

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اتفاق الحكم الثنائي 1899م (مشروع كرومر للحكم الثنائي)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 443 ــ 457
2026-04-19
35
في المذكرة التي تضمَّنت المشروع الذي أعده للحكم الثنائي في السودان، وبعث به إلى اللورد سولسبري في 10 نوفمبر 1898م؛ قال كرومر: «إنه فكَّرَ كثيرًا فيما إذا كان من الممكن ترك الأمور تجري في طريقها، وأن تُسوى كل صعوبة التسوية التي تستحقها، كلما ظهرت صعوبة من الصعوبات، وتطلبت إيجاد حل لها»، من الممكن سلوك هذا الطريق، لو أن الحاكم العام للسودان كان عليه فقط أن ينظر في أحوال السودانيين، وأن ينشئ نظامًا جديدًا للحكومة التي تتكفل بحاجات أهل السودان. ولكن كثيرين من الأوروبيين طلبوا الذهاب إلى السودان للإقامة، ولاستثمار رءوس الأموال، ولاقتناء الأملاك، ولا يمكن منع هؤلاء من الدخول إلى السودان. كما أن رءوس الأموال التي يُراد استثمارها ضرورية للنهوض بالبلاد في المستقبل. ولذلك فالواجب يقتضي إصدار «إعلان» (Declaration) يحدد نهائيًّا الوضع السياسي للسودان.
هذا «الإعلان» كان «الوفاق الثنائي»!
فقد بحث كرومر مع الحكومة المصرية القواعد التي رُئي أن يقوم عليها الاتفاق الثنائي بين هذه الحكومة والحكومات البريطانية. حتى إذا فرغ من بحثه مع المسئولين المصريين أعدَّ مشروعًا للاتفاق، بعث به إلى اللورد «سولسبري» في 10 نوفمبر 1898م. على أنه مما تجب ملاحظته من أول الأمر أن «كرومر» نفسه والحكومة البريطانية كانا المسئولين وحدهما عن نظام الحكم الثنائي الذي أوجده هذا «الاتفاق»، فيقول كرومر في الخطاب الذي ألحقه بالمذكرة التي بعث بها إلى «سولسبري» في 10 نوفمبر أنه ذكر لرئيس الوزارة المصرية «مصطفى باشا فهمي» ولوزير خارجيتها «بطرس باشا غالي» أن من الضروري موافقة الحكومة المصرية على الاتفاق المزمع إبرامه معها، ثم يستطرد فيقول إنه فهم بقدر ما استطاع إدراكه من بعض ما بدر من هؤلاء أثناء الحديث معهم، أنهم موافقون عمومًا على المبادئ التي يستند عليها القانون. ومع ذلك فإن كرومر — كما يقول — لم يحاول أن يبحث معهم التفاصيل. ثم إنه ذكر أن من المتوقع أن يلقى الاتفاق شيئًا من المعارضة من جانب الخديوي.
أما المشروع الذي أعده كرومر عن الاتفاق المطلوب إبرامه مع الحكومة المصرية، فكان يتألف من مقدمة وثلاث عشرة مادة، صارت عند اعتماد المشروع اثنتي عشرة مادة. وقد شفع كرومر مشروعه بمذكرة لتفسير الأغراض التي توخاها من هذا المشروع جملة، ثم من كل مادة من مواده تفصيلًا.
وكان الواضح أن المشكلة التي استأثرت بالشطر الأكبر من اهتمام كرومر عند وضع مشروعه هي مشكلة الامتيازات الأجنبية، وأنه كان من أجل تسوية هذه المشكلة أن وجد كرومر في نظام الحكم الثنائي «الوضع السياسي» الذي يجب أن يكون للسودان في المستقبل.
ذلك أن كرومر استهل «مذكرته» بقوله إن من الميسور تناول المسائل المتعلقة بأهل السودان؛ لأن هؤلاء حاجاتهم بسيطة، لا تعدو إنشاء نظام سهل للضرائب، وإدارات غير معقدة للشئون المدنية ولشئون القضاء الجنائي، وتعيين نفر قليل من الموظفين الذين يُختارون بعناية مع إعطائهم السلطة التي يمكنهم استخدامها في المسائل التفصيلية المحلية، وذلك إلى أن تتسنَّى تدريجيًّا الاستعاضة عن ذلك النوع من الحكومة الأبوية، الذي يجب أن يسد الحاجة في الوقت الحاضر، بنظام أكثر تقدمًا وتعقيدًا. ولكن المهمة الملقاة على عاتق الحكومة البريطانية ليست البحث في حاجات أهل السودان فحسب؛ فقد طلب كثيرون من الأوروبيين الإقامة في السودان، واستثمار رءوس أموالهم به، والتجارة معه، وأن يكون لهم حق التملك. ومن الواضح أنه يستحيل منع هؤلاء مما يريدون. كما أنه ليس من الحكمة فعل ذلك؛ لأنه بدون رءوس الأموال والمعاونة الأوروبية لا يمكن أن يحدث أي تقدم في السودان. ولذلك فإن من صعوبات الموقف وجود ذلك التعارض بين الأنظمة البدائية التي هي على كل الأحوال في الوقت الحاضر مناسبة للسودانيين أهل البلاد، وبين الأجهزة الإدارية والقضائية الأكثر تعقيدًا، والتي يجعل وجود الأوروبيين في هذه البلاد إنشاءها لدرجةٍ ما محتمًا. وكان من رأي كرومر للتغلب على هذه الصعوبة أنه لا مناص من الاستناد على الحجة القائلة بضرورة الاكتفاء لفترة من الزمن على الأقل بالأنظمة الإدارية والقضائية التي في وسع الحكومة إنشاؤها في بلد خرج مؤخرًا من الحالة البربرية (Barbarisia) التي كان عليها، ما دام هؤلاء الأوروبيون هم الذين اختاروا الذهاب إلى السودان والإقامة به والتجارة معه واستخدام رءوس أموالهم فيه. ولا شك في أن أحسن أنواع الأنظمة الإدارية والقضائية في هذه الحالة سوف تكون عليه مآخذ حتمًا إذا قيس ليس فقط بالأنظمة الأوروبية، بل وبالأنظمة المصرية كذلك.
