد بذل قصارى جهده وبالقدر الذي تسنَّى له، كوسيط بين غوردون وحكومته؛ ليمكن غوردون من تأدية مهمته، ولا يستند على أي أساس من الصحة اتهام غوردون له بالتهاون أو التراخي في تأييد مطالبه من حكومته.
وأمَّا مسئولية «بارنج» في نظر هؤلاء فيمكن إيجازها في أن الواجب كان يقتضيه أولًا ومنذ أن بدأت الأمور تتأزم بسبب الثورة في السودان؛ ألَّا يعطى الوزراء المصريين كل ذلك الوقت الذي قال إنه أراد أن يتركه لهم حتى يصلوا بتفكيرهم بعد تقليب وجوه الرأي في الموقف في السودان، إلى الاقتناع بأن الإخلاء أفضل حل لهذه المسألة. بل كان الواجب المبادرة بتقرير الإخلاء دون حاجة لإضاعة الوقت، الذي كان ممكنًا الاستفادة منه في الانسحاب من الخرطوم، قبل أن يكون التباطؤ في اتخاذ قرار الإخلاء، وكما حدث؛ من أسباب فوات الفرصة. أمَّا وجه المؤاخذة الآخر فهو أن «بارنج» ما كان يجب عليه أن يزيد شيئًا على التعليمات التي صدرت إلى غوردون في لندن في 18 فبراير 1884م، فقد جعلت الإضافة التي زِيدت عليها في القاهرة تنفيذ الإخلاء مرهونًا بإنشاء الحكومة الوطنية في السودان؛ الأمر الذي جعل غوردون يقترح «المشاريع»، ويدخل في المفاوضات مع حكومته، والتي لم يكن لها من أثر سوى إضاعة الوقت الثمين فيما لا جدوى منه، ولا طائل تحته.