

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
عهد سيطرة المهدية في السودان (حكومة عبد الله التعايشي)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 331 ــ 355
2026-04-14
31
كانت حكومة عبد الله التعايشي أول وآخر حكومة أقامتها «المهدية» في السودان. حقيقة، استولت «المهدية» على أقاليم كثيرة، وانتشرت الدعوة أيام محمد أحمد، وتأيد سلطانها بعد سقوط الخرطوم في يناير 1885م. ولكن المهدية من وقت ظهورها كحركة ثورية في أغسطس 1881م واصطدامها مع الحكومة القائمة وقتئذٍ، وهي حكومة المصريين إلى وفاة المهدي في 22 يونيو 1885م؛ لم تكن إلا فورات دينية متتابعة، وتعتمد في انتشارها على سمعة المهدي وشهرته الشخصية كزعيم ديني قبل أي اعتبار آخر. ولقد كفَت عندئذٍ زعامة المهدي لتوجيه الحركة أو الثورة، فعاشت هذه من غير تنظيم؛ لأن زعامة المهدي أغنت عن التنظيم في هذه المرحلة، ولأن النزاع كان لا يزال قائمًا بين المهديين وبين السلطات الحكومية الشرعية. ولكن بعد سقوط الخرطوم من جهة ووفاة محمد أحمد من جهة أخرى صار ضروريًّا أن يستبدل خليفة المهدي بالقوى والأساليب المتبعة حتى هذا الوقت في نشر الدعوة نظامًا ينفع في توجيه هذه القوى، وتنسيق أساليبها بالصورة التي تكفل بقاء الدعوة ودعم أركانها؛ ذلك بأن سقوط الخرطوم كان يحدد بداية مرحلة انفردت فيها المهدية بالسلطان في أكثر أقاليم السودان، هذا من جهة، واصطدمت من جهة أخرى مع حكومات كحكومات الحبشة ومصر وبريطانيا خصوصًا في نزاع على الأقاليم الواقعة على الحدود في الشمال والشرق، أو التي تخلت مصر عنها في الجنوب؛ ثم إن وفاة المهدي لم تلبث أن أنهت الحرب الدينية في السودان؛ أي الحرب التي اعتمدت على تحريك الحماس الديني لدى السودانيين؛ ليقاتلوا تحت لواء المهدي. ذلك أن هذا الحماس الديني أخذ يفتر سريعًا بعد وفاة المهدي؛ لأن كثيرًا من ادعاءات المهدية لم يتحقق في حياة محمد أحمد؛ فلا هو غزا مصر، ولا هو فتح مكة. بل إن نفوذ المهدي كان قد بدأ يضعف في الشهور الأخيرة من حياته لأسباب متعددة؛ منها أنه ترك حياة الزهد والتقشف الأولى لينغمس في حياة الترف والبذخ؛ ومنها أنه ترك الأمور تفلت من يده؛ فاستأثر بالسلطة الفعلية خليفته الأول عبد الله التعايشي؛ ومنها أنه لم يفعل شيئًا بعد سقوط الخرطوم والاطمئنان إلى زوال كل آثار الحكومة المصرية القديمة في السودان؛ ليبني الدولة الجديدة التي كان من واجب المهدية المبادرة بوضع أسسها من الآن؛ وعجز المهدي عن استبدال سياسة التعمير والإنشاء بأساليب العنف وإثارة شعور التعصب الديني.
ولذلك فقد صار ضروريًّا بعد وفاة محمد أحمد أن يؤسس خليفته عبد الله التعايشي نظامًا حكوميًّا، ويستعيض به عن السمعة الشخصية التي كانت للمهدي، وعن حماس التعصب الديني للدعوة؛ لمواجهة مشكلات الحكم والإدارة والحرب. أضف إلى هذا أن محمد أحمد وإن كان نقل سلطاته المدنية إلى خلفائه — وكان هؤلاء في ترتيب المهدية: أولهم الخليفة عبد الله التعايشي. وثانيهم الخليفة علي ود حلو، وثالثهم بقي كرسيه شاغرًا حين رفض السيد محمد المهدي السنوسي أن يشغله، وكان قد عرضه عليه محمد أحمد، ورابعهم الخليفة محمد شريف ابن عم المهدي — فإنه لم ينقل إليهم سلطاته الدينية. فالخليفة عبد الله إنما هو لذلك زعيم أو حاكم مدني فحسب، ولا يجمع في شخصه مثلما فعل المهدي الزعامتين الزمنية والدينية، ويجب أن يعتمد لذلك في بقاء خلافته من جهة، واستمرار المهدية «المدنية» ذاتها من جهة ثانية، واستمرارها ضروري لاستناد خلافته عليها؛ على النظام الحكومي الذي ينجح في إنشائه.
وأوجد عبد الله نظامًا للحكم يقوم على تركيز السلطة في شخصه، فهو الذي يهيمن على الإدارة المركزية في أم درمان، العاصمة الجديدة، بعد أن خُرِّبت الخرطوم، وهو الذي يعين الحكام في المديريات، ويسمي أكثر الموظفين في الأقاليم، ويشرف على بيت المال، وعلى أعمال القضاء، وعلى تعيين أمراء الجيوش. واستعان عبد الله بهذا النظام الحكومي على إنشاء نوع من الحكومة الاستبدادية التعسفية، نشرت الطغيان والظلم في السودان، بحيث صار لا يأمن على نفسه أو ماله أحدٌ من أفراد الناس العاديين أو كبار رجال حكومته وقواد جيوشه من نزوات عبد الله وهواجسه ومخاوفه على سلطانه و«خلافته». فاعتمد على الخيانة والغدر والمخاتلة وإشاعة الخوف، والقسوة في تحقيق مآربه. ومع أن هناك من الكتَّاب من دافعوا عن طغيان عبد الله التعايشي وعن أساليبه الاستبدادية والتعسفية، باعتبار أن ذلك كان ضروريًّا في الظروف التي وُجد بها إذا شاء الاحتفاظ بسلطانه طويلًا أمام منافسيه الداخليين ومزاحميه على السلطة، وأمام الأخطار التي تهددته من الخارج، فإنه لا يجب أن يغيب عن الذهن أن المهدية استندت أصلًا في تحريك الثورة على وجوب تحرير الناس من ظلم الحكومة القائمة واستبدادها المزعومين. ولقد واجهت حكومة المصريين الذين اتهموها بأنها ظالمة ومستبدة مشكلات لا تقل في خطورتها عن تلك التي واجهتها «المهدية» في هذه السنوات الأولى من قيامها؛ ومع ذلك فلم يُعرف عنها أنها أقامت حكومة مستبدة غاشمة متسلطة، بل تأسست حكومتها المركزية والإقليمية على مبدأ إشراك العناصر الوطنية في الحكم والإدارة بالصورة التي مرَّت بنا في الدراسات السابقة، أو أنها أهدرت أمن الناس على أموالهم وأرواحهم، أو أنها عندما عملت لإخماد بعض الثورات المحلية في المناطق البعيدة أو للدفاع عن حدود السودان، ورد اعتداءات الأحباش وبعض القبائل في الأقاليم الواقعة في أطرافه — وتلك مشكلة اضطرت حكومة الخليفة عبد الله لمواجهتها كذلك — نقول: إن الحكومة المصرية لم تعمد — كما فعلت المهدية (حكومة عبد الله) — إلى تجنيد السودانيين في جيوشها بالصورة التي انتزعت من الحقول وسائر ميادين النشاط والإنتاج الأيدي العاملة، حتى إذا صادف أن احتبست الأمطار حصلت المجاعة — وأشهر المجاعات كانت في 1884م، 1888م، 1890م — وقد ذهب ضحية المجاعة في السودان حتى سنة 1890م خصوصًا آلاف عديدة ماتوا من الجوع في كل أنحاء السودان من دنقلة في الشمال إلى القضارف في الشرق والفاشر في الغرب. وإلى جانب هذا وقف النشاط التجاري وغيره من الأعمال. وكانت التجارة الرابحة هي تجارة الرقيق.
ولقد تَرَتَّب على هذا النظام الحكومي الذي أوجده عبد الله التعايشي أمران؛ أولهما: انتكاس في أحوال السودان، رجع بهذه البلاد خطوات كثيرة إلى ما يشبه نظام الإقطاع الشرقي الذي كان نقلها منه الحكم المصري. ذلك أنه بالرغم من أن الخليفة عبد الله حكم حكمًا استبداديًّا تسلطيًّا، وبالرغم من وجود ذلك الجهاز الإداري الذي بناه في الحكومتين المركزية والإقليمية على بقايا الجهاز الإداري في العصر المصري السابق، ووضعه تحت إشرافه، فقد استبدل بالنظام الضريبي الذي وضعه المصريون، جباية الزكاة والعشور وتحصيل الإتاوات على نحو ما كان ساريًا قبل مجيء المصريين، وكذلك سيطر بشخصه على السلطة القضائية التي عهد بها إلى قضاة يحكمون وفق الشرع الإسلامي، واستغنى عن كل التنظيمات القضائية السابقة. ولقد بقيت الصلة بينه وبين رجاله في «العمالات» أو حكومات الأقاليم البعيدة صلة شخصية بحتة. وكان ظاهرًا إذا أخطأ الخليفة في اختيار «عماله» أو قواد جيوشه، أو عجز عن كبح جماحهم، ومنهم من كان يعيش في عمالته عيشة «السلاطين والملوك»، كما كان يفعل محمد خالد زُقل في دارفور أو يونس الدكيم في دنقلة أو الزاكي طمل في القضارف «حيث بنى قصرًا جميلًا وعاش بأبَّهة عظيمة»، أو أن الخليفة ترك كبار مشايخ القبائل والرؤساء في قبائل الكبابيش والشكرية وبني حسان، والضبانية والبطاحين وغيرهم على هواهم؛ لاستطاع كل هؤلاء في أول فرصة سانحة الاستقلال في عمالاتهم أو في قبائلهم كأمراء إقطاعيين، قد لا تربطهم أية رابطة بحكومة الخليفة عبد الله في أم درمان.