وكان واضحًا أن المشكلة التي دار تفكير كرومر حول إيجاد حل لها، كان صعوبة الملاءمة بين ما يجب إقامته من أنظمة إدارية وقضائية تكفل للأوروبيين ممارسة الحقوق التي أعطتها لهم معاهدات الامتيازات الأجنبية، وبين ما يتطلبه حال أهل البلاد أنفسهم من إقامة أنظمة حكومية مبسطة تفي بالغرض منها أولًا، ولا تكون سببًا في الوقت نفسه في تخويف الأوروبيين من الإقامة بالسودان والتجارة معه واستثمار أموالهم فيه. ولذلك يقول «كرومر»: إن المسألة ليست إنشاء نوع من المحاكم التي تفصل في القضايا المدنية والجنائية التي يكون الأوروبيون أحد الأطراف فيها، فإن ذلك مع أهميته ومع ضرورة التفكير فيه تفكيرًا طويلًا قبل اتخاذ أي إجراء بشأنه، لا يوازي في ضرورته العاجلة البحث في الوسيلة التي يمكن بها قبل فوات الفرصة منع الأوروبيين من أن ينتزعوا لأنفسهم حقوقًا وامتيازات مثل الحقوق والامتيازات التي صارت لهم، والتي يمارسونها الآن في مصر.
أما كيف يمكن الحيلولة دون حدوث ذلك، فكان في رأي «كرومر» بأن يصدر «إعلان» (Declaration) صريح عن النظام العام السياسي والاقتصادي والقضائي المزمع إنشاؤه في السودان؛ لأنه سوف تحدث اضطرابات كثيرة في المستقبل إذا تُرك الأوروبيون يجيئون إلى السودان، ويتاجرون معه ويستخدمون رءوس أموالهم به، من غير أن يصدر من الآن هذا «الإعلان»، وعلاوة على ذلك فإن من الحكمة استصدار هذا «الإعلان» حتى يعرف هؤلاء الأوروبيون ما هم مقدمون عليه من جهة، وحتى لا يعتقد إنسان إذا لم يصدر هذا «الإعلان» أن وضع الأوروبيين المقيمين في السودان سوف يكون مثل وضعهم في مصر.
وإلى جانب ضرورة تحديد الوضع بالنسبة للأوروبيين حتى لا تسري في السودان الامتيازات الأجنبية كان من رأي «كرومر» أن استصدار هذا «الإعلان» بالوضع السياسي في السودان لازم كذلك لتحديد مركز إنجلترا نفسه بالنسبة للسودان.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات إذن أخذ «كرومر» يتساءل عن ذلك «الوضع السياسي» الذي يجب أن يناله السودان، وكان في رأي «كرومر» أن الأمر مقصور على الاختيار بين واحد من حلول ثلاثة: إما أن تضم بريطانيا السودان إليها، وإما أن يعتبر السودان جزءًا من الإمبراطورية العثمانية (أي من أملاك هذه الإمبراطورية) وإما أن يكون هناك نوع من «الحل الوسط» تتحقق به الأغراض التي تريدها بريطانيا.
وتناول «كرومر» بالبحث كل واحد من هذه الحلول الثلاثة، فقال: إن استيلاء إنجلترا على السودان وضمه إليها إجراء يقضي بطبيعة الحال على كل المصاعب التي سبق ذكرها، ولكنه — كما استمر يقول — فهِم أن بريطانيا لا تريد لأسباب واضحة سياسية ومالية أن تضم السودان إليها، بينما من ناحيةٍ أخرى يترتب على الاعتراف بأن السودان جزء من الأملاك العثمانية، ولا يختلف في شيء إطلاقًا عن بقية الأراضي المصرية، أن تستمر بصورة مستديمة كل المصاعب الدولية والعقبات التي كان من سوء حظ الحكومة البريطانية خلال الخمس عشرة سنة الماضية أن تواجهها عند تناول أية مسائل متعلقة بالشئون المصرية. ولذلك فقد وجب على الحكومة البريطانية أن تصل إلى حل وسط بين هذين الإجراءين المتطرفين. وقال «كرومر»: إن من الممكن العثور على هذا الحل الوسط. ولكنه بادر بتحذير القارئ من أن «الوضع» الذي سوف يأتي به هذا الحل الوسط لم يسبق أن عرفه القانون الجاري العمل به في أوروبا. ولذلك فليس من السهل خصوصًا بالنظر لتعقيد بعض التفاصيل تعقيدًا كثيرًا أن يرسم المرء على الورق أي ترتيب أو نظام قد تكون الثقة عظيمة في إمكان تنفيذه من الناحية العملية. ومن الممكن تمامًا الدفاع عنه وعن كل جزء من أجزائه بالحجج الصحيحة والمنطقية.
أما الترتيب الذي يقوم على «الحل الوسط»، فقد رأى «كرومر» ألا يتخذ شكل اتفاق (Convention) أو وفاق (Agreement) مع الحكومة المصرية.
وتوقع كرومر أن يتصدى كثيرون للطعن في صحة ومشروعية هذا الاتفاق أو الوفاق.
أولًا: على أساس أن الفرمانات الشاهانية قد منعت الخديوي من عقد أية معاهدات مع الدول الأجنبية، ما عدا الاتفاقات التجارية والجمركية، وتلك الخاصة بعلاقات الأجانب مع السلطات الإدارية الداخلية.
