

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
مأمورية غوردون في الخرطوم (اختيار غوردون لمأمورية الاخلاء)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 279 ــ 286
2026-04-11
43
بمجرد أن تقرر إخلاء السودان بتشكيل وزارة نوبار في 10 يناير 1884م، اتجه الاهتمام إلى اختيار الرجل الذي يصلح لتنفيذ هذه السياسية؛ أي إجراء الإخلاء بنجاح، ووقع الاختيار على الجنرال غوردون.
ومن أول الأمر وبسبب ما وقع من حوادث بعد ذلك، انتهت بسقوط الخرطوم ومقتل غوردون نفسه، ثار النقاش حول الظروف التي لابست تعيين غوردون لحكمدارية السودان في يناير 1884م، فقد اعتقد كثيرون أن حكومة غلادستون أُرغمت تحت ضغط الرأي العام في إنجلترا على اختيار غوردون لمهمة إخلاء السودان. فلما أخفق غوردون في مهمته اعتبر هؤلاء حكومة غلادستون مسئولة عن الفشل الذي حصل، وعن مقتل غوردون بسبب تقصيرها — كما قالوا — في المبادرة إلى رفع الحصار الذي ضربه الدراويش على الخرطوم، وإنقاذ غوردون من المصير الذي كان حتمًا ينتظره إذا تأخر؛ بسبب تلكؤ الحكومة البريطانية في إرسال النجدات العسكرية إلى السودان، وعزا خصوم الحكومة هذا التقصير إلى أن المستر غلادستون وحكومته لم يكونوا حتى أول الأمر راضين عن اختيار غوردون لهذه المهمة، ولم يكونوا لذلك مطمئنين إلى التوصيات التي يقترحها أو الإجراءات التي يريد اتخاذها لتنفيذ الإخلاء.
أمَّا أن اختيار غوردون لتنفيذ سياسة الإخلاء لم يكن بسبب ضغط الرأي العام الإنجليزي، الذي جعل الوزراء الإنجليز «ينتفضون رعبًا» — على حد تعبير أحد الكتَّاب الإنجليز المعاصرين لهذه الحوادث — خصوصًا بعد حادث هلاك هيكس وجيشه في شيكان، فالدليل على ذلك أن اللورد دفرين كان منذ شهر نوفمبر 1882م اقترح إرسال غوردون لإعادة الأمن والنظام إلى السودان، ولم يعمل بهذا الاقتراح وقتئذٍ؛ لأن سياسة الحكومة البريطانية — كما عرفنا — كانت عدم التدخل؛ ولأن الحكومة المصرية عارضت في استخدام غوردون مرة ثانية، ولكن الموقف لم يلبث أن تغير بعد هزيمة هيكس، فقد سبق أن ذكرنا كيف أبرق اللورد جرانفيل في أول ديسمبر 1883م، يستفسر من السير إفلن بارنج عن موقف الحكومة المصرية من استخدام غوردون إذا رغب هذا في الذهاب إلى مصر «والسودان». ولقد ظلت الحكومة المصرية تعارض في استخدام غوردون على نحو ما أجاب «بارنج» في 2 ديسمبر بدعوى أن الثورة في السودان ذات صبغة دينية، فلا يجوز تعيين مسيحي في منصب القيادة؛ حتى لا تنفض من حول الحكومة المصرية القبائل التي ما زالت موالية لها.
ولكن لم تلبث أن وصلت إلى القاهرة أخبار الهزائم التي حدثت في السودان الشرقي في معارك التيب الأولى (5 نوفمبر) وتماي أو التمينيب الأولى (2 ديسمبر)، وتشديد الحصار على سواكن، فكان من أثر هذه الأخبار أنها جعلت السير إفلن بارنج يتحول بين 9، 10 ديسمبر 1883م عن سياسة عدم التدخل، التي ظل حتى هذا الوقت يشير بها على حكومته ويبذل قصارى جهده في تأييدها إلى سياسة التدخل، فكان هذا التحول مبعث تلك البرقية التي طلب فيها «بارنج» من حكومته في 10 ديسمبر 1883م تعليمات أكثر تحديدًا، تخوِّله أن يفرض على الوزراء المصريين اتباع سياسة معينة بشأن السودان، هي — كما نعرف — سياسة التخلي عن كل الأراضي الواقعة إلى الجنوب من وادي حلفا، والتي ترتب عليها في النهاية استقالة وزارة شريف باشا (7 يناير 1884م).