وأما الأمر الثاني: فهو أن التذمر في البلاد من حكومة الخليفة كان عامًّا، والسخط عليها صار شديدًا؛ حتى أسف الناس على عهد المصرية، ولم يعد يؤيد الخليفة غير أهل الغرب وهم أهله وعشيرته من البقارة، ثم الذين يستفيدون من النظام القائم. والذين لا يأملون في أن يسترجع المصريون السودان صاروا يأسفون على عهد المهدي محمد أحمد، أو يتوقون لنجدة الأحباش أو الإنجليز لهم. وكانت هناك — كما سنرى — وقائع بين عبد الله والأحباش في جهة القلابات والسودان الشرقي، ومع الإنجليز «والمصريين» في جهة سواكن وطوكر. ويعبِّر عن هذا التذمر من حكومة عبد الله التعايشي والسخط عليها، والاستنجاد بالأحباش والإنجليز؛ شاعر الشكرية الحردلو أخو عوض الكريم أبو سن شيخ الشكرية في قوله:
ناس قباح من الغرب جونا جابوا التصفية ومن البيوت مرقونا
أولاد ناس عزاز مثل الكلاب سوُّونا يا يابا النقس «النجاشي» بالإنجليز ألفونا
هذه النتيجة التي وصل إليها الخليفة عبد الله من الحكومة الاستبدادية والمتسلطة التي أقامها على أنقاض الحكم المصري في السودان — وهي واحدة من نتائج أخرى خطيرة سوف نذكرها في موضعها — لم يكن هناك مفر من الوصول إليها؛ وذلك بسبب الأغراض التي كرَّس كل وقته وبذل كل ما يملك من جهد وحيلة لتحقيقها، ودارت حولها كل سياسته في الميدانين الداخلي والخارجي على السواء.
ولقد تَلَخَّصت هذه الأغراض في استبقاء الحكم في يده، ثم في ذريته من بعده مع ما يستلزمه تحقيق هذا الهدف من تأسيس سيطرة مطلقة أو حكومة استبدادية، ثم تدبير الوسائل التي يمكن بها الاحتفاظ بهذه السيطرة المطلقة.
ويقول المدافعون عن حكومة الخليفة عبد الله إن مثل هذه الأغراض إنما هي أغراض طبيعية، ولا يسع عبد الله إلا أن يعمل لتحقيقها «بالغريزة»؛ لأن من المتعذر إطلاقًا — كما يزعمون — أن ينجح إنسان في حكم السودان إلا بطريق هذه السيطرة أو الديكتاتورية المطلقة. ويعلل هؤلاء هذه الحاجة إلى السيطرة المطلقة في حكم السودان بأن المشاكل التي واجهت الخليفة عند استلامه زمام الأمور كانت جسيمة؛ بعضها يهدد بهدم سلطانه من الخارج؛ حيث توجد على حدوده الشمالية مصر تؤازرها بريطانيا. ولم يكن معنى الإخلاء أن العداء قد انتهى بين مصر وبريطانيا من جانب وبين حكومة الخليفة من جانب آخر، أو أن في وسع الخليفة أن يطمئن إلى انصراف مصر عن الرغبة نهائيًّا في استرجاع أملاكها المفقودة في السودان. ثم إنه لا يزال في داخل السودان عدد من الحاميات المصرية في سنار وكسلا. لا يزال أمين باشا في مديرية خط الاستواء، والبريطانيون لا يزالون «مع المصريين» في سواكن. وطالما بقيت سواكن في أيديهم فهي بمثابة الخنجر المسدد إلى قلب البلاد. وكذلك تقع على حدوده الجنوبية الحبشة. ولم يكن المهديون يطمئنون يومًا من ناحية هذه الدولة الأفريقية «المجهولة» لهم، والتي توقعوا على كل حال أن يصطدموا بها عاجلًا أو آجلًا بسبب مشاكل الحدود القديمة. وهي مشاكل لا مفر من أن يرثها عهد المهدية من العهد المصري السابق من جهة، وكان في وسع الخليفة عبد الله من جهة ثانية أن يثيرها في أي وقت يشاء، وكما فعل، ثم أن يستفز الأحباش للدخول في حرب معه لم يكن من الحكمة إطلاقًا أن يعمل هو لإثارتها.
وأما بعض المشاكل الأخرى، فهي مشكلات تتهدد سلطانه من الداخل؛ حيث ظلت القبائل تدين بالطاعة والولاء لرؤسائها أولًا، بالرغم من دعوة المهدي إلى الاتحاد على أساس الحماس الديني والمصلحة المشتركة في إنهاء عهد المصرية من السودان. وكان الرؤساء ومشايخ القبائل الآن وأكثر من أي وقت مضى، بسبب زوال النظام الحكومي السابق، أشد ما يكونون استمساكًا بسلطاتهم وحقوقهم القبلية، وأبعد ما يكونون رغبة في التنازل عنها، خصوصًا الخليفة يعدونه واحدًا منهم، ويعدون أنفسهم أندادًا له، ولا يتمتع بأي نفوذ ديني بالرغم من خلافته، يوجب عليهم طاعته على حساب مصالحهم. ولقد كانت صعوبة المواصلات وبدائية وسائل النقل من العوامل التي جعلت صعبًا ربط أقطار السودان الشاسعة وعمالاته بعضها ببعض، ثم بمقر الحكومة المركزي؛ الأمر الذي زاد من صعوبات الحكم والإدارة، وشجع على ظهور الاضطرابات والثورات المحلية والاتجاهات الانفصالية. أضف إلى هذا أن موارد الخليفة كانت ضعيفة لأن البلاد فقيرة في ثروتها النباتية والحيوانية والمعدنية … إلخ؛ وأن عبد الله لم يجد في البلاد جهازًا حكوميًّا أو هيئة مدربة من الموظفين للقيام على خير وجه بأعمال الحكم والإدارة؛ وذلك لأن الجهاز الحكومي السابق كان قد أُزيل عقب إنهاء عهد المصرية، وكان محمد أحمد المهدي قد بدأ ينظم «دولة دينية» فحسب، قائمة على أساس نشر الدعوة، فلم يتسع له الوقت لتأسيس نظام لدولة «علمانية» جديدة.
ويجد المدافعون عن طغيان الخليفة وديكتاتوريته ما يمكنهم أن يسوغوا به هذه السيطرة المطلقة، وأساليب حكومته التعسفية، في قولهم إن الخليفة استطاع أن يحكم السودان مدة ثلاث عشرة سنة (1885–1898م) نجح خلالها في تحقيق الغرضين اللذين تكلمنا عنهما: تأسيس السيطرة المطلقة، والاحتفاظ بهذه السيطرة المطلقة؛ كما نجح في إقامة جهاز حكومي أمكن أن يؤدي الخدمة المطلوبة منه طوال عهده. ولكن الحوادث التي وقعت في عهد الخليفة سواء في إمارته الداخلية أم في علاقاته الخارجية، لا يلبث أن يتضح منها: أن الطغيان الذي أتاح للخليفة الفرصة للقضاء على كل خصومه ومنافسيه في الداخل قد تولد من كل ما حصل من اضطرابات وثورات استنفدت قوته، وبحيث صار يعجز عن مواجهة الخطر الخارجي وهو يستند على جبهة داخلية متحدة؛ وأن انصرافه إلى القضاء على خصومه ومنافسيه الداخليين لتأسيس سيطرته المطلقة؛ قد جعله يضطر إلى إخلاء أقاليم بأكملها في الجنوب: في مديرية خط الاستواء، وبحر الغزال ودارفور، فلم يستطع الاحتفاظ بالأملاك التي ورثها هناك من العهد المصري؛ وأن مغامرته على الحبشة — والتي كان مبعثها الغرور وقِصَر النظر السياسي — قد أضعفته في السودان الشرقي، وترتب على تشتيت قوى رؤساء جيشه وعماله في هذه الجهات أن فشل في الاستيلاء على سواكن؛ وذلك إلى جانب أنها قضت على كل أمل في إنشاء علاقات ودية مع الحبشة قد يمكن الاستفادة منها عند الحاجة، وخصوصًا في صراعه مع مصر وبريطانيا؛ وأن الدول الطامعة في أملاك مصر القديمة في خط الاستواء وبحر الغزال وساحل البحر الأحمر، وهرر والصومال؛ استطاعت الاستيلاء عليها، ودون أن يحرك الخليفة ساكنًا للمحافظة على هذه الأقاليم أو للدفاع عنها أو لاستنقاذها، فشهد عهده اقتطاع أطراف الإمبراطورية المصرية في السودان لحساب إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا، وشهد عهده تسابق الاستعمار الأوروبي للتوغل في أطراف السودان المصري للسيطرة على منابع النيل وعلى روافده الاستوائية وفي الحبشة؛ وأن هذه الحكومة — التي أنشأها عبد الله التعايشي — كانت قواها قد أُنهكت خلال هذه السنوات الثلاث عشرة، حتى إنها لم تلبث أن انهارت عندما تلقت أول هجوم عليها من جيوش المصريين والإنجليز النظامية. وأخيرًا أن حكومة عبد الله التعايشي عجزت عن إنشاء «دولة» تعترف الدول بكيانها، وتحترم حقوق السيادة التي ينبغي أن تكون لها في داخل حدودها. ولقد أراد كثيرون أن يعتبروا الحكومة التي أقامها الخليفة في السودان واستمرت ثلاث عشرة سنة دليلًا على أن دولة مهدية قد تأسست في عهده. ولكن مما يجب أن نلفت إليه النظر الآن، أنه لم يكن كافيًا أن تقرر مصر — سواء برغبتها أو ضد إرادتها — التخلي عن السودان، ويتم إخلاؤه فعلًا. بل كان ضروريًّا أن يصحب ذلك نزول مصر عن حقوق سيادتها على السودان، أو أن تنزل عن هذه الحقوق تركيا صاحبة السيادة الشرعية على مصر والسودان معًا؛ وسواء كان هذا التنازل لصالح الشعب بأجمعه أم لصالح هيئة أو مؤسسة أو حكومة معينة قائمة بشئون الحكم والإدارة؛ وذلك حتى يتسنَّى إنشاء «الدولة» — بالمعنى المعروف من هذا المصطلح السياسي — في السودان. كما أنه كان ضروريًّا من ناحية ثانية أن تعترف الدول بالوضع الذي ترتب على إقامة الحكومة التي أوجدها الخليفة في هذه البلاد.