ثانيًا: على أساس ما جاء في الفرمان الصادر إلى الخديوي الحالي «عباس حلمي الثاني» والصادرة في 27 مارس 1892م من أنه «لا يجوز «للخديوي» لأي سبب أو وسيلة ترك هذه الامتيازات المعطاة لمصر بحكم هذا الفرمان المستند على الفرمانات السابقة جميعها أو بعضها، أو ترك قطعة أرض من الأراضي المصرية للغير مطلقًا.»
«وحيث إن الامتيازات التي أُعطيت لمصر هي جزء من حقوق دولتنا العلية الطبيعية التي خُصت بها الخديوية وأُودعت لديها، فلا يجوز لأي سبب أو وسيلة ترك هذه الامتيازات جميعها أو بعضها، أو ترك قطعة أرض من الأراضي المصرية للغير مطلقًا.»
وأعد كرومر الجواب على هذين الاعتراضين؛ فقال إنه يمكن الرد على الاعتراض الأول، بأن الوفاق أو الاتفاق (Convention) ليس بالمعاهدة (Treaty) بمعناها المعروف، وأن الخديوي بتوقيعه على هذا الوفاق لم يفعل شيئًا هو من حق صاحب السيادة العليا أن يفعله، وإنما كان يمارس حقًّا اعترفت له به الفرمانات؛ ذلك هو إجراء الترتيبات المتعلقة بالإدارة الداخلية في خديويته، وأن واقع رفع العلم المصري إلى جانب العلم البريطاني باستمرار في كل أنحاء السودان لينهض دليلًا على أن سيادة السلطان العثماني معترف بها أو — على كل الأحوال — معترف ببعضها في هذه البلاد.
ولكن هذا الجواب نفسه كان يرى كرومر أنه ضعيف لسبب مهم؛ هو أنه من المتعذر ما دام هناك اعتراف بوجود سيادة السلطان العثماني سواء كانت هذه السيادة كاملة أو منتقصًا منها، التفريق بين السودان وبين سائر أملاك الدولة العثمانية، فيما يتعلق بمعاملة أو بمركز الأوروبيين وغيرهم من الأجانب. ولذلك يرى كرومر أن من الأفضل الاستناد بشجاعة على الحجة التالية؛ وهي أن الجيش المصري الذي هو قسم من الجيش العثماني عجز عن الاحتفاظ بمركزه في السودان؛ أي إنه اضطر إلى الجلاء منه، وما كان في قدرته وحده ودون مساعدة أن يسترجع السودان، وأن الذي قام باسترجاع السودان جنود إنجليز، وجنود مصريون ضباطهم ومدربوهم من الإنجليز، وأن أموالًا إنجليزية هي التي استخدمت في استرجاعه؛ وأن هذه الحقيقة تعطي حكومة جلالة الملكة وفقًا لمبادئ القانون الدولي المعترف بها حقوقًا راجحة في تقرير نظام الحكم الذي يجب إقامته في السودان في المستقبل، وأن مسألة مشروعية مسلك الخديوي في إبرامه الاتفاق (أو الوفاق) إنما هي لذلك مسألة غير ذات موضوع؛ ولأن الخديوي بدلًا من أن يتنازل عن شيء لإنجلترا في إبرامه هذا الاتفاق معها قد حصل هو منها بفعله هذا على عدة مزايا.
ولقد انتقل كرومر بعد ذلك إلى «تفسير» المواد التي تضمنها مشروع الاتفاق، وهو تفسير يبين طبيعية «الحل الوسط» الذي أوجد «الدولة المولدة»؛ أي إنه يكشف عن حقيقة ما كان يدور في ذهن «كرومر» من أفكار وآراء، أسس عليها المبادئ التي قام عليها اتفاق نظام الحكم الثنائي في السودان.
ومشروع الوفاق يبدأ بمقدمة (Preamble)، تتضمن «الحيثيات» أو الأسباب التي تجعل من حق مصر وبريطانيا إبرام هذا الاتفاق فيما بينهما بشأن السودان، ولم يكن هناك مفر من الاعتراف في هذه المقدمة بأن لمصر حقوقًا في السيادة على السودان، قائمة من قبل استرجاع السودان؛ وذلك تمشيًا مع موقف الحكومة البريطانية من وقت تقرير استرجاع السودان، وأثناء حادث فاشودة خصوصًا، على أن كرومر لم يكن يهتم بتأكيد هذا الحق بقدر ما كان يهتم بإبراز الحقوق التي صارت لإنجلترا بسبب اشتراكها اشتراكًا فعالًا في فتح السودان، هذه المرة؛ أي إن كرومر أراد أن يستند على حق الفتح قبل أي اعتبار آخر في تبرير إبرام اتفاق يعطي بريطانيا السلطة العليا في النظام السياسي الجديد للسودان، ويجعل — على حد تعبير كرومر — «حقوقها هي الراجحة» على حقوق الطرف الآخر في هذا الاتفاق الثنائي. ولذلك قال كرومر عن «المقدمة» إنها تضمَّنت إشارة عابرة واستنتاجية إلى حقوق الخديوي السابقة على الثورة المهدية، ولكنها أبرزت حقوق الحكومة البريطانية التي صارت لها من واقع عملية الفتح (أي استرجاع السودان). واستطرد كرومر يقول: «ويبدو ضروريًّا ذكر هذه الحقوق؛ لأن عليها وحدها يقوم المسوغ الحقيقي لابتداع وضع سياسي وإداري في السودان يختلف عن الوضع القائم في مصر.»