وعلى ذلك فقد أبرق «جرانفيل» مرة أخرى إلى «بارنج» في 10 يناير 1884م، يسأله إذا كان استخدام غوردون في السودان ممكنًا، وللمرة الثانية أجاب «بارنج» أنه بعد التشاور مع نوبار لا يعتقد أن من الممكن استخدام غوردون أو السير تشارلس ولسون في الوقت الحاضر، ولكن «بارنج» الذي استعان «بقليل من الضغط» على المسئولين في القاهرة استطاع أن يبرق إلى «جرانفيل» في 16 يناير 1884م أن غوردون خير مَن يمكن استخدامه في السودان؛ وجاء هذا «الضغط» الذي استعان به «بارنج» نتيجة لموافقة المستر غلادستون نفسه منذ 14 يناير على اقتراح وزير خارجيته «جرانفيل»، باستخدام شيء من الضغط على بارنج حتى يقبل هذا ذهاب غوردون إلى السودان إذا أبدى غوردون أن في وسعه بفضل نفوذه الشخصي مع القبائل أن يجعل هؤلاء يحرسون حامية وسكان الخرطوم في طريق انسحابهم منها إلى سواكن.
ومع ذلك فليس يعنينا لمعرفة وجه المسئولية في إخفاق غوردون في مأموريته أن يكون المستر غلادستون مِمَّنْ وافقوا على ذهاب غوردون، أو أنه كان يعارض في إرساله، ولكن الذي يعنينا حقًّا هو معرفة ماذا كان فهم غلادستون في هذه المرحلة الأساسية لطبيعة المهمة الموفد فيها غوردون والغرض منها.
فالثابت أن غلادستون عندما وافق على إرسال غوردون إلى السودان كان يفهم عن مهمة هذا الأخير ما يأتي:
أوَّلًا: أنها لوضع تقرير عن الحالة في السودان، وعن الموقف العسكري به.
ثانيًا: أن الحكومة البريطانية غير ملزمة باتباع ما قد ينصح أو يشير به غوردون.
ثالثًا: أن تنفيذ الإخلاء لا يدخل إطلاقًا في مهمته؛ أي إن مهمة غوردون كانت في ذهن غلادستون عندما وافق هذا عليها مهمة «تقريرية» استشارية فقط.
يتضح ذلك من مقابلة وقعت بين لورد ولسلي (Wolesley) «صاحب انتصار التل الكبير»، وبين غوردون في دار وزارة الحربية في لندن في 15 يناير 1884م، أبلغ فيها ولسلي غوردون — ضمن أشياء أخرى — أن الحكومة تفكر في أن تسأله لمعاونتها في إيجاد حل لأزمة السودان، وسأله «ولسلي» إذا كان مستعدًّا للذهاب إلى سواكن لوضع تقرير عن الحالة في السودان؟ ومما تجب ملاحظته هنا أن «ولسلي» لم يُشِرْ في سؤاله هذا إلى أي عمل تنفيذي يعهد به إلى غوردون، بل تكلم فقط عن ذهاب غوردون إلى السودان لوضع تقرير عن الحالة هناك …
وأجاب غوردون أنه مستعد للذهاب إلى السودان ليفحص الموقف هناك، إذا رغبت حكومته في ذلك، ثم أضاف أنه لا يستطيع أن يأخذ على عاتقه إبداء أية توصيات إلَّا بعد أن يرى ويفحص بنفسه حقيقة الحالة في المكان ذاته، فقد يوصي الحكومة بأن تعيِّنه هو نفسه (أي غوردون) حكمدارًا للسودان، أو قد يوصي بالانسحاب الكامل المطلق من هذه البلاد. وعندما سأله «ولسلي» أن يضع كتابة المقترحات التي يراها لتأدية مهمته التقريرية، كان مما كتبه غوردون أن المطلوب منه «الذهاب إلى السودان ووضع تقرير عن الموقف العسكري في السودان، ثم العودة منه، وأن يعمل تحت أوامر «بارنج»، وأن يبعث بواسطته رسائله وتقاريره … وأنه يفهم أن حكومة جلالة الملكة إنما تريد منه فقط أن يضع تقريرًا عن الحالة، وليست بأي شكل كان ملزمة بشيء نحوه.»