ولقد كان الخليفة عبد الله نفسه مسئولًا إلى حدٍّ كبير عن تفويت فرصة إنشاء «دولة مهدية» في السودان لأسباب عديدة؛ من أهمها أنه أصرَّ على تنفيذ برنامج التوسع الذي أتى به محمد أحمد المهدي، فقرر غزو مصر — كما سنرى — وأغار على حدودها، وانتهى الأمر بهزيمته. ولكن هذه الإغارات على الحدود المصرية أوجدت لسلطات الاحتلال البريطاني في مصر مشكلة لا بدَّ من حلها لتأمين الحدود الجنوبية. ثم إن العجز عن الاحتفاظ بأطراف مملكته أطمع في الخليفة الدول التي أخذت — كما ذكرنا — تستولي على الأقاليم التي أخلاها المصريون. ولقد خلق هذا التوغل الأوروبي في السودان مشكلة أخرى جديدة للاحتلال البريطاني في مصر؛ حيث خشي البريطانيون أن تستولي إحدى الدول على منابع النيل فتتحكم في مياه النهر، وتكون خطرًا يتهدد الاحتلال البريطاني ذاته، فضلًا عن الضرر الذي يلحق بمصالح الاستعمار البريطاني نفسه في أفريقيا الشرقية والوسطى، من توغل نفوذ دولة أخرى في مناطق السودان سواء الشرقية أو الجنوبية أو الغربية منها. ولقد واجهت السياسة البريطانية هذه المشكلات، إما بعقد المعاهدات والاتفاقات مع الدول لمحاولة تحديد مناطق النفوذ — وسيأتي الكلام في هذا الموضوع في حينه — وفعلت بريطانيا هذا على أساس عدم الاعتراف أصلًا بحكومة الخليفة عبد الله واعتبار السودان بعد أن تخلَّى المصريون عنه، وصار إجلاؤهم منها «ملكًا مباحًا» (Res nullius)؛ أو بأنها واجهت هذه المشكلات بتقرير غزو السودان في آخر الأمر لاسترجاعه. وفي هذه المرة فعلت بريطانيا ذلك على أساس مزدوج، يقضي باعتبار أن السودان لا يزال «ملكًا مباحًا» من ناحية وعدم الاعتراف بالحكومة التي أقامها عبد الله التعايشي، وبأن مصر في الوقت نفسه لم تفقد حقوقها في السيادة على السودان بسبب تخليها عنه أو إخلائها له، بل إنها ما زالت تملك هذه الحقوق في السيادة عليه، وإن كانت هذه الحقوق قد تعطلت ممارستها «مؤقتًا» لظرف قهري خارج عن إرادتها؛ هو ظرف الثورة التي لا يمكن أن تلغي حق مصر في استرداد الحقوق التي فقدتها أو تعطلت مؤقتًا، ما دامت مصر لم تعترف بصورة من الصور بانتقال هذه الحقوق التي لها إلى السلطة التي أوجدتها الثورة لممارسة شئون الحكم في الوضع الجديد.
•••
ذلك إذن كان سجل حكومة عبد الله التعايشي، وهو سجل حكومة أقل ما توصف به غير ما هو معروف عن استبدادها وتعسفها وإهدارها لحقوق الفرد، حتى في هذا المجتمع الإقطاعي الذي أعاده الخليفة إلى الوجود؛ أنها أضاعت على السودانيين الفرصة العظيمة التي سنحت لهم في مستهل حياتهم الجديدة بعد انقضاء عهد معين من تاريخهم — هو عهد المصرية أو التركية — بمساوئه ومحاسنه؛ لبلوغ استقلالهم وإنشاء دولة وطنية حديثة.
أما كيف وصلت حكومة الخليفة إلى النتائج الخطيرة التي ذكرناها، فتفسير ذلك — وعلى نحو ما سنوضحه الآن — أن سياسة عبد الله بشقيها داخلية وخارجية كانت مرتبطة بالغرض المزدوج الذي سبقت الإشارة إليه، وهو تأسيس السيطرة المطلقة على أهل السودان، والاحتفاظ بهذه السيطرة لنفسه ولذريته من بعده.
ولتحقيق هذا الغرض إذن كانت الخطوة الأولى في برنامجه السياسي أن يعمل الخليفة عبد الله على تعزيز مسند «الخليفية» وتقويته؛ وذلك أولًا بأن يزيد من قوة «المهدية» ذاتها كعقيدة، وهي التي يستند عليها حق «الخليفية» الشرعي في الحكم والسلطان. ويجب أن نفرق هنا بين المهدية وشعائرها كعقيدة دينية، وبين أهل المهدي وأقاربه المعروفين باسم «الأشراف»، وكذلك عماله وأتباعه، وهؤلاء عمل الخليفة على تجريدهم من كل نفوذ وقضى عليهم.
وكان لتوطيد أركان العقيدة المهدية والمحافظة على شعائرها أن بنى عبد الله قبة فوق قبة المهدي بأم درمان، يدعو الناس إلى حجها بدلًا من الذهاب إلى الكعبة (في نوفمبر 1888م)، واستمر معنيًّا بنشر الدعوة، ويتخذ من هذه العناية في الظاهر السبب الذي يبني عليه أكثر نشاطه السياسي. ولقد ظل الخليفة يُعنى بالمحافظة على شعائر المهدية مع علمه بأن الحماس الديني فتر كثيرًا بعد وفاة محمد أحمد، وأن العقلاء صاروا لا يؤمنون بها.
وأما الوسيلة الثانية لتعزيز مسند «الخليفية»، فكانت بأن يبذل عبد الله قصارى جهده لينال — تحت ستار نشر الدعوة المهدية دائمًا — الاعتراف بهذه الخليفية من جانب الأمراء والسلاطين المجاورين له، ورؤساء الدول التي ربطت العلاقات القديمة بينهم وبين السودان، والذين يُخشى منهم الخطر على حكومته. وكان المهدي محمد أحمد في سبيل نشر الدعوة قد كتب إلى كل من محمد يوسف سلطان واداي، وحياتو بن سعيد بن محمد بلو سلطان سوكوتر، وإلى رابح الزبير الذي كان قد فر إلى الغرب بعد وقائع بحر الغزال ومقتل سليمان الزبير سنة 1879م، وأسس بعد ذلك مملكة في برنو بقي فيها حتى قتله الفرنسيون سنة 1900م؛ وإلى السيد محمد المهدي السنوسي في الجغبوب، وإلى أهل مصر وإلى الخديوي محمد توفيق، وإلى يوحنا (يوحناس) ملك الحبشة؛ يدعوهم جميعًا إما إلى اعتناق المهدية والإيمان بمهديته، أو إلى اعتناق الإسلام كذلك (في حالة يوحنا). فبادر عبد الله الآن بإرسال الكتب إلى كل هؤلاء يبلغهم خبر خلافته، ويدعوهم إلى المهدية والجهاد. وكان ممن كتب عبد الله إليهم كذلك قبائل الحجاز الذين جعل عليهم كبير الأحامدة «عاملًا» عليهم من قِبله، وأهل المدينة المنورة، وإلى قبيلة قريش، وإلى أهل نجد الذين سمى «عاملًا» عليهم عبد الله بن فيصل بن مسعود؛ وطلب مرارًا من سلطان ودَّاي محمد يوسف القيام بأمر المهدية، وصار يستحثه على ذلك، وعلى فتح طريق الهجرة لكل من يرغب في القدوم إلى الخليفة. وحاول الخليفة وعامله على دارفور «عثمان آدم» مرارًا استمالة رابح الزبير للقدوم إلى أم درمان (1887م) ولكنه رفض، كما رفض أيضًا كل من سلطان سوكوتو، ومحمد المهدي السنوسي الذهاب إلى الخليفة. ولكنهم كذلك لم يشاؤوا فصم علاقاتهم معه أو إعلان العداء نحوه، فقد اتخذ السنوسي موقف الحياد من المهدية، وتظاهر سلطانَا واداي وسكوتو أنهما صدَّقا الدعوة.
وكتب عبد الله إلى أهل مصر. وأرسل إلى مصر أربعة رُسل بثلاثة كتب بتاريخ جمادى الآخرة سنة 1304ﻫ مارس 1887م، ووصل هؤلاء الرسل إلى وادي حلفا في أبريل فأرسلوا منها إلى القاهرة، وكان أحد هذه الكتب إلى السلطان عبد الحميد، والثاني إلى الملكة فكتوريا ملكة الإنجليز، والثالث إلى الخديوي محمد توفيق، يدعوهم فيها الخليفة إلى اعتناق المهدية «قبل أن تطأ جيوشه بلادهم وتنتقم منهم»؛ وكان غرضه خصوصًا من الكتابة إلى هؤلاء الثلاثة الحصول على اعترافهم بحكومته، وذلك — كما يقول «دوجاريك» (Dujarric) — حتى يأمن على بقاء السلطة في يده وانتقالها إلى ذريته من بعده. واعتمد عبد الله على إذاعة خبر هذه الكتب في ارتفاع ذكره؛ الأمر الذي توقع أن يساعده على زيادة تركيز السلطة في يده، والإمعان في فرض سلطان حكومته المطلق على أهل السودان، فأخذ يبعث بصور من هذه الكتب الثلاثة إلى «جميع أمرائه في الجهات للاطلاع عليها وتلاوتها على الأنصار». وأما الرسل الذين حملوا الكتب إلى مصر فقد عادوا منها يحملون جوابًا شفويًّا عليها، أثبته «نعوم شقير»، هذا نصه: «إن أولئك الملوك الذين تجرَّأ سيدكم على الكتابة إليهم لأرفع جدًّا من أن يتنازلوا إلى مجاوبته.»
وأما الوسيلة الثالثة لتعزيز مسند «الخليفية» فكانت محاولة عبد الله أن يجعل الخليفية وراثة في أسرته؛ يتولاها من بعده ابنه البكر «عثمان». وكان نظام تولي الحكم — كما وضعه المهدي — يجعل الخلافة من نصيب أربعة من الخلفاء سماهم في حياته، وجعلهم بترتيب الخلفاء الراشدين؛ هم: الخليفة الأول عبد الله التعايشي نفسه، والذي تولى الحكم بعد وفاة محمد أحمد على أساس أنه الخليفة الأول على حسب هذا الترتيب، وهو في مرتبة أبي بكر الصديق، ثم يليه الخليفة الثاني «علي ود حلو» في مرتبة عمر بن الخطاب، ثم الخليفة الثالث في مرتبة عثمان بن عفان، وقد ظل هذا الكرسي شاغرًا؛ لأن المهدي خصصه للسيد محمد المهدي السنوسي الذي رفض عرض المهدي. وأخيرًا الخليفة الرابع محمد شريف ابن عم المهدي، في مرتبة علي بن أبي طالب. ولكن عبد الله التعايشي أراد أن ينقل الحكم من بعده إلى ولده الأكبر — كما ذكرنا — فأخذ يمهد لذلك بتجريد الخلفاء الآخرين من كل نفوذ وسلطة، وتشريدهم مع أنصارهم، وبأن صار يستبدل بالأمراء والعمال (أي قواد الجيوش والحكام في الأقاليم) آخرين من أقربائه وأتباعه الذين يثق بهم. ثم إنه أنشأ حرسًا خاصًّا عُرفوا باسم الملازمين استمر عددهم يزيد وخصوصًا بعد سنة 1891م بسبب فتنة الأشراف — التي سيأتي ذكرها — حتى بلغوا ألوفًا أسكنهم حوله في أم درمان، وجعل ابنه عثمان أميرًا عليهم، وسماه «شيخ الدين»، ورشحه للملك بعده.