وتضمَّنت المادة الأولى من المشروع التعريف بالأراضي التي يشملها لفظ السودان، وهي التي حسب هذه المادة تقع جنوبي الدرجة الثانية والعشرين في خطوط العرض؛ وهذا الخط يمر على مسافة أميال قليلة من شمال وادي حلفا، بينما تقع سواكن جنوبه بمسافة كبيرة. وقال كرومر إنه تمشيًا مع المبادئ التي جاءت في مقدمة الوفاق يجب أن يكون مصطلح السودان مقصورًا على الأراضي التي امتلكتها مصر في السابق، ثم صار يستولي عليها الدراويش، ثم صار استرجاعها في وقت من الأوقات بمساعدة بريطانيا. ولكن الأخذ بهذا الرأي لا يلبث أن ينشأ عنه مصاعب إدارية كبيرة؛ حيث يجب في هذه الحالة استبعاد كل من وادي حلفا وسواكن من الأراضي التي يشملها مصطلح السودان؛ لأن لا وادي حلفا ولا سواكن سبق أن احتلها الدراويش إطلاقًا، ولو أنه يكون صحيحًا تمامًا إذا قلنا إن مصر كانت حتمًا تفقد وادي حلفا وسواكن أثناء الثورة ليستولي عليها الدراويش، لولا الدفاع الذي قامت به عن هذين المكانين القوات البريطانية، والذي جرى تحت الإشراف البريطاني.
وعلى ذلك فقد قُسمت الأراضي التي يدل عليها مصطلح السودان في الوفاق إلى ثلاث فئات:
(1) «الأراضي التي لم تخلها قط الجنود المصرية منذ 1882م». وقال كرومر إن الغرض من النص على ذلك إدخال كل من وادي حلفا وسواكن ضمن حدود السودان.
(2)«الأراضي التي كانت تحت إدارة الحكومة المصرية قبل ثورة السودان الأخيرة، وفُقدت منها وقتيًّا، ثم افتتحتها الآن حكومة جلالة الملكة والحكومة المصرية بالاتحاد»؛ ومعنى ذلك — كما قال كرومر — أن هذه تشمل كل الأراضي التي تم استرجاعها مؤخرًا، وأما لماذا وُصفت هذه الأراضي بأنها «التي افتتحتها الآن حكومة جلالة الملكة والحكومة المصرية بالاتحاد»، فقد قال كرومر إن الاقتصار على ذكر «الأراضي التي كانت تحت إدارة الحكومة المصرية قبل الثورة الأخيرة» دون التخصيص بأنها التي افتُتحت بعد ذلك بالاشتراك مع إنجلترا؛ قد يفيد أن هذه الأراضي تشمل كذلك قسمًا من مديرية خط الاستواء — «هو الذي عرفنا أنه صار جزءًا من محمية أوغندة البريطانية أو استأجرته ولاية الكونغو الحرة البلجيكية» (أو أنها قد تشمل أيضًا زيلع وبربرة) «وهما المعروف عنهما أنهما صارتا تؤلفان مع بلهار الصومال البريطاني» — وهما اللتان قال عنهما كرومر الآن: «إنه لم يكن مقصودًا دون شك أن يشملهما الاتفاق الحالي.»
(3) «الأراضي التي قد تفتتحها بالاتحاد الحكومتان المذكورتان من الآن فصاعدًا». وقال كرومر إن الغرض من عبارة افتتاح الأراضي باتحاد الحكومتين:
أوَّلًا: أن تشتمل الأراضي التي تدخل في نطاق هذا الاتفاق كل الامتدادات؛ أي التوسع الذي يحصل نحو الجنوب والغرب نتيجة للعمل أو الجهد المشترك بين إنجلترا ومصر.
ثانيًا: أن يُستبعد من نطاق الاتفاق كل الامتدادات التي تحصل من أوغندة في اتجاه نحو الشمال نتيجة لعمل أو جهد الحكومة البريطانية وحدها، ومعنى هذا تبعًا لهذا التفسير أن كرومر أراد أن يجعل حدود السودان الجنوبية مفتوحة لأية امتدادات تحصل من جانب أوغندة لتوسيع رقعة هذه المحمية البريطانية على حساب السودان في وضعه الجديد؛ أي الإنجليزي المصري.
أما المادة الثانية في المشروع فقد نصت على «استعمال العَلم البريطاني والعَلم المصري معًا في البر والبحر بجميع أنحاء السودان ما عدا مدينة سواكن؛ فلا يُستعمل فيها إلا العَلم المصري فقط.» وقال كرومر تفسيرًا لهذه المادة: «إن العلمين البريطاني والمصري يرفرفان معًا على الخرطوم والمراد الآن، للإشارة لأن يكون الوضع السياسي في جميع السودان هو نفس الشيء؛ أن يُتخذ إجراء مماثل في كل أنحاء البلاد ما عدا سواكن؛ لأن رفع العلم البريطاني على سواكن يثير عاصفة احتجاج كبيرة، وليس هناك ما يدعو لفعل ذلك، وكما سأوضح حالًا، إن المقصود هو التمييز بين سواكن وسائر السودان فيما يتعلق بامتداد ولاية المحاكم المختلطة القضائية.»
وجاءت المادتان الثالثة والرابعة خاصتين بطريقة الحكم في السودان؛ من حيث بيان الكيفية التي تمارس بها شئون الحكم كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في السودان، فالمقترح بمقتضى المادة الثالثة أن «تُفوض الرئاسة العليا العسكرية والمدنية في السودان إلى موظف واحد بلقب «حاكم عموم السودان»، ويكون تعيُّنه بأمر عالٍ خديوي بناء على طلب حكومة جلالة الملكة، ولا يُفصل عن وظيفته إلا بأمرٍ عالٍ خديوي يصدر برضاء الحكومة البريطانية»، فقال كرومر إن إجراء التعيين هذا هو نفس الإجراء المتبع في تعيين «مندوبي صندوق الدَّين». ثم يقول إنه كان يميل إلى أن يتضمن الأمر العالي الخديوي إشارة صريحة إلى أن هذا التعيين نال موافقة الحكومة البريطانية، ولكنه لم يرَ ضرورة لذلك؛ حيث إنه مفروض على الخديوي أن يأخذ بالنصيحة الإنجليزية إلزامًا طالما بقي الاحتلال البريطاني في مصر.