على أنه مما يجب ملاحظته: أن هناك تضاربًا بين موافقة غلادستون في اليوم السابق (14 يناير) الخاصَّة باستخدام قليل من الضغط على «بارنج» للاستفادة من تأثير غوردون بنفوذه على القبائل لحراسة الحامية والأهالي المنسحبين من الخرطوم إلى سواكن، وهذه — كما نرى — مهمة «تنفيذية»، وبين ما دار بين ولسلي وغوردون في مقابلة 15 يناير السالفة الذكر، والذي يدل على أن مهمة غوردون سوف تكون «تقريرية» فقط.
أمَّا الذي ثبت في ذهن غلادستون من ذلك كله عن مهمة غوردون، فهو أنها قطعًا كانت مهمة «تقريرية».
وبناءً على التفاهم الذي حدث في المقابلة مع غوردون أبرق «جرانفيل» في مساء 15 يناير 1884م إلى «بارنج» ما يأتي: «بالإشارة إلى مسألة استخدام غوردون في السودان، أعرفكم أني علمت أن هذا الضابط مهيأ للذهاب رأسًا إلى سواكن من غير المرور بالقاهرة، وسيذهب إلى مصر على أساس إدراكه أن الغرض الوحيد من مهمته أن يضع تقريرًا عن الموقف العسكري في السودان ثم يعود بعد ذلك. وعندئذٍ تنتهي واجباته قِبَل حكومة جلالة الملكة. وسوف يأخذ تعليماته منكم ويبعث برسائله وتقاريره بواسطتكم إلى حكومته …»
وكان «جرانفيل» أرسل صورة هذه البرقية إلى غلادستون؛ حتى يراجعها رئيس الحكومة قبل إرسالها، فلم يلحظ أو يشر إلى أن هناك تعارضًا بين صفة أو طبيعة المهمة التي وافق عليها هو في 14 يناير (وهي مهمة تنفيذية)، وبين تلك التي تضمَّنتها هذه البرقية المزمع إرسالها (والتي أرسلت فعلًا إلى بارنج)، بل كتب غلادستون إلى وزير خارجيته «جرانفيل» تعليقًا على هذه البرقية التي أرسلت يوم 16 يناير ما يأتي:
لا أجد عيبًا في برقيتكم بخصوص «غوردون الصيني»، والنقطة الأساسية التي تسترعي انتباهي هي هذه، مع أنه قد يكون لرأيه عن السودان قيمة كبيرة، لكن هل لا يجب علينا أن نتخذ كل الحيطة في أية تعليمات تصدر منا؛ حتى لا يتحول مركز الثقل (أو الجاذبية) فيما يتعلق بالمسئولية السياسية والعسكرية بشأن هذه البلاد (أي السودان)؟ وبالاختصار إذا كان عليه أن يضع تقريرًا فيما يجب عمله، فلا ينبغي أن يكون هو الذي له أن يحكم مَن الذي يجب أن يقوم بهذا العمل، وكذلك لا ينبغي له أن يلزمنا فيما يجب اتخاذه «من إجراءات» بدعوى أن نصيحة قد أُسديت لنا رسميًّا. وسوف يكون من الصعب جدًّا بعد إرساله أن تُقابل مثل هذه النصيحة بالرفض. ولذلك أعتقد أن الواجب إفهامه بوضوح أنه ليس وكيلنا المكلف بإسداء النصيحة لنا في هذه النقطة.
ويتضح من هذا التعليق أن غلادستون صار يفهم الآن أن الاقتراح الذي يقترحه وزير خارجيته «جرانفيل» بخصوص ذهاب غوردون إلى السودان، إنما هو اقتراح بأن مهمة غوردون لن تكون سوى مهمة «تقريرية»، وأن خدماته ليست سوى خدمات استشارية فقط.