ولقد كان تعزيز مسند الخليفية من جهة، والانفراد بكل سلطة لممارسة السيطرة المطلقة من جهة ثانية، وتأمين بقاء هذه السيطرة؛ يقتضي كل ذلك أن يتعقَّب الخليفة بالتشريد والنفي والقتل كل أولئك الذين يخشى من أن يتنكَّروا له أو يزاحموه على الملك؛ إما بسبب قرابتهم من المهدي «وهؤلاء هم الأشراف»، أو لأنهم من عداد الخلفاء الذين يحق لهم تولي شئون الحكم بعده، أو من كبار القواد ورجال الحكومة الذين اختارهم أصلًا محمد أحمد المهدي نفسه للقيادة أو للعمالة، أو كان معروفًا عنهم الولاء لبيت المهدي؛ كما يقتضي أن يولي الخليفة في مناصب القيادة والعمالة ووظائف الإدارة الأخرى رجالًا من التعايشة، وأن يجعل كل اعتماده على أهل الغرب خصوصًا البقارة الذين هم أهله وعشيرته: «التعايشة من البقارة»؛ وذلك في تعزيز سلطانه وإذلال القبائل الأخرى، وتفريق كلمتها حتى لا تقوم لها قائمة؛ ثالثًا: أن يقضي على كل اضطراب داخلي حتى يستتب له الأمر في البلاد.
وعلى ذلك فقد بدأ عبد الله بإرغام الخليفة علي ود حلو والخليفة محمد الشريف على تسريح جيشهما، وكان لكل خليفة حسب النظام الذي وضعه المهدي لتوزيع القوات المقاتلة على خلفائه جيش خاص براية خاصة؛ فكان جيش عبد الله — وهو من التعايشة، وأهل الغرب مع عناصر أخرى، علمه الراية السوداء، وجيش علي ود حلو كانت رايته خضراء، وجيش محمد الشريف له راية حمراء. وأما جيش الخليفة الثالث — والذي لم يتكون بعد — فكان المنتظر أن تكون رايته صفراء. وكان جيش الخليفة عبد الله هو أقوى الجيوش جميعها. فأدمج عبد الله الآن جيشَي علي ود حلو ومحمد الشريف في جيش أخيه يعقوب الذي أصبح ذا شأن وصَوْلة في نظام الحكم الجديد، واستبقى هو لنفسه قوة صغيرة حرسًا خاصًّا له.
واستدعى الخليفة من الأبيض عاملها «محمود عبد القادر» وهو ابن عم المهدي الذي كان عهد بإدارة الأبيض إليه عند خروجه (أي المهدي) منها لغزو الخرطوم. فحضر محمود عبد القادر إلى أم درمان، وولَّى الخليفة على كردفان بدلًا منه أحدَ رجاله عثمان آدم. ولكن محمودًا الذي أذن له الخليفة بالذهاب إلى الأبيض ليعود بأسرته منها لم يلبث أن أعلن الثورة، فكان مصيره أن لقي حتفه في معركة في ديسمبر 1885م. واستدعى الخليفة من دارفور عاملها محمد خالد زُقل الذي كان على عمالتها من أيام المهدي منذ 1884م، وذكرنا أنه كان يعيش في الفاشر بأبَّهة عظيمة، فخرج منها في يناير 1886م بعد أن ترك عليها يوسف ابن السلطان إبراهيم. وأرسل الخليفةُ أحدَ قواده «حمدان أبا عنجة» لمقابلته وتجريده في «بارة». ولما كان الخليفة قد جرَّد الأشراف من الأسلحة والرايات لم يسع «زقل» إلا التسليم في يونيو 1886م. وقد حبسه الخليفة بعد ذلك بعد أن اتهمه بالاختلاس، فبقي «زقل» في السجن في الأبيض، ثم في أم درمان إلى سنة 1891م، فأخرجه الخليفة عندئذٍ من الحبس وعيَّنه أميرًا على دنقلة.
وكذلك انتهز الخليفة فرصة انكسار «محمد الخير» في واقعة جنس (30 ديسمبر 1885م)، وكان صاحب نفوذ عظيم في دنقلة من أيام المهدي، فنحاه ثم عزله عن عمالة دنقلة، وتولى الأمير عبد الله النجومي شئون دنقلة؛ ثم عاد الخليفة فعزل «محمد الخير» عن بربر وولى عمالتها «عثمان الدكيم» وهو أحد أقاربه. وكذلك استدعى الخليفة «كرم الله الشيخ محمد الكركاوي» من بحر الغزال، فأخلى «كرم الله» البلاد، وحضر إلى «شكا» في أكتوبر 1886م.
واستقدم الخليفة في سنة 1887م إلى أم درمان من الغرب أعدادًا عظيمة من البقارة للاستعانة بهم في دعم مركزه ضد القبائل التي كانت لا تزال تشق عليه عصا الطاعة وترفع رؤوسها في ثورات من وقت لآخر ضده. وكان في مقدمة من ثاروا في وجه الخليفة عبد الله أحد رؤساء هذه القبائل، هو شيخ قبيلة الرزيقات في جنوب دارفور واسمه الشيخ مادبو. فطارده كرم الله عند حضوره إلى شكا كما طارده «محمد كرقساوي» عامل شكا، وقبض عليه الأمير يوسف ابن السلطان إبراهيم بالقرب من جبل مرة، ثم أعدمه «أبو عنجة» في الأبيض في أواسط فبراير 1887م.
وكذلك ثار على الخليفة، صالح فضل الله، وسالم الكباشي شيخ قبيلة الكبابيش الذين عاشوا في الصحراء من شمالي الكردفان إلى دنقلة، ولم يقبلوا المهدية بتاتًا، وكان شيخهم السابق — وهو أخو الشيخ صالح — قد أعدمه المهديون بعد سقوط الأبيض. وقد ساعد الكبابيش، وأمدوا بالجمال حملة الإنقاذ التي أُرسلت في 1884م لتخليص غوردون. وكان الكبابيش يطمعون من قديم في الاستيلاء على مديرية دنقلة الغنية، فلم تكن ثورة الكبابيش في رأي كثيرين لإسقاط الخليفة عبد الله بقدر ما كانت لأخذ دنقلة لأنفسهم. واتصل الشيخ صالح بالحكومة المصرية التي أرسلت إليه قافلة محملة بالبنادق والذخيرة، كان يصحبها التاجر الألماني المغامر «كارل نوفل» (Carl Neufeld) الذي طمع في إنشاء تجارة واسعة في الصمغ مع كردفان إلى جانب التجسس على حركات المهديين لحساب السلطات المصرية، فقطع «محمد حمزة» أحد رجال عبد الرحمن النجومي الطريق على القافلة وقاتلها، وقتل رجالها واستولى على ما كانت تحمله من أسلحة وأموال (16 أبريل 1887م)، وأرسل «كارل نوفل» أسيرًا إلى أم درمان، فبقي في أسر الخليفة حتى صار استرجاع السودان في واقعة أم درمان بعد ذلك بنحو اثنتي عشرة سنة. وأما الشيخ صالح فقد بعث الخليفة وراءه بقوة من أم درمان لمطاردته، فلقي حتفه، وانتقم الخليفة من قبيلة الكبابيش بالعمل على إبادتها وإفنائها بعد ذلك.
ولقيت قبيلة أخرى هذا المصير نفسه، هي قبيلة رفاعة الهُوي (ويعنون بالهُوي شبه جزيرة سنار)، أو جهينة الغرب تمييزًا لهم عن رفاعة الشرق أو جهينة الشرق؛ فقد كان رئيسها المَرْضي أبو روف شيخ بني حسان يسلك مسلك الزعيم الإقطاعي الذي وإن كان المهدي قد أمَّره على جيش كبير لحصار سنار في أواسط 1884م فقد ظل يحتقر الخليفة عبد الله، ولم يلبث أن شق عليه عصا الطاعة بعد أن كان بايعه بالخلافة، ورفض القدوم إلى أم درمان، فأرسل الخليفة حملة ضده، فانهزمت قبيلة المَرْضي الذي قُتِل «في أكتوبر 1887م» وأُرسل رأسه إلى أم درمان.
وفي ديسمبر 1887م أوقع جيش الخليفة بقيادة عثمان آدم الهزيمة بالأمير يوسف الذي طمع في استرداد ملك آبائه وأجداده في دارفور منذ أن تركه عليها محمد خالد زقل، ورفض القدوم إلى أم درمان. فأخذ عثمان آدم الفاشر في يناير 1888م وطارد رجاله الأمير يوسف، وقتلوه، وأرسل عثمان آدم رأسه إلى أم درمان.
وفي نوفمبر 1888م لقي نفس المصير، قبيلة البطاحين، «وباديتهم شرقي النيل الأزرق بين رفاعة والحلفاية»، وكان قد فر جماعة منهم من جيش النجومي بسبب مجاعة سنة 1306ﻫ/1888-1889م، ورجعوا إلى باديتهم يقطعون الطريق ويسلبون وينهبون، فأرسل الخليفة ضدهم جيشًا قويًّا هزمهم شر هزيمة، فلقي أكثر كبارهم حتفهم وأُسر الباقون، وفيهم 67 رجلًا، قتلهم الخليفة في أم درمان.