وأما المادة الرابعة، فخاصة بالقوانين وكافة اللوائح التي يكون لها قوة القانون والتي يصدرها الحاكم العام، فجاء في هذه المادة أنه يُشترط حصول الموافقة عليها سلفًا من جانب الخديوي، «وهو يعمل بموجب نصيحة مجلس نظاره»، ومن جانب الحكومة البريطانية ممثلة في شخص قنصلها العام. ومع ذلك فمن حق هذين اللذين يُشترط الحصول على موافقتهما سلفًا أن يعفيا الحاكم العام من هذا الواجب من وقت لآخر في المسائل الإدارية أو التنفيذية التي يُنص عليها عندئذٍ في الوثيقة التي تصدر بهذا الإعفاء، والقوانين واللوائح التي يكون لها قوة القانون، والتي يصدرها الحاكم العام بناء على هذا الإعفاء يجب تبليغها فورًا إلى القنصل البريطاني الجنرال في القاهرة إلى رئيس مجلس نظار الجناب العالي الخديوي، وتكون خاضعة للمراجعة والحذف حسب ما يحتفظ به الإعفاء من سلطات لهذه الغاية.
وذكر كرومر في تعليقه على هذه المادة من المشروع:
أوَّلًا: أنه كان بوسعه الاستغناء عن عبارة «عمل الخديوي بموجب نصيحة مجلس نظاره»، على أساس أن الإرادة أو الأمر العالي الصادر في 18 أغسطس 1878م في عهد الخديوي إسماعيل افترض دائمًا أن يعمل الخديوي بنصيحة وزرائه، ولكن نزوع الخديوي «عباس حلمي» لمحاولة التخلص باستمرار من هذا الواجب يجعل ضروريًّا أن تنص المادة على هذه العبارة.
ثانيًا: أن الغرض من الحصول سلفًا على موافقة الحكومتين المصرية والبريطانية إنشاء نوع من الإشراف على أعمال الحاكم العام. ومن الواضح أن اضطلاع الحكومة البريطانية بهذا الإشراف يجعله فعَّالًا؛ وكان يكفي أن يكون هذا الإشراف لها وحدها. ولكن هناك ضرورة مزدوجة تدعو لذكر اسم الخديوي باعتبار أن السودان لا يزال من الناحية النظرية أرضًا مصرية بالرغم من أن له وضعًا سياسيًّا منفصلًا، ولأن مصر تتحمل مسئوليات مالية نحو السودان، وكلا هذين الأمرين يجعل ضروريًّا ومرغوبًا فيه أن يُسمع للحكومة المصرية صوت في هذه المسائل «التشريعية».
ولم يعتبر كرومر وهو يفسر هذه المادة ضروريًّا أن ينص في كل لائحة يصدرها الحاكم العام على أن الحكومتين البريطانية والمصرية قد وافقتا سلفًا على استصدارها، بل يرى من الأفضل أن يعمل المسئولون كل ما يمكن عمله؛ لإظهار الحاكم العام في أعين أهل السودان صاحب السلطة كل السلطة في هذه البلاد.
وفسَّر كرومر إمكان إعفاء الحاكم العام من الحصول مقدمًا على موافقة الحكومتين البريطانية والمصرية على القوانين واللوائح التي يصدرها، بأنه وإن كان ضروريًّا وضع الحاكم العام تحت نوع من الإشراف والرقابة، فمن الخطأ الكبير في الوقت نفسه تركيز شئون الإدارة في السودان في يد أية سلطة في القاهرة سواء أكانت هذه سلطة بريطانية أم مصرية، ولذلك فقد أشارت المادة إلى أن هناك بعض المسائل التي يجوز إعفاء الحاكم العام من الحصول على الموافقة السابقة. وأما البحث في أي المسائل يمكن أن يتناولها هذا الإعفاء، أو يجب الحصول مقدمًا على موافقة الحكومة عليها؛ فكان من رأي كرومر أن يُرجأ ذلك إلى بحث مقبل.
على أنه مما تجب الإشارة إليه هنا أن هذه المادة الرابعة — كما وردت في مشروع كرومر — كانت محل مناقشة أسفرت عن تعديلها ووضع صياغة أخرى لها في وثيقة الاتفاق النهائي كما سنعرض له في حينه.
وأما المادة الخامسة من المشروع، فكانت بشأن القوانين التي تسري على السودان، وقال كرومر إنه في أثناء مناقشة هذه المادة كان هناك اقتراح بعدم سريان القوانين المصرية على السودان، إلا إذا صدر بها منشور من الحاكم العام ينص صراحة على وجوب تطبيقها في السودان، ولكن اعتراضًا أُثير على هذا الاقتراح، فحواه أن الفترة التي لا يكون ساريًا أثناءها أية قوانين — وذلك ريثما يمكن وضع مجموعة من القوانين للسودان — يكون السودان مسرحًا للفوضى التامة. ولذلك فقد رُئي استبقاء التشريعات المصرية التي يمكن بالاستناد على المبادئ القانونية اعتبارها لا تزال سارية المفعول في السودان. وفي هذه الحالة — كما يقول كرومر — حسب الرأي الذي أدلى به الذين استشارهم في هذه المسألة؛ أن التشريعات المصرية التي لا تزال تُعتبر سارية قانونًا في السودان هي فقط التشريعات التي صدرت قبل 1884م؛ أي قبل السنة التي خضع فيها السودان خضوعًا كليًّا لسيطرة الدراويش، وهذا يشمل القوانين المصرية الصادرة في يونيو 1883م. ويجب أن نذكر هنا أن المراد بذلك كان لائحة ترتيب المحاكم الأهلية التي صدرت في 14 يونيو 1883م، والقانون المدني الصادر في 28 أكتوبر وقانون التجارة، والقانون التجاري البحري، وقانون المرافعات، وقانون العقوبات، وقانون تحقيق الجنايات في 13 نوفمبر 1883م. ثم استمر كرومر يقول: ومن المقترح أيضًا في الوقت نفسه جعل كل القوانين المصرية سارية المفعول في السودان كذلك. ومما لا يجب إغفاله أن المادة الرابعة هذه تجعل من حق الحاكم العام تحوير أو نسخ أي قانون من القوانين المصرية القائمة باستصدار منشور منه بذلك.