وفي 18 يناير 1884م حصل في وزارة الحربية في لندن الاجتماع المشهور الذي كان له نتائج خطيرة على بعثة غوردون في السودان، والذي حضره كل من اللورد جرانفيل وزير الخارجية، واللورد هارتنجتون (Hartington) وزير الحربية، واللورد «ولسلي» الذي رتب الاجتماع، واللورد نورثبروك (Northbrook) وزير البحرية، والسير تشارلس ديلك (Dilke) وزير شئون الحكومات المحلية، وهو الاجتماع الذي كان بسببه أن نشأ ذلك الاختلاف العظيم في فهم طبيعة وحقيقة المهمة التي أُوفد من أجلها غوردون إلى السودان، بين الجنرال غوردون من جانب، وبين المستر غلادستون من جانب آخر.
في هذا الاجتماع سُئل غوردون عمَّا إذا كان مستعدًّا للذهاب إلى السودان «لإخلائه»، كما أنه تأكد لدى غوردون في هذا الاجتماع أن إنشاء حكومة تتولى الإدارة والحكم في السودان بعد إخلائه لا يدخل في نطاق مهمته.
والذي تجدر ملاحظته هنا أن الكلام عن «إخلاء» (Evacuation) السودان كان انتقالًا بالغرض من المهمة المُوفد لها غوردون من «التقارير» عن أحوال السودان، إلى شيء آخر تمامًا هو تدبير إخلاء السودان؛ أي إنه قد استبدلت بمهمته «الاستشارية» الأولى، مهمة «تنفيذية» جديدة.
ويبدو أن السبب الذي جعل جرانفيل وزملاءه يطلبون أن تكون مهمة غوردون إخلاء السودان؛ أنه بلغ الحكومة البريطانية من القاهرة أن الموقف في السودان عظيم الخطورة؛ حتى إنه بات يخشى من تعذُّر انسحاب الحامية والأهالي من الخرطوم. ومنذ 14 يناير أبرقت الحكومة تستفسر من بارنج عن إمكان إخلاء الخرطوم من الجيش والأهالي. ولما كان «بارنج» قد عجز في الوقت نفسه عن إقناع عبد القادر حلمي باشا، وزير الحربية في وزارة الحربية في وزارة نوبار الجديدة بتولي عملية إخلاء السودان؛ لأن عبد القادر طلب عدم إذاعة النبأ (نبأ التخلي عن الخرطوم) على غير ما كان يريد بارنج، فقد صار بارنج يعتقد ألَّا مناص من استخدام ضابط بريطاني للقيام بعملية الإخلاء. ولذلك تضمَّن جوابه في 16 يناير على برقية جرانفيل، إلى جانب تأكيده صعوبة عملية الانسحاب من الخرطوم؛ سؤال حكومته أن تبعث فورًا بضابط بريطاني ليذهب إلى الخرطوم مزودًا بكل السلطات المدنية والعسكرية لإجراء الإخلاء.
تعليمات حكومة المستر غلادستون إلى غرودون:
وفي 18 يناير 1884م صدرت التعليمات «التي وضعها جرانفيل» إلى غوردون: «إن حكومة جلالة الملكة تريد أن تسافروا دون تأخير إلى سواكن (في الأصل واستُبدلت بها في الكتاب الأزرق كلمة مصر) كيما تقدِّم لها تقريرًا عن الحالة العسكرية في السودان، وعن الوسائل التي يلزم اتخاذها لضمان سلامة الحاميات المصرية التي لا تزال في أماكنها هناك، والسكان الأوروبيين في الخرطوم. فعليكم أن تفحصوا وتقرروا أفضل الوسائل الممكن اتخاذها للتمكن من إخلاء السودان؛ وذلك لأجل صيانة الأمن وإدارة موانئ البحر الأحمر التي هي تحت سيادة الحكومة المصرية. وفي الوقت نفسه مطلوب منكم أن تهتموا اهتمامًا خاصًّا بالوسائل الفعالة التي يجب اتخاذها لردع الحركة الثورية وجلاء القوة المصرية بحيث لا ينجم عن ذلك ما يعزز تجارة الرقيق؛ وأن تأخذوا التعليمات اللازمة من وكيل الملكة وقنصلها الجنرال في القاهرة الذي بواسطته ترسلون تقاريركم، وأنتم معتبرون وكيلًا ومفوضًا لإتمام أية مأمورية أخرى تريد الحكومة المصرية إناطتكم بها بواسطة السير إفلن بارنج، ويصحبكم الكولونيل ستيوارت ليشارككم في المأمورية المعهود بها إليكم، وحين وصولكم إلى مصر تتخابرون من السير إفلن بارنج، الذي يقرِّر بالاتفاق معكم إذا كان من الواجب ذهابكم فورًا إلى سواكن، أو التوجه بشخصكم، أو إرسال الكولونيل ستيوارت إلى الخرطوم بطريق النيل.»