ثم لم تلبث أن قامت الاضطرابات في دارفور من جديد، بسبب حركة «أبي جميزة» — التي أشرنا إليه سابقًا؛ وهو الذي ذكرنا أنه ادعى احتلال كرسي الخليفة الثالث عثمان، وأنه قام ليفتح طريق الحج إلى مكة، وأن الناس التفوا حوله من جهات الغرب. ولقد كتب أبو جميزة إلى الخليفة عبد الله يُعلمه بظهوره. وتطايرت الشائعات عن زحف الفقيه إلى الأبيض والخرطوم وانتصاره على جيوش الخليفة الذي أخذ يتهيأ للهرب إلى بربر، أو إلى الجنوب، ولكن الذي حصل أن أبا جميزة هزم جيشين أرسلهما عثمان آدم الواحد بعد الآخر لقتاله في أكتوبر 1888م. ولقد كان في وسع «أبي جميزة» أن ينال الفاشر لو أنه زحف عليها فورًا بعد انتصاره، ولكنه لم يبدأ زحفه عليها إلا في فبراير 1889م. وعندئذٍ كانت الإمدادات قد وصلت من أم درمان إلى عثمان آدم. وقد ذكرنا كيف أن أبا جميزة مات بالجدري، وأن أخاه «ساغة» قتل بالقرب من الفاشر في الواقعة التي عُرفت «بواقعة ساغة»، حيث انتصر عليه عثمان آدم في 22 فبراير 1889م. وأرسل عثمان آدم رأس «ساغة» إلى الخليفة في أم درمان. وحاول عثمان آدم الاقتصاص من القبائل التي ناصرت أبا جميزة، فخرج بجيشه من الفاشر قاصدًا إلى الغرب، ولكن لم يلبث أن أُصيب بمرض، فرجع إلى الفاشر حيث تُوفي بها في سبتمبر 1890م. وأرسل الخليفة بدله «محمد أحمد» على عمالة كردفان ودارفور وشكا — التي كان أسماه الخليفة عليها. وقد استمر «محمود أحمد» يغزو القبائل المناوئة، أو يُخمد حركات العصيان في دارفور وجبال النوبا وبحر الغزال ودار قمر ودار تامة — وكان ظهر في دار تامة فقيه جديد، من قرية أبي جميزة، يدَّعي المهدية، فهزمه محمود أحمد وقتله في مارس 1885م، وكذلك أوقع بشخص آخر من دار تامة كذلك ادَّعى هذه المرة أنه النبي عيسى (أكتوبر 1895م). وقد بقي محمود أحمد في عمالته حتى استدعاه الخليفة من الفاشر، فوصل أم درمان بجيشه (في مايو 1897م)؛ للاشتراك في عملية وقف زحف حملة استرجاع السودان.
وهكذا كان الخليفة في بداية 1889م قد استطاع أن يوطد سلطانه الداخلي في السودان نتيجة لهذه الإجراءات الصارمة والعنيفة التي حطم بها نفوذ الأشراف، وقضى على قبائل الكبابيش ورفاعة الهُوي والبطاحين، وفي دارفور على الأمير يوسف وأبي جميزة والذين ادَّعوا المهدية في دار تامة. وهذا إلى أنه نحَّى وأقصى قواد الجيوش والحكام الذين من أسرة المهدي أو أتباعه؛ ملأ المناصب بأقربائه ورجاله الذين يثق هو في ولائهم وطاعتهم له. ولذلك فقد كان يبدو من هذه الناحية أن الخليفة عبد الله حقق الغرض الأول من حكومته، وهو التمتع بالسيطرة المطلقة في البلاد والاحتفاظ بهذه السيطرة زمنًا طويلًا.
ولكن هذه الأساليب القاسية والصارمة ذاتها في الانتقام من أعدائه والقضاء على مزاحميه وخصومه من جهة، ثم اعتماد عبد الله على أهل الغرب «البقارة-التعايشة» الذين سوَّدهم على أهل النيل من جهة ثانية؛ لم يلبث أن أثار العداء الدفين بين أهل النيل وأهل الغرب، وجمع كلمة المتذمرين من حكومته والمعارضين لها الذين التفوا الآن حول الخليفة محمد الشريف وأقرباء وأتباع المهدي «الأشراف»؛ ليتآمروا على حكومة التعايشي، وعلى خلع الخليفة في نوفمبر 1891م. واستقدم المتآمرون أتباعهم سرًّا إلى أم درمان؛ للقيام بثورة فجائية يقضون فيها على شخص الخليفة، ويقلبون النظام القائم، ويتخذون من استنادهم على اسم المهدي مبررًا لفعل ذلك.
ولكن الخليفة — الذي استخدم نظامًا للمخابرات ناجحًا دائمًا — لم يلبث أن علم بالمؤامرة في الوقت المناسب؛ فوقعت مناوشات بين الفريقين وسط البلدة «أم درمان»، وتوسط الخليفة علي ود حلو لإعادة السلام، وقبِل «الأشراف» وأنصارهم الصلح مع الخليفة على أساس أن يسترجع الخليفة محمد الشريف المركز اللائق به مع تعيينه في مجلس الخليفة عبد الله، وأن يخصص هذا له ولأقرباء المهدي رواتب تكفيهم، وأن يسلم «الأشراف» في نظير ذلك سلاحهم إلى الخليفة، وأن يطيعوه طاعة عمياء (25 نوفمبر 1891م). وكان في أثناء هذه الاضطرابات أن تمكن الأب «أوهر والدر» من الفرار من أم درمان.
ولكن هذا الصلح لم يثنِ الخليفة عن الانتقام من رؤساء الفتنة. فلم يمضِ عشرون يومًا على تأمينه للأشراف حتى قبض على جماعة منهم، وأرسلهم إلى عامله الزاكي طمل في فاشودة فقتلهم؛ ثم إنه سجن الخليفة محمد الشريف (مارس 1892م)، وحدَّد إقامة أبناء المهدي البالغين، وحبس عددًا كبيرًا من الدناقلة المتهمين في الفتنة، ونفى عددًا من التعايشة (قبيلته) كانوا أرادوا انتهاز فرصة الفتنة، فتآمروا على قتله أخذًا بثأر أحدهم، فقبض الخليفة عليهم، وأرسلهم إلى الرجاف (يوليو 1892م). وأرسل إلى الرجاف كذلك عددًا من الجعليين، الذين كانوا اتفقوا على الاشتراك في الفتنة مع الأشراف، ولكن هؤلاء وشَوْا بهم إلى الخليفة. وفي الشهر التالي (أغسطس 1892م) قبض الخليفة على زعيمين كانا آخر من بقي من رؤساء الأشراف، فأرسلهما مكبَّلين إلى الزاكي طمل في فاشودة فقتلهما. ولم يكن باقيًا من الأشراف المعروفين بعد هذه الحوادث غير اثنين: محمد عثمان أبي قرجة، وكان وقت فتنة الأشراف عاملًا على كسلا، فاستدعاه الخليفة ووَلَّى مكانه «مساعد قيدوم»، وأرسله إلى خط الاستواء بدعوى توليته عمالتها. فلما وصل إلى الرجاف قبض عليه أميرها وسجنه كطلب الخليفة؛ أما الثاني فكان محمد خالد زقل، وقد نفاه الخليفة إلى الرجاف (1893م).
ويقول «ثيوبولد» (A. B. Theobold) في كتابه عن المهدية تعليقًا على حادث غدر الخليفة بالأشراف، الذي سبقه الظاهر بالصلح إنه من أسوأ ما وقع من حوادث في عهد الخليفة عبد الله، ثم يقول: «لقد كان الخليفة — كما هي عادته دائمًا في كل ما يمس مركزه هو نفسه — لا يعرف الشفقة ولا الرحمة.»
•••
بعد تصفية فتنة الأشراف، أمكن أن يتمتع الخليفة بتلك السيطرة المطلقة في الحكم، التي أرادها. فلم يحدث في السنوات الأربع التالية (1892–1896م) (أي حتى الوقت الذي بدأت فيه العمليات العسكرية لاسترجاع دنقلة ثم السودان بأكمله) لم يحدث أن تعرضت حكومته لأية أخطار داخلية من منافس أو مزاحم للخليفة على السلطة. ومع أن الخليفة في هذه السنوات التالية لم يلجأ كذلك إلى المذابح ووسائل الإبادة الأخرى التي قضى بها على البطاحين أو الكبابيش أو غيرهم، وبالرغم من أنه صار يميل إلى الاستفادة من واقع أن السيطرة المطلقة في الحكم قد صارت خالصة له، كي يتمتع بعهد من الاطمئنان والسلام الداخلي، الأمر الذي جعله — كما يرى «دوجاريك» — يجنح إلى محاولة السير في سياسته الخارجية على طريق التفاهم مع سلاطين الغرب من جهة، ويسعى لإزالة كل أسباب العداء بينه وبين الأحباش فحسب، بل وليعقد معاهدة تحالف معهم؛ فإنه بالرغم من هذا التبدُّل في سياسته الداخلية والخارجية بعد عام 1892م، بقيت أساليبه تتصف بالعنف والبطش، فكان من الذين غضب الخليفة عليهم القاضي أحمد علي الذي سجنه ومنع عنه الطعام حتى مات في يونيو 1894م، ثم القاضي حسين الزهرة الذي مات نفس الميتة في العام التالي؛ وكان قبل ذلك غضب على الزاكي طمل، الذي مات في سجن أم درمان (في سبتمبر 1893م).
•••
ذلك إذن كان مبلغ ما وصل إليه الخليفة عبد الله في فرض تسلطه وطغيانه على أهل السودان؛ ليصل إلى السيطرة المطلقة التي أراد بها تقوية مسند «الخليفية» بالصورة التي تمكنه من محاولة أن يجعل هذه الخليفية وراثية في بيته. ولقد أشرنا سابقًا إلى أنه مثلما دارت سياسة التعايشي الداخلية حول إنشاء هذا الملك الوراثي، فقد دارت سياسته الخارجية كذلك حول نفس هذا الغرض، ولكن على خلاف ما وصل إليه من سياسته الداخلية، ترتب على سياسة الخليفة الخارجية أن أُثيرت طائفة من المشكلات التي عجز عن إيجاد حل لها، والتي هدمت في النهاية صرح الدولة المنتظرة والتي أراد إقامتها. وأما سبب هذا الفشل في سياسة الخليفة الخارجية، فهو اعتقاده أن كسب المعارك والحروب يزيد من سمعة ونفوذ «الخليفية» وهيبتها في الداخل والخارج معًا، فيقوى مسندها، وتكفل هذه التقوية بقاءها. وكان هذا الاعتقاد وهو الذي حفز الخليفة على الدخول في مغامرات الحروب على حدوده الشمالية مع مصر وعلى حدود الشرقية مع الحبشة، دون أن يحسن تقدير القوة التي عليها خصومه، أو يزن الآثار التي قد تترتب على هزيمته إذا قُدر له أن ينهزم في هذه الحروب، ومبلغ الأذى الذي تلحقه الهزيمة بمشروعاته في الملك الوراثي.