وتتناول المادة السادسة من المشروع مسألة هامة في نظر كرومر هي المسألة المالية، وكان كرومر يبغي من الترتيب المالي الذي يريده للسودان أن يحقق غرضين:
أولهما: أن يمتنع على صندوق الدين التدخل في مالية السودان، وقد اطمأن بعد بحث هذه المسألة إلى أن النفقات التي تتحملها مصر من أجل السودان يمكن إدخالها في حساب الميزانية المصرية تحت باب المصروفات، وقد وافق صندوق الدين على هذا الإجراء، وأن صندوق الدين إنما سوف يتدخل عندما يتضح أن هناك فائض في ميزانية السودان من زيادة الإيرادات على المصروفات، مما يقتضي البحث من جديد في العلاقة المالية بين البلدين، ولم يكن كرومر يتوقع لزمن طويل أن يكون هناك فائض في ميزانية السودان، وعلاوة على ذلك فعلى فرض حدوث صعوبات من جانب صندوق الدين، فإن أية نصوص يتضمنها «الوفاق» في هذه المسألة لن تساعد في الوصول إلى تسوية. ولذلك يرى كرومر من الأفضل ترك هذه المسألة جانبًا في الوقت الحاضر.
أما الغرض الآخر، فهو أن يجعل الحكومة المصرية مسئولة وحدها عن تحمل النفقات المدنية والعسكرية العادية في السودان في نظير وضع كل إيرادات السودان تحت تصرفها، فهو لا يريد أن تتحمل الخزينة البريطانية أية نفقات بشأن السودان، ويعتقد — كما يقول — أن في وسع الخزينة المصرية أن تتحمل وحدها ودون حاجة للمعونة البريطانية كل المصروفات العادية المدنية والعسكرية، ثم يستطرد كرومر فيقول: إن المادة موضع البحث تشتمل على الفقرة التالية: «تتعهد (أو تقوم) حكومة جلالة الملكة البريطانية بتحمل كل نفقات أي عدد من الجنود البريطانيين الذين قد يُوضعون في السودان، خلاف قوات الحملة الخاصة.» ويقول «كرومر»: إن السير فرنسيس غرنفيل واللورد كتشنر يريان ضرورة أن توجد بالخرطوم قوة دائمة من حوالي 250 جنديًّا بريطانيًّا؛ لأن وجودهم هناك إلى جانب أنه يشيع الثقة والطمأنينة في النفوس يكون ذا فائدة في مواجهة أية صعوبات من ناحية الجنود الوطنيين وخصوصًا السود منهم، ولا شك في أن نفقة هذه القوة سوف تكون ضئيلة لا سيما وأن هذا العدد سيؤخذ من القاهرة ودون حاجة إلى زيادة عدد الجيش البريطاني في مصر؛ ويرجو كرومر أن تقبل الحكومة البريطانية تحمل هذه النفقة الصغيرة؛ لأنه لو طلب كرومر من الحكومة المصرية دفع هذا المبلغ لكان لذلك وقع سيئ للغاية. وعلى كل حال يرى كرومر من العدل أن تتحمل الخزينة البريطانية هذا المبلغ.
ويختتم كرومر ملاحظاته بقوله: إنه لا يتوقع أن تكون هناك حاجة لإرسال قوات أخرى إلى السودان؛ فإذا شاء سوء الحظ أن يحدث هذا، فمن الممكن أن تتحمل إنجلترا ومصر النفقات مناصفة بينهما.
على أنه مما تجب الإشارة إليه هنا أن هذه المادة كانت موضع مناقشة فيما بعد؛ انتهت بحذف هذه المادة أصلًا من وثيقة الوفاق النهائية.
والمادة السابعة من المشروع تضمَّنت الحق الذي يخول وضع الشروط التي بموجبها يمكن أن يقيم الأوروبيون في السودان، أو يتاجرون معه، أو يقتنون به الممتلكات. وقال كرومر إن من المؤكد — للأسباب التي سبق أن ذكرها — أن يكون هذا الحق موضع معارضة، ومن سوء الحظ أن يكون الأمر كذلك، ولكن لا حيلة في هذا، «فنحن ممتلكون للسودان، وفي قدرتنا أن نؤكد ونثبت حقوقنا حتى ولو كنا عاجزين عن إقناع الغير بصحة مركزنا أو بصلاحية حججنا، وفي الوقت نفسه في وسعنا أن نفعل شيئًا للتلطيف من حدة شعور العداء ضدنا؛ وذلك إذا أعلنا العمل بالسياسة التجارية المعروفة باسم سياسة الباب المفتوح؛ وإذا بينا أن الأوروبيين من كل الجنسيات سوف يلقون نفس المعاملة، وعلى قدم المساواة في كل الأمور الأخرى.»
وقد صارت هذه المادة في وثيقة الوفاق المادة السادسة.
وأما المادة الثامنة من المشروع فمتعلقة بمسألة الرسوم الجمركية. وقال كرومر إنه كان يريد من صياغة هذه المادة أن يساعد مدلولها على إدراكه أن هناك حقًّا كامنًا يخوِّل فصل النظام التجاري في السودان عن النظام التجاري في مصر، ولو جاءت هذه المادة خالية من النص صراحة على وجود هذا الحق. وتوقع كرومر أن يلقى كذلك هذا الحق معارضة شديدة، وحينئذٍ لا مندوحة من الاعتماد مرة أخرى على «حق الفتح» لدفع الاعتراض المنتظر على هذه المادة، وفي وثيقة الوفاق صارت هذه المادة، المادة السابعة.