ومما يلاحظ على هذه التعليمات:
أوَّلًا: أنها أرادت التوفيق بين ما عرضه «ولسلي» على غوردون في مقابلتهما يوم 15 يناير؛ وهو أن يذهب غوردون لوضع تقرير عن الحالة في السودان، وبين ما طلبه «بارنج» من «جرانفيل» في 16 يناير؛ وهو إرسال ضابط بريطاني لإجراء عملية إخلاء السودان. ولكن التعليمات اقتصرت على أن تطلب من غوردون مجرد التقرير عن الوسائل الفعالة للتمكين من إخلاء السودان؛ أي إن التعليمات لم تعطِ غوردون سلطات تنفيذية، بل ظلت مهمته بمقتضى هذه التعليمات مهمة تقريرية فقط.
ثانيًا: أنها بالنص على أن يعتبر غوردون نفسه مفوضًا لإتمام أية مأمورية أخرى تشاء الحكومة المصرية إناطته بها عن طريق بارنج؛ قد مهدت الطريق لإدخال تعديل سوف يكون جوهريًّا على الغرض الأساسي «التقريري» البحث الذي تحدثت عنه التعليمات في فقراتها الأولى. فمع أن عبارة التفويض لإتمام المأمورية الأخرى هذه تبدو مبهمة وغير واضحة، فلا مجال للشك في أن المقصود منها أن يتولى غوردون أية مهمة عملية «تنفيذية» قد تكلفه بها الحكومة المصرية عن طريق إفلن بارنج. ولا يمكن أن يكون قد فات على «جرانفيل» أو غاب عن ذهنه وهو يضع هذه التعليمات ما طلبه «بارنج» في برقية 16 يناير (أي قبل يومين فقط من اجتماع 18 يناير وإصدار هذه التعليمات) من حيث إرسال ضابط بريطاني مزود بسلطات كاملة مدنية وعسكرية للإشراف على عملية الإخلاء.
أَمَّا لماذا أدرجت التعليمات هذا التكليف التنفيذي في عبارة مبهمة؛ فمردُّه إلى جواب غلادستون السالف الذكر في 16 يناير على البرقية التي أَعَدَّها «جرانفيل» ليرسلها إلى «بارنج» بشأن تهيئة غوردون للذهاب إلى السودان في مهمة تقريرية فقط، فقد سبق أن ذكرنا أن غلادستون في تعليقه على هذه البرقية أصرَّ على أن تكون مهمة غوردون استشارية تقريرية بحتة. ولذلك فقد أراد «جرانفيل» متأثرًا بموقف غلادستون هذا أن يُجنب الحكومة البريطانية تحمل أية مسئولية عن بعثة غوردون إلى السودان.
على أن الذي يعنينا من هذا كله ثلاثة أمور:
(أ) أن غوردون فهم الآن أن مهمته استشارية تنفيذية معًا، وليست استشارية تقريرية فقط على نحو ما فهم أوَّلًا عند مقابلته مع اللورد «ولسلي» في 15 يناير 1884م. ولقد أكدت تعليمات 18 يناير هذا الفهم عنده. ويتضح ذلك من «مذكرة» وضعها غوردون عن مهمته، وهو لا يزال في طريقه في عرض البحر «من دوفر إلى بورسعيد» في 22 يناير، وقبل وصوله إلى بورسعيد بيومين، وهي مذكرة بعث بها إلى حكومته في حينه وجاء فيها:
(1) «أفهم أن حكومة جلالة الملكة قد وصلت إلى قرار لا رجعة فيه (أو لا نقض له) بألَّا تأخذ على عاتقها «أو تتعرض» لذلك الواجب الثقيل؛ واجب إنشاء وإعطاء أهل السودان في المستقبل حكومة عادلة. وأن حكومة جلالة الملكة نتيجة لهذا قد صممت على أن تُرجع إلى هؤلاء الناس استقلالهم، وألَّا تجيز للحكومة المصرية بعد الآن التدخل في شئونهم.»