بدأ الخليفة بأن صار يصل الحرب التي بدأت أيام المهدي في السودان الشرقي وفي سنار، وقد شاهدنا عند الكلام في موضوع «إخلاء بقية السودان» كيف سلمت حامية كسلا في 29-30 يوليو 1885م؛ وقد حضر عثمان دقنة إليها، وأخذ البيعة للخليفة عبد الله، ثم اشتبك عثمان دقنة في مناوشات مع الأحباش في الحدود، فجاء «الراس الولا أو الوله» (Ras Alula) إلى «كوفيت» في 23 سبتمبر 1885م، وتمكن من هزيمة عثمان دقنة الذي انسحب إلى كسلا. وأما في سنار فقد ذكرنا أن حاميتها سلمت للدراويش في 19 أغسطس 1885م.
واستمرت المناوشات الحدودية مع الأحباش، وتسبب عن استمرارها تكدير العلاقات بين يوحنا «يوحناس» ملك الحبشة والخليفة عبد الله الذي لم يظهر من جانبه أنه يريد وقف العداء مع الحبشة، فشَنَّ الأحباش هجومًا كبيرًا على القلابات، وأوقعوا بعاملها «محمود ود أرباب» هزيمة كبيرة في أوائل يناير 1887م، وأحرق الأحباش القلابات، وقُتِل في المعركة «محمود ود أرباب». وعندئذٍ سمى الخليفة لعمالتها واحدًا من أخص أقاربه هو «يونس الدكيم»، وأرسله إليها في مارس 1887م بجيش عظيم؛ لأن القلابات — كما صار الخليفة يقول: «ثغر حصين في حدود الحبشة، وحفظ السودان يقضي بحفظه مسدودًا.» ومن ذلك الحين بدأت الحرب التي لم يكن هناك ما يدعو لقيامها إلا أن كلا الرجلين — يوحناس وعبد الله — كانا يتصفان بالغرور والكبرياء وحب المغامرة وإثارة الحروب.
وكان الأحباش أول من بدأ هذه الحرب بهجومهم الذي ذكرناه على القلابات، وكتب الخليفة إلى الملك يوحنا في مارس 1887م يحمله مسئولية الحرب التي نشبت بسبب اعتداء يوحنا المتكرر «بالقتل والأسر والنهب والضر … على ضعفاء المسلمين الذين بالقرب من بلده، ولأنه صار يأوي إليه كل من يرتد عن دينه من المسلمين». ويفسر كذلك إرساله الجيوش لمقاتلته (أي مقاتلة يوحنا) بما لثغر القلابات من أهمية استراتيجية، فيقول: «ولما لم يكن تركها سدًّا على ذلك الحال، وتعيَّن الالتفات إلى صدك عن هذا المجال، عيَّنَّا الجيوش الكافية من الأنصار أهل النجدة والحماية إلى الإقامة بالثغر الموالي لجهتك صدًّا لما يتوقع منك.» واشترط الخليفة مطالب معينة لوقف الحرب مع الأحباش؛ هي: رد الأسرى في الواقعة الماضية، وإعادة المنشقين والمرتدين، الذين ذكر الخليفة أسماءهم، والكف «عن التعدي على بلاد الإسلام من الآن فصاعدًا»، وأن يلزم حدوده «ولا يمد لغيرها يدًا». ثم دعاه الخليفة — أي دعا يوحناس — إلى اعتناق الإسلام، «والدخول في صحبة المهدي». وأما إذا لم يفعل يوحناس شيئًا من ذلك فقد توعَّده الخليفة بمناجزته الحرب.
وعندما لم يُجب «يوحنا» على هذا الكتاب، استدعى الخليفة من الغرب أحسن قواده «حمدان أبو عنجة»، وأرسله إلى القلابات بجيش عظيم في أكتوبر 1887م، بينما أخذ «يونس الدكيم» العامل على القلابات يرسل بعوث الغزو للإغارة على أرض الحبشة في جهة القلابات، يغزو ويغنم ويسبي ويحرق الحلال ويخرب الكنائس. وبلغ «أبو عنجة» القلابات في ديسمبر 1887م. ولما كانت القيادة العامة في القلابات من نصيب «أبي عنجة»، فقد ثقل الأمر على يونس الدكيم، وهو من أقرباء الخليفة، فبادر هذا باستدعائه إلى أم درمان. وفي يناير 1888م خرج «أبو عنجة» لغزو الحبشة. وكان الخليفة عبد الله بعث بكتاب آخر إلى «يوحناس» في معنى كتابه الأول؛ ولكن دون نتيجة.
وأما أبو عنجة فقد زحف بجيشه متوغلًا في أرض الحبشة، واتخذ الأحباش خطة الانسحاب؛ حتى يبعدوا الدراويش من قواعدهم، فيسهل حينئذٍ هزيمتهم، وأخلى الأحباش القرى التي في طريق الجيش الزاحف. ولكن المؤن التي صادفها الدراويش بالرغم من ذلك كانت وفيرة. وعلى مسافة ثلاثين ميلًا شمال غندار «قُندَر» انهزم الأحباش هزيمة كبيرة، وزحف أبو عنجة على «غندار» في 21 يناير 1889م فسلبها ثم أحرقها، وعاد بالأسلاب إلى القلابات. ثم إن أبا عنجة لم يلبث أن خرج بعد أربعة شهور من القلابات، في يونيو 1888م لغزو الحبشة ثانية. ولكن في هذه المرة لم يشتبك مع الأحباش في أية معارك، واكتفى أبو عنجة وقواده — وكان من هؤلاء في المرتين الزاكي طمل — بأعمال النهب والسلب والتنكيل والقتل والتخريب. وكانت العودة من هذه الغزوة إلى القلابات في أغسطس 1888م.
هذه الحرب أنهكت قوى الأحباش والمهديين معًا. وفي 25 ديسمبر 1888م كتب يوحنا «ملك صهيون، ملك ملوك الحبشة — إلى المعظَّم دجاج أبي عنجة»، يعرض الصلح على أساس التزام كل فريق بعدم الاعتداء على حدود الآخر، ويعرض عقد معاهدة مع الدراويش، الغرض منها الاتفاق والتشاور — كما قال يوحنا — «ضد أولئك الذين يحضرون من بلاد الإفرنج والترك وغيرهم الذين يريدون أن يحكموا بلادكم وبلادنا مزعجين لكم ولنا. أولئك أعداؤكم وأعداؤنا نحاربهم ونهينهم ونحرس بلادنا وممالكنا منهم.» وأرسل يوحنا وفدًا إلى أم درمان ليعرض الصلح على الخليفة. وكان من أسباب رغبة يوحنا في الصلح — إلى جانب أن قواه أنهكتها حروبه مع المهديين — أن الطليان منذ احتلالهم مصوع في 5 فبراير 1858م اشتبكوا في حروب مستمرة مع الأحباش، سوف نذكرها في موضعها؛ حتى صار يوحنا يخشى منهم على بلاده، وأراد أن يعقد صلحًا مع الدراويش حتى يتفرغ للطليان، وهم الأعداء الذين قال عنهم في رسالته إلى أبي عنجة «إنهم يحضرون من بلاد الإفرنج.» وفي رأي بعض المؤرخين أن يوحنا كان يقصد من إرسال وفده إلى أم درمان بعروض الصلح التجسس على البلاد وعلى قوات الخليفة. وسواء أكانت رغبة يوحنا الحقيقية الصلح — وهو الأرجح — أم أنه يبغي فقط التجسس على الخليفة؛ فقد ضاعت فرصة السلام على كل حال؛ لأن الخليفة رفض عروض الصلح، وطلب من يوحنا إذا شاء الصلح أن يعتنق الإسلام؛ ولأن «أبي عنجة» اعتبر كتاب يوحنا له إهانة عظيمة؛ لأنه ناداه في صدر الجواب — كما كتب أبو عنجة إلى يوحنا في يناير 1889م جوابًا على رسالته بقوله «دجاج أبو عنجة»: «فاعلم أني لست بدجاج وإنما أنت الدجاج لكفرك …» وهكذا استعد الفريقان لمعركة حاسمة، ولكن لم يلبث أبو عنجة أن مرض ومات في 29 يناير 1889م، فتسلَّم القيادة الزاكي طمل، وهو الذي أوقع بالأحباش هزيمة بالغة عندما دار القتال في واقعة القلابات في 29 مارس 1889م — وقد أصيب يوحنا في هذه الواقعة بجرح مميت — ثم في واقعة عند العطبرة في 12 مارس؛ وكان في هذه الواقعة أن وقع في قبضة الدراويش جثمان يوحنا فحز الزاكي طمل رأسه، وبعث به إلى أم درمان.
أنهت المعركة الأخيرة (معركة القلابات) حرب الحبشة. ويعين هذا الانتصار في مارس 1889م أوج السلطان الذي بلغه عبد الله التعايشي، حيث امتدت حكومته في أقطار السودان، فلم يعد خارجًا عن نفوذه غير أقاليم خط الاستواء، التي لم يخرج منها أمين باشا إلا في أواسط هذا العام، وغير سواكن التي بقيت في حوزة البريطانيين، وهذا بينما كان الخليفة قد استطاع توطيد سلطانه الداخلي على نحو ما شاهدنا في بداية هذا العام، ولم يعد هناك أي احتمال لأن تنجح إذا قامت ضده أية ثورة أو حركة عصيان.