وفي المادة التاسعة من المشروع تقرر عدم الاعتراف بامتداد سلطة المحاكم المختلطة على أية جهة من جهات السودان، فيما عدا مدينة سواكن. والتعليقات التي أراد كرومر أن يفسر بها هذه المادة على جانب عظيم من الأهمية؛ لأنها تبين الاعتبارات التي كانت — إلى جانب المشاركة البريطانية في إدارة السودان بالصورة التي تمكن بريطانيا من الاستئثار بكل سلطان عليه — حجر الزاوية في الوفاق الثنائي؛ من حيث استبعاد الامتيازات الأجنبية من السودان.
ولقد أرفق كرومر مع «مذكراته» التفسيرية هذه عن مشروع الوفاق الثنائي وثيقتين من إعداد المستشار القضائي المستر «ماكيلريث»، يتبين مما جاء فيهما أن هناك بعض الشك في جواز امتداد سلطة المحاكم الأجنبية على السودان حتى على فرض أن تغييرًا ما لن يطرأ على الوضع السياسي لهذا القطر؛ وذلك لأن قرارات محكمة الاستئناف جاءت كلها متناقضة في هذه المسألة. وقال كرومر إنه شخصيًّا بعد أن وزن كل الحجج المقدمة لتأييد وجهات النظر المختلفة، يذهب قطعًا إلى ترجيح الرأي القائل بعدم امتداد سلطة المحاكم المختلطة على السودان. ومع ذلك فلا يجب نسيان أن المحاكم المختلطة تميل إلى أن تمتد سلطتها، ولا نسيان أن هذه المحاكم لا تخضع عمليًّا لأية رقابة تشريعية، وأنه إذا هي ادعت امتداد سلطتها على السودان، فالطريق الوحيد لمقاومة هذا التجاوز إنما تكون فقط برفض تسلُّم إعلان الدعاوى المرفوعة منها، ورفض تنفيذ أحكامها. ولذلك يرى كرومر أن من الحكمة عدم الاعتماد على الحجج التي يذكرها «ماكيلريث»، والتي بناها على لائحة ترتيب المحاكم المختلطة، والوثائق الأخرى المتعلقة بالموضوع، بل يرى العودة إلى الاستناد مرة أخرى على الوضع السياسي الخاص الذي صار للسودان، وعلى السبب الرئيسي الذي رفض من أجله امتداد سلطة المحاكم المختلطة على السودان.
ثم انتقل كرومر من ذلك إلى ملاحظة أن سواكن قد استُثنيت من تطبيق هذه المادة؛ فسمح هذا الاستثناء بامتداد سلطة المحاكم المختلطة عليها، وأخذ كرومر يعلل هذا الاستثناء بقوله إن امتداد سلطة المحاكم المختلطة كان معترفًا به في سواكن من سنوات عدة سابقة، وسواء أكان من الخطأ أم الصواب امتداد هذه السلطة عليها. ومن المتوقع لذلك إذا أُدخل تغيير على الحالة هناك أن يرتفع صوت الاستنكار عاليًا ضد هذا العمل من كل جانب، وفي رأي كرومر أن ليس هناك ما يدعو كثيرًا لإجراء هذا التغيير. ولذلك فالصواب ترك الأمور على ما هي عليه في هذه المسألة، وهذه المادة صارت المادة الثامنة في الوفاق الثنائي.
وأما المادة العاشرة فخاصة باعتبار السودان بأجمعه ما عدا مدينة سواكن تحت الأحكام العرفية بصورة مؤقتة، ويذكر كرومر من الأسباب التي تبرر في نظره وضع السودان تحت الأحكام العرفية أن إعلان هذه الأحكام سوف يزيد من قوة موقف أصحاب «الوفاق» في مسألة المحاكم المختلطة، ومنع امتداد سلطتها على السودان؛ لأن كثيرين من القضاة الذين يرفضون الاعتراف بصلاحية أو مشروعية الحقوق المؤسسة على استرجاع السودان؛ أي على حق الفتح، سوف يعترضون بأنه طالما بقي القانون المدني العام معطلًا تعذر على المحاكم المختلطة ممارسة سلطتها القضائية.
ولكن كرومر لم يلبث أن استدرك قائلًا: إنه لم يكن من أجل ذلك يريد إعلان الأحكام العرفية في السودان، بل يريد ذلك لأن الحالة في السودان نفسه تستدعي في الوقت الحاضر هذا الإجراء؛ فالبلاد لا تزال في قلق واضطراب، وتكثر فيها حوادث السلب والنهب وقطع الطريق؛ لذلك يرى كرومر أن يعطي الحاكم العام في هذه الظروف سلطات واسعة للمحافظة على الأمن والنظام، ويجب على وجه الخصوص أن تكون لديه السلطة الكاملة والحق في طرد أي إنسان سواء أكان أوروبيًّا أم وطنيًّا من البلاد. ومع ذلك فإن إعلان الأحكام العرفية ليس معناه — كما يقول كرومر — أن يتولى الحاكم العام الفصل في كل الأمور، أو أن يقوم بذلك أحد الضباط الذين يخولهم الحاكم العام السلطة في ذلك نيابة عنه، فقد تأسست المحاكم في مديرية دنقلة، ويبدو أنها تؤدي العمل المطلوب منها على خير وجه؛ وقد خُصص مبلغ في ميزانية السودان للتوسع في إنشاء هذه المحاكم. وعلى ذلك فالذي يريده كرومر من إعلان الأحكام العرفية هو إذن أن تُستخدم هذه السلطات الكبيرة المعطاة للحاكم العام في الحالات الاستثنائية فقط. وعلاوة على ذلك فإن الجهود سوف تتوافر لجعل إدارة شئون القضاء في السودان متلائمة ومتفقة بمرور الزمن مع مبادئ القضاء المدني العامة المعترف بها، وهذه المادة صارت المادة التاسعة في الوفاق.