(2) «ولهذا الغرض قررت حكومة جلالة الملكة إرسالي إلى السودان؛ لأضع ترتيبات إخلاء هذه البلاد، وانسحاب (نقل) الموظفين والجنود المصريين منها بأمان.»
(ب) أن غلادستون عندما وافق على بعثة غوردون كان يعتقد أن مهمته تقريرية استشارية فقط؛ لأن ذلك ما كان قد أوضحه هو نفسه لوزير خارجيته «جرانفيل» في تعليقه الذي ذكرناه على برقية 16 يناير إلى بارنج؛ ولأن التعليمات التي صدرت لغوردون في 18 يناير جعلت مهمته تقريرية استشارية؛ ولأن الجزء الخاص منها «بإتمام أية مأمورية أخرى شاءت الحكومة المصرية إناطته بها» جاء غامضًا، ولا تدل هذه العبارة في ظاهرها على أن تغييرًا محسوسًا قد طرأ على المهمة بسببها؛ ولأن التقرير الذي وصل غلادستون عن الاجتماع الذي حصل مع غوردون في وزارة الحربية يوم 18 يناير لم يذكر شيئًا عن «الإخلاء». وقد وضع هذا التقرير وزير الحربية هارتنجتون؛ بل وضع هذا التقرير بما يدل على أن مهمة غوردون إنما هي استشارية تقريرية فقط. وفي هذا التقرير أرفق هارتنجتون المذكرات (Notes) التي كتبها غوردون بناء على سؤال «ولسلي» له في مقابلة 15 يناير بينهما، وقد سبق ذكر هذه المذكرات، وتدل على أن غوردون أعلن وقتئذٍ إدراكه بأن مهمته استشارية تقريرية.
وقد أبرق غلادستون من «هواردن» (Howarden) مكان إقامته في 19 يناير 1884م إلى لندن بموافقته على إرسال غوردون إلى السودان. ولم تكن هذه الموافقة بناء على أنه اعتمد الوثيقة التي كتبها «جرانفيل» وتضمَّنت التعليمات الصادرة إلى غوردون، ولكنها كانت بناء على تقرير اللورد هارتنجتون عن اجتماع 18 يناير الذي وصله.
(جـ) أن «بارنج» لم يسعه أن يفسر ما جاء في الفقرة المتعلقة بتفويض غوردون تأدية المهمة (المأمورية) التي قد تكلفه بها الحكومة المصرية — من التعليمات الصادرة إلى غوردون — إلَّا أنه استجابةً لما طلبه «بارنج» من حيث إرسال ضابط بريطاني كي يشرف على عملية إخلاء السودان. فسهل عليه إذن من الناحية العملية أن يقرن في ذهنه بين الصفتين الاستشارية والتنفيذية اللتين صارتا لمهمة غوردون.
أمَّا هذا التضارب خصوصًا بين فهم غلادستون لحقيقة مهمة غوردون في السودان، وفهم هذا الأخير لمهمته، فقد كان منشأ الصعوبات التي أدت في النهاية إلى فشل هذه المهمة، ذلك الفشل الذي أسفر عنه مقتل غوردون، وسقوط الخرطوم وضياع السودان.
ولما كان غوردون هو الرجل المناط به تنفيذ التعليمات الصادرة إليه، فقد توقف تصريف الأمور على الصورة التي فهم أو أراد أن يفهم بها تعليمات حكومته. ولذلك فقد وقعت عليه المسئولية أكثر من أي فرد آخر وأكثر من غلادستون نفسه في تقرير ما إذا كان ممكنًا إخلاء الخرطوم وإنقاذ الحاميات المصرية المبعثرة في السودان في الوقت المناسب، أو أن ذلك صار متعذرًا بسبب ضياع الفرصة.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)