ولكن هذا النجاح الظاهري كان يحمل في طياته بذور الضعف والانحلال. فالخليفة عبد الله قد دفع في مقابل إنشاء حكومته المتسيطرة علينا ثمنًا باهظًا في صورة دماء مسفوكة، وتخريب، وتعطيل للزراعة والتجارة، ومجاعات، وطغيان، وتذمر وسخط، وانقسام بين أهل النيل وأهل الغرب. ولقد رأينا كيف صار الأشراف يتربصون به الدوائر، حتى قضى عليهم في «فتنة الأشراف» المعروفة. والخليفة قد دفع كذلك ثمنًا باهظًا في مقابل تأمين حدوده من ناحية الحبشة؛ حروب انتهت بانتصارات، ولكن هذه كانت انتصارات وقتية كبدته خسائر فادحة؛ مات في أثنائها أبو عنجة أقدر قواده، وانعدم كل أمل في إمكان أن يتعاهد المهديون أو يتحالفوا مع الأحباش لدرء الأخطار التي سوف تتهدد الخليفة بعد ذلك. أضف إلى هذا كله أن انتهاء حرب الحبشة بهذا النصر في واقعة القلابات، جعل الخليفة يصمم على غزو مصر؛ ذلك الغزو الذي طالما عقد النية عليه، ووجد نفسه مرغمًا على إرجائه بسبب مشاكله الكثيرة. وسنحت له الفرصة الآن للقيام بمغامرته الكبرى، وهي المغامرة التي اقتضته في النهاية ثمنًا باهظًا؛ خسارة ذلك المُلك الذي ظل ثلاث عشرة سنة يعمل لتأسيسه في السودان.
•••
وكانت وادي حلفا آخر المراكز في الحدود المصرية، بعد أن قررت سلطات الاحتلال في مصر بعد واقعة جنس (30 / 12 / 1885م) الانسحاب من بطن الحجر توفيرًا للمتاعب وللنفقات. ومنذ مايو 1886م خرج الإنجليز من حلفا وتركوا بها حامية مصرية، بينما أبقوا قوةً منهم (الإنجليز) في أسوان لمؤازرة الحامية المصرية عند الضرورة. وعلى مسافة ثلاثين ميلًا جنوب حلفا امتدت منطقة تفصل بين آخر مراكز الحدود المصرية وبين «سرس» التي هي أول مراكز المهديين في الشمال. وهذه المنطقة استمرت مسرحًا لمناوشات حدودية متعددة؛ كما كانت تروج دائمًا الشائعات بأن جيشًا من الدراويش يحتشد عند «سرس» لغزو مصر.
وحاولت سلطات الاحتلال في مصر الوصول إلى تسوية لمشكلة الحدود الجنوبية بطريق المفاوضة مع المهدية. وكان في وسع الخليفة عبد الله تأمين حدوده من ناحية مصر دون حاجة إلى الدخول في حرب معها، لو أنه قبل المفاوضة، فقد أبرمت الحكومة البريطانية مع الباب العالي اتفاقًا في القسطنطينية في 24 أكتوبر 1885م لمعالجة المسألة المصرية، كان أساسًا لمهمة ترتيب مسألة الجلاء عن مصر في ظروف سيأتي ذكرها «بعثة درمونذ وولف». وكان في هذا الاتفاق أن تم تحديد الموضوعات التي وافق الطرفان — بريطانيا والباب العالي — على بحثها. كما نص على أن ترسل كلٌّ من الحكومتين مندوبًا (أو قومسييرًا) إلى مصر ليتشاور المندوب العثماني «أحمد مختار باشا الغازي» مع الخديوي «في أفضل الوسائل لتهدئة السودان بالطرق السلمية». وبناء على هذه الرغبة إذن في تهدئة السودان بالوسائل السلمية أوفدت حكومة القاهرة إلى وادي حلفا يوسف باشا شهدي لمحاولة المفاوضة مع الدراويش (مايو 1886م)، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، وبقي الخليفة عبد الله مصممًا على غزو مصر.
وفي أكتوبر 1886م خرج عبد الرحمن النجومي من بربر قاصدًا إلى دنقلة في طريقه إلى حدود مصر، فوصل إلى دنقلة في نوفمبر، وأرسل مقدمة جيشه إلى «سرس». ووقعت بين الدراويش بقيادة النور الكنزي وبين حامية حلفا معركة في 28 أبريل 1887م انهزم فيها النور الكنزي الذي قُتل. ولكن النجومي بادر بإرسال جيش قوي لاحتلال «سرس» في يونيو، وحضر النجومي إلى «سرس» ببقية جيشه في 16 ديسمبر 1887م. ومن هذا الحين بدأ الدراويش يشنون عددًا من الغارات «الغزوات» على نقاط الاستحكامات المصرية حول حلفا، وبقيت «سرس» دائمًا قاعدة لأعمالهم العسكرية. حتى إذا تقرر نهائيًّا غزو مصر — بعد انتهاء حرب الحبشة — خرج النجومي من دنقلة في 3 مايو 1889م وكان قد ذهب إلى أم درمان لتلقي أوامر الغزو، فوصل «سرس» في 22 يونيو، وزحف بالجيش جميعه على معتوقة، فوصلها في 28 يونيو. وعند «أرجين» شمال وادي حلفا انهزم النجومي في 2 يوليو، ولكنه استطاع الانسحاب ومواصلة الزحف إلى «بلاجة» أو «البلينة» (Belanga) على مسافة 25 ميلًا من «أرجين»، واستمرت زوارق المدفعية تتعقبه في النهر، فوصل إلى «بلاجة» في 10 يوليو، فوقف عندها في انتظار النجدات التي علم أنها في طريقها إليه من الجنوب.
وفي 15 يوليو 1889م وصل «السير فرنسيس غرنفيل» (Sir Francis W. Grenfell) سردار الجيش المصري إلى بلاجة (البلينة) ليشرف على العمليات بنفسه. واتضح بعد عمل استكشاف لمعسكر الدراويش أن كثيرين من عسكرهم يفرون يوميًّا إلى الجيش المصري، وأن قوات النجومي صارت في يأس شديد ولا مؤن لديها، حتى إن العسكر يأكلون جمالهم وخيولهم وحميرهم؛ ويعيش غير المحاربين على نوى البلح المسحوق. ولذلك بعث السردار غرنفيل باشا بكتاب إلى النجومي في 16 يوليو يدعوه إلى التسليم، ويعده بالأمان، ويحذره من الهلاك، ويتوعده إذا هو أصر على القتال. فقرأ النجومي هذا الكتاب على قواده، وأجاب السردار في 17 يوليو بأنه لا يريد إلا الاستيلاء على مصر بأكملها، ويطلب منه التسليم وأن يعتنق الإسلام، ويذكِّره بمصير هيكس وغوردون الذي سوف يكون مصير السردار كذلك إذا لم يفعل.
ووصلت النجدات إلى النجومي في 25 يوليو، فبدأ الزحف إلى الشمال ثانية في 28 يوليو بعد أن توقف في «البلينة» ثمانية عشر يومًا. وسار الجيش في سرعة أكثر مما فعل في زحفه الأول بالرغم من نفاد المؤن والأغذية التي لديه، فوصل الدراويش بعد ثلاثة أيام إلى نقطة تقع على مسافة أربعة أميال جنوب قرية طوشكى.
ووصل جرانفيل إلى طوشكى في 31 يوليو لتولي قيادة المعركة المنتظرة، واجتمع لديه في طوشكى حوالي 3685 مقاتلًا من المصريين والسودانيين والإنجليز مع 80 مدافعًا، وطائفة من القواد الإنجليز منهم اللواء كتشنر باشا؛ بينما كان القائم مقام ونجت بك (Wingate) من هيئة أركان الحرب. وفي 3 أغسطس وقعت معركة طوشكى، وهي من المعارك الحاسمة، استمرت خمس ساعات فقط، وانهزم فيها الدراويش هزيمة ساحقة، فخسروا 1200 قتيل و4000 أسير. كان من بين القتلى الأمير عبد الرحمن النجومي نفسه وطفل له «سنه خمس سنوات» وُجد ميتًا معه، بينما وُجد طفل ثانٍ له على قيد الحياة، أُسر ودخل في خدمة الجيش المصري فيما بعد «هو عبد الله النجومي».
بعد هذه الهزيمة صار احتلال «سرس» من جديد في 11 أغسطس 1889م، وأمكن ترميم الخط الحديدي بينها وبين حلفا. وأما الدراويش فقد تقهقروا إلى الجنوب، فاتخذوا مراكزهم في «سواردة» على مسافة 130 ميلًا جنوب وادي حلفا، و100 ميل من «سرس»، وبقوا في «سواردة» حتى أُجلوا منها في سنة 1896م.
وبهذه المعركة تكون قد تحطمت نهائيًّا آمال الخليفة عبد الله وتبددت أحلامه في فتح مصر. ومن ذلك الحين زال الخطر لعدة سنوات تالية عن حدود مصر الجنوبية من ناحية الخليفة التعايشي. ولأول مرة منذ 1885م ساد الهدوء التام منطقة هذه الحدود الجنوبية، وتأيدت الثقة في حسن استعداد الجيش المصري الجديد. وقد علق «كرومر» على آثار هذه المعركة فقال:
لقد أسفر انتصار طوشكى عن نتائج هامة؛ فقد وخز (فقأ) هذا الانتصار فقاعة المهدية! وأبان أن الدراويش قد لا يزالون أقوياء لأغراض الدفاع في صحاريهم النائية وغير المضايفة، ولكنهم لم يعودوا يبعثون على الخوف كمهاجمين أو معتدين. لقد أعطى هذا الانتصار الثقة للجيش والشعب المصري ولأوروبا؛ وأقام الدليل على أن أولئك الذين استندوا إليه ضرورة «تحطيم المهدي» في الخرطوم كانوا مخطئين، وأنهم — مع صواب ما ذهبوا إليه من افتراض غزو الدراويش لمصر — كانوا متغالين من تقدير قوة الدراويش الهجومية أو العدوانية، وأن الحركة المهدية كانت أقل تماسكًا وترابطًا وأقل خطورة مما كان مفروضًا أصلًا أن تكون عليه.
ولم يكن الخليفة أكثر توفيقًا في اشتباكه مع الحامية الموجودة في سواكن. وكانت سواكن المركز الذي قررت سلطات الاحتلال البريطاني الاحتفاظ به في السودان الشرقي. ومع أن خارج أسوار سواكن كان عثمان دقنة صاحب السلطان الكامل، فقد كان ضروريًّا أن يستولي الخليفة عبد الله على ميناء سواكن نفسها لتنمية تجارة الرقيق مع بلاد العرب، ولأن سواكن طالما بقي بها قوات إنجليزية مصرية سوف تبقى دائمًا مركزًا للوثوب منه على حكومة الخليفة وتهديدها.