وكانت المادة الحادية عشرة من المشروع متعلقة «بتعيين قناصل، أو وكلاء قناصل، أو مأموري قنصليات السودان»؛ فنصت على أن هؤلاء لا يمكنهم الإقامة بالسودان إلا بتصريح من الحكومة البريطانية بذلك. وقال كرومر إنه يرى اشتراط الحصول على هذا التصريح ضروريًّا، ولكنه يتوقع أن يكون هذا الحق موضع معارضة من جانب أولئك الذي يقولون بأن الوضع السياسي للسودان لا يختلف في شيء عن الوضع السياسي لسائر أملاك الدولة العثمانية، وقد صارت المادة الحادية عشرة في الوفاق.
وأما المادة الثالثة عشرة والأخيرة في المشروع، فخاصة بمنع «إدخال الأسلحة النارية والذخائر الحربية والأشربة المقطرة أو الروحية وبيعها أو تشغيلها». وقال كرومر: ومع أن اتخاذ مثل هذا الإجراء لا يبدو ضروريًّا كل الضرورة، فمن المستحسن لفت النظر خصوصًا إلى مفعول معاهدة بروكسل المبرمة في 2 يوليو 1890م فيما يتعلق بشروط التجارة في الأسلحة والمشروبات الروحية وتصديرها، وهذه المادة صارت المادة الثانية عشرة في الوفاق.
•••
وبذلك تنتهي مذكرة اللورد كرومر التي يفسر بها مشروع الوفاق الثنائي، وبعث بها مع المشروع إلى لندن من القاهرة في 10 نوفمبر 1898م.
ولما كان كرومر قد طلب في الخطاب المنفصل الذي بعث به مع هذه المذكرة إلى اللورد سولسبري في نفس التاريخ أن تستشير الحكومة الإنجليزية في هذا المشروع السردار «كتشنر» الذي كان موجودًا في إنجلترا آنئذٍ، فقد أطلع «سولسبري» السردار على مشروع الوفاق، وأبدى هذا الأخير ملاحظاته على المادتين الرابعة والسادسة خصوصًا.
فقال «كتشنر» في ملاحظاته على الجزء من المادة الرابعة من المشروع الخاص بإرجاء تحديد أو تعيين سلطات الحاكم العام إلى اتفاق على ترتيب يُوضع فيما بعد؛ إن من الواجب تحديد هذه السلطات فورًا ودون أي إرجاء؛ لأن من المتوقع أن يكره الخديوي هذه الفقرة، وأن تنشأ صعوبات كثيرة عند النظر في التفاصيل، وأما فيما يتعلق بالحصول سلفًا على موافقة الخديوي والقنصل الجنرال البريطاني على القوانين واللوائح قبل أن يستصدر الحاكم العام منشورًا بها؛ فقد عارض «كتشنر» في ذلك، واستبدل بهذا صيغة أخرى هي: «وجميع المنشورات واللوائح التي لها قوة القانون، التي يصدرها من هذا القبيل الحاكم العام عليه أن يبلغها على الفور بعد إصدارها إلى رئيس مجلس نظار الجناب العالي الخديوي، وإلى وكيل وقنصل جنرال حكومة جلالة الملكة في القاهرة، وفي كل الحالات تكون هذه المنشورات واللوائح التي لها قوة القانون خاضعة لما قد يقرره هذان الأخيران بالاتحاد، من تحوير فيها أو نسخ لها»، ومما يجب ذكره أن ملاحظة «كتشنر» هذه أخذ المسئولون بها؛ فاستبدل بالحصول سلفًا على موافقة رئيس مجلس النظَّار والقنصل الجنرال، تبليغ هذه المنشورات واللوائح إليهما فور استصدارها، ولكن من جهة أخرى حُذفت من المادة التي اقترحها «كتشنر» العبارة الخاصة بخضوع هذه المنشورات واللوائح للتحوير والنسخ بناء على قرار رئيس مجلس النظار والقنصل الجنرال.
وأما في ملاحظته على المادة السادسة فقد اعترض «كتشنر» على وضع كل إيرادات السودان تحت تصرف الحكومة المصرية؛ لأنه إذا كان الغرض من ذلك أن يُعهد إلى وزارة المالية المصرية في القاهرة إدارة مالية السودان، فإن هذا الترتيب في رأي «كتشنر» أمر غير مرغوب فيه كلِّيَّةً؛ لأن هذا الترتيب إذا كان مقصودًا إنما معناه إعطاء القاهرة كل فرصة للتدخل في تفاصيل شئون الإدارة في السودان، باعتبار أن إيرادات السودان جزء لا يتجزأ من إيرادات مصر. وعندئذٍ سوف ينتفي الغرض الذي ذكر اللورد كرومر أنه يريد تحقيقه، وهو منع صندوق الدين من التدخل في مالية السودان. واقترح «كتشنر» صياغة أخرى لهذه المادة، حاول بها تجنب إعلان أن من حق مصر التصرف في إيرادات السودان. ولو أن «كتشنر» في صياغته الجديدة بقي متأثرًا بفكرة «كرومر» الأصلية وهي خضوع مالية السودان لإشراف ومراقبة وزارة المالية المصرية في القاهرة، واقتنع لورد سولسبري بوجاهة هذه الملاحظة، ولكن لما كانت هناك صعوبات عديدة تحيط بهذا الموضوع الذي أثاره كرومر في مشروعه وفي مذكرته؛ فقد رُئي أخيرًا الاستغناء عن هذه المادة كلِّيَّةً.
وكان بعد الاستماع لكل هذه الملاحظات إذن من جانب كتشنر والحكومة البريطانية أن تسلَّم الخبراء القانونيون في القاهرة صياغة المشروع في صورته النهائية، وقبل أن يفرغ هؤلاء الخبراء من مهمتهم، قام اللورد كرومر بأولى زياراته للسودان.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)