وعلى ذلك فقد استمرت المناوشات حول سواكن بين دقنة وحامية سواكن. وكان المحافظ الجديد على سواكن وقتئذٍ الكولونيل كتشنر. ففي أوائل نوفمبر 1887م وكان قد احتل عثمان دقنة قرية «هندوب» على مسافة 11 ميلًا إلى الشمال الغربي من سواكن، فقرر «كتشنر» مباغتة دقنة في هجوم مفاجئ على معسكر الدراويش في هندوب (17 يناير 1889م). ولكن هذا الهجوم لم يأتِ بالنتيجة المطلوبة؛ لأن دقنة تمكن من الهرب، ولم تلبث أن جاءته الإمدادات في الشهور التالية من أم درمان، وأخذ يحاصر سواكن ذاتها في سبتمبر، وكان قد تعيَّن مكان «كتشنر» محافظ آخر هو هولد سميث (Holled Smith) منذ 13 سبتمبر 1888م، فطلب الإمدادات التي جاءته من مصر. وحضر كذلك سردار الجيش المصري «جرانفيل» ليتولى بنفسه العمليات العسكرية. وفي 20 ديسمبر 1888م التحم السردار مع عثمان دقنة في واقعة «الجميزة» — والجميزة اسم طابية كانت إلى جانب طابية أخرى هي طابية الشاطئ — لحماية آبار الماء لحامية سواكن. وفي هذه الموقعة انهزم عثمان دقنة. ولكن «جرانفيل» أوقف العمليات العسكرية باعتبار أن المعركة — كما يقول بعض الكتَّاب — كانت دفاعية فقط، وأما عثمان دقنة فقد انتقل إلى طوكر (في فبراير 1889م)، التي تقع في وسط دلتا خور بركة الغنية، والتي يعتمد عليها المهديون في تموين جيوشهم في السودان الشرقي، والتي إذا خرجت من أيديهم اضطروا إلى التخلي عن السودان الشرقي بأجمعه.
ولكن لم يحصل تغيير جوهري خلال العاملين التاليين على الموقف. وبقي الحال على ذلك إلى أن توافرت الأسباب التي جعلت السلطات في سواكن تقرر القيام بعمل حاسم لكسر شوكة عثمان دقنة، وإضعاف نفوذ المهدية في السودان الشرقي.
فقد ترتب على انتشار الدراويش حول سواكن، ووجود طوكر في أيديهم من جهة، والقلابات من جهة ثانية، بعد انتصارهم المعروف على يوحناس في مارس 1889م (أي بقاءهم أصحاب السيطرة في السودان الشرقي) أن صارت السلطات في سواكن تواجه مشكلة خطيرة هي جواز أو عدم جواز استمرار المعاملات التجارية بين سواكن والداخل؛ وذلك لأن أكثر النشاط التجاري كان منصرفًا إلى نقل الأسلحة والذخائر والمؤن إلى القبائل الداخلية. وكان المتوقع أن يحصل عثمان دقنة على هذه الأسلحة والمواد التي يمكن صنع الذخيرة منها. كما أنه كان هناك رأي بأن تسليح القبائل يشجع البدو على إعلان العداء ضد المهدية. ولذلك فقد سلكت السلطات في سواكن لحل هذه المشكلة طريقًا كان تارةً يجيز إطلاق التجارة وتارة أخرى يطلب وقفها، وذلك عندما يبدو أن قوة عثمان دقنة آخذة في الزيادة. وقد بقي الحال على ذلك خلال العامين التاليين. أضف إلى هذا أن الاقتصار على امتلاك سواكن دون مراقبة بقية أجزاء الساحل شجع على نشاط تجارة الرقيق وتصدير الرقيق إلى بلاد العرب. وشكت السلطات البحرية البريطانية من تعذر مراقبة هذه التجارة في البحر الأحمر ما دامت أجزاء الساحل الأخرى بعيدة عن الرقابة. وثمة سبب ثالث هو أن القبائل المحلية كانت متذمرة من الطغيان الذي نشره عثمان دقنة، ولكنها وحدها لا تستطيع مناوأته، وأما إذا لقيت تشجيعًا من الحكومة في سواكن، فمن المحتمل أن تقوم هذه القبائل بالثورة. ومع ذلك فقد نال من سمعة السلطات في سواكن بقاؤها مكتوفة الأيدي، بينما يهزأ عثمان دقنة من دولتين: إنجلترا ومصر، تعجزان عن الحركة وترضيان بقاء قواتهما محصورة في سواكن. وأخيرًا فإنه كان من أثر توسع الإيطاليين في الساحل وفي الداخل بعد استيلائهم على مصوع 1885م، وبعد أن عقدوا مع الأحباش معاهدة «أوتشيالي» (Uccialli) سنة 1889م، وإعلانهم إنشاء مستعمرة إرتريا في العام التالي — في ظروف سوف يأتي ذكرها — نقول إنه كان لهذا كله أثر في أن تزيد مخاوف الحكومة الإنجليزية من التوسع الإيطالي في السودان الشرقي، خصوصًا وأن الطليان ادَّعوا أن معاهدة «أوتشيالي» أدخلت الحبشة بأسرها تحت حمايتهم، وطلبوا الآن الاستيلاء على كسلا ذات الموقع الهام في منتصف الطريق تقريبًا بين الخرطوم ومصوع. وعلى ذلك فقد صار يشكو السفير الإنجليزي في روما اللورد دفرين، في فبراير 1890م، من أن الطليان يحاولون الامتداد إلى النيل الأعلى والسودان. بينما أخذ «السير إفلن بارنج» في القاهرة يحذر حكومته من نفس الخطر، ويبين لها في إلحاح ضرورة احتلال طوكر.
وفي سواكن صار محافظها «هولد-سميث» (Holled Smith) ينادي بضرورة الهجوم على طوكر، وإرغام عثمان دقنة بعد طرده منها على الارتداد والانسحاب إلى العطبرة.
وترددت الحكومة البريطانية في أول الأمر في الموافقة على خطة الهجوم هذه لأسباب أهمها: أن إخلاء السودان كان سياسة الحكومة البريطانية، ولا يعني سماحها بالعمليات العسكرية ضد عبد الرحمن النجومي في حدود مصر الجنوبية أنها غيرت سياستها؛ لأن الحرب ضد النجومي إجراء دفاعي بعكس الهجوم المقترح على عثمان دقنة. أضف إلى هذا أن هذا الهجوم وإن بدأ كعملية في نطاق ضيق أول الأمر، فمن المتوقع لضرورات الحرب التي يتعذر التكهن بها الآن أن يتسع نطاقه في سلسلة من العمليات التي سوف تنقل هذا الهجوم الضيق إلى عملية عسكرية كبيرة؛ ولأن هذه العمليات العسكرية تتطلب نفقات مالية طائلة. في حين أن المالية المصرية لا تزال تمر في دور النقاهة. وهذا إلى جانب أن الجيش المصري الجديد لا يزال في حاجة إلى التدريب. وأخيرًا لأن الرأي العام البريطاني سوف يتعذر إقناعه بقبول هذا التحول المفاجئ وغير المنطقي في سياسة بلاده في هذه المسألة.
ولكن في بداية سنة 1891م عُرف عن عثمان دقنة أنه غادر طوكر ليغزو قبائل «الحباب» الذين خرجوا على طاعته. والحباب قبيلة كبيرة تنتشر من رأس قصَّار إلى مصوع. وذهب دقنة لقتالهم، ومعه أكثر جنده، وتلك فرصة مواتية للهجوم على طوكر. ثم إن هولد سميث محافظ سواكن ظل يشكو من كثرة تهريب الرقيق إلى بلاد العرب، ومن العصابات التي تركها عثمان دقنة في «هندوب» و«تماي» لقطع الطريق، وللتضييق على سواكن. واستأذن هولد سميث في الاستيلاء على هندوب. وعندما أُذن له استولى عليها في هجوم مفاجئ في 27 يناير 1891م، ثم استولى على «تماي» في 2 فبراير.
وقد يكون لنجاح هذا الهجوم المفاجئ على هندوب أثر في إقناع اللورد سولسبري رئيس الوزارة البريطانية ووزير الخارجية معًا، إلى جانب الاعتبارات التي ذكرناها، بالموافقة على مهاجمة طوكر. فأبرق في 7 فبراير 1891م بالموافقة. وفي 19 فبراير 1891م حصل الهجوم بقيادة «هولد-سميث» على جيش عثمان دقنة في طوكر، وانهزم الدراويش هزيمة بالغة.
وكانت معركة طوكر من المعارك الفاصلة؛ فقد سقطت طوكر في أيدي السلطات الحكومية في سواكن، في نفس اليوم الذي سقطت فيه من سبع سنوات مضت في أيدي الدراويش. واضطر عثمان دقنة الآن إلى الارتداد إلى العطبرة، واتخذ مقره في قرية «آدار أمه» (Adar ama) على مسافة 200 ميل إلى الغرب. ومن تاريخ هذه الواقعة تضعضعت قوة عثمان دقنة، ولم يستطع استرجاعها بعد هذه الضربة التي أصابته، وسلمت القبائل، وانفتح طريق التجارة بين سواكن وبربر، وارتاح الرأي العام البريطاني لهذه النتيجة، ولم يحدث شيء مما كانت تخشاه الحكومة البريطانية من حيث اتساع نطاق العمليات العسكرية خصوصًا. وقال «كرومر» في تعليقه على واقعة طوكر: «إنها حققت للسودان الشرقي ما حققته واقعة طوشكى لوادي النيل؛ فهي قد أجْلت الدراويش من هذا الإقليم، وجعلت ممكنًا أن يبدأ الإصلاح، وأن تبذر بذور الحضارة.»
ولقد هدأت الأمور في السودان الشرقي بعد هذه الواقعة مدة السنوات الثلاث التالية، وإلى أن اشتبكت جيوش الخليفة مع عدوٍّ جديد ظهر في هذه المنطقة، هم الطليان الذين لم يكن يتوقع الخليفة أن استيلاءهم على مصوع في فبراير 1885م سيجعلهم بعد سنوات قليلة مصدر الخطر المباشر على حكومته في هذه الناحية، وأن يكون نشاطهم، في حالتَي النجاح والفشل على السواء، من العوامل التي جعلت الحكومة البريطانية في النهاية تقرر استرجاع السودان.
وقصة الخطر الإيطالي في السودان الشرقي إنما هي جزء من قصة اقتسام أملاك مصر القديمة في السودان على يد الدول الأجنبية، والتي عجزت حكومة الخليفة عبد الله عن الدفاع عنها والاحتفاظ بها.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)