لقد أدرك «بارنج» في التوِّ والساعة خطورة موقف غوردون في الخرطوم، عندما انقطع الخط التلغرافي بين القاهرة وهذه الأخيرة. وبعد هزائم الحلفاية والشرق بعث الإيطالي «كوزي» (Giuseppe Cuzzi) — وكان قد عيَّنه غوردون وكيلًا له في بربر — بجملة رسائل إلى «بارنج» في 20، 21، 22، 24 مارس 1884م، يشرح له خطورة الموقف، وكيف أن غوردون وستيوارت وكل الأوروبيين مهددون بأن يعزلهم الثوار من العالم، ويلح عليه في ضرورة اتخاذ عمل سريع. وبادر «بارنج» فأبرق بدوره إلى حكومته يبلغها (في 24 مارس 1884م) أن المسألة صارت منحصرة الآن في «كيف يمكن إخراج الجنرال غوردون والكولونيل ستيوارت من الخرطوم وتخليصهما؟» وكانت من رأي «بارنج» — كما أوضحه لحكومته منذ 16 مارس — أنه إذا أخفقت العمليات العسكرية في السودان الشرقي في فتح الطريق بين سواكن وبربر فإنه لا مَعْدَى حينئذٍ عن مواجهة مسألة إرسال حملة إلى الخرطوم لإنقاذ الجنرال غوردون. وكانت هذه أول إشارة من جانب «بارنج» إلى توقع إرسال حملة عسكرية لإنقاذ غوردون.
ولكن في شهر مارس وفي الشهور القليلة التالية، لم تكن الحكومة البريطانية قد تنورت، أو وصلها من المعلومات عن حقيقة الموقف في الخرطوم ما يكفي لتقرير إرسال حملة عسكرية إلى السودان. وكان غوردون نفسه لدرجة ما مسئولًا عن ذلك؛ فحتى شهر أبريل كان غوردون يتحدث في رسائله إلى «بارنج» عن «طبيعة الثورة التافهة، التي يستطيع إخمادها خمسمائة من الرجال أصحاب العزيمة»، ويؤكد لبارنج أنه والجنود والأهالي المحاصرين في الخرطوم يشعرون أنهم آمنون على أنفسهم اليوم ولشهرين من الزمان كذلك كما لو كانوا يعيشون في القاهرة، وأن كل هذه المسألة لا بد منتهية في مدة لا تزيد على أربعة شهور، بما في ذلك تحطيم المهدي نهائيًّا إذا أرسلت الحكومة البريطانية إلى السودان ثلاثة آلاف من الفرسان، وألفًا من المشاة العثمانيين. وفي 27 أبريل أكد غوردون أن الجميع «بخير وفي قوة وعافية». وفي اليوم التالي (28 أبريل) قال إنه لا يخشى من شيء على الخرطوم بفضل التحصينات التي أنشأها، ويعتقد أنه يستطيع المقاومة والثبات في وجه العدو.
كتب غوردون هذا كله بينما الدراويش (المهديون) يطوقون العاصمة، ويحشدون قواتهم حولها، ويتأهب المهدي وهو في الرهد للزحف على الخرطوم.
لا شك في أن الحكومة البريطانية كانت تجهل حقيقة الحال في السودان. ومن الثابت أن هذه الحكومة لم يبلغها إلَّا في أواخر أغسطس 1884م من الأنباء ما يجعلها تتوقع أن تسقط الخرطوم حتمًا بعد تجويعها، وهذا في مدة أقصاها حوالي منتصف شهر نوفمبر من السنة نفسها.
وفي أثناء هذا كله استطاع «فرانك باور» مراسل التيمس، والذي تعيَّن منذ ديسمبر 1883م قنصلًا إنجليزيًّا في الخرطوم؛ أن يبعث برسالة عن طريق كسلا، ومصوع، وسواكن في 28 أبريل 1884م، يقول فيها إن غوردون مشتغل بوضع الألغام أمام الاستحكامات في كل مكان. وكان لهذه الرسالة إلى جانب رسالة غوردون التي بعث بها في اليوم نفسه (28 أبريل)، والتي يقول فيها إنه لا يخشى من شيء على الخرطوم بفضل التحصينات التي أنشأها؛ أكبر الأثر في إزالة أية شكوك لدى الحكومة في لندن، في أن غوردون قد دخل في عمليات عسكرية في السودان.
إن وضع الألغام وتقوية الاستحكامات وما إلى ذلك من الإجراءات المشابهة؛ كان كله ضروريًّا للدفاع عن العاصمة التي يطوقها الثوار؛ أي إن هذه العمليات العسكرية كانت إجراء للدفاع فقط. ولكن الحكومة، وخصوصًا رئيسها المستر غلادستون، لم تكن تعتقد أن الموقف في السودان بلغ من الخطورة الدرجة التي تبرر الالتجاء إلى العمليات العسكرية؛ وسبب ذلك جهل الحكومة بحقيقة الحال، وقلة المعلومات التي لديها عن الموقف.
وفي خلال أشهر مارس وأبريل ومايو ويونيو، وتقريبًا كل شهر يوليو، ظلت الحكومة «الإنجليزية» تعتقد أن شيئًا لم يحدث لتغير الحكومة شيئًا من سياستها بالضرورة، وهي السياسة التي شرحتها التعليمات والتوجيهات المرسلة إلى القاهرة خصوصًا في برقيات: 23 أبريل، 17 مايو، 24 يوليو 1884م.
فقد طلبت الحكومة في برقية 23 أبريل إبلاغ غوردون أنها لا تريد إمداده بقوات عثمانية أو غيرها للقيام بحملات عسكرية؛ حيث إن ذلك خارج عن نطاق المأمورية المكلف بها، ومتعارض مع سياسة السلم والتهدئة التي كانت هي الغرض من إرساله في مهمته إلى السودان. وأمَّا إذا كان يريد البقاء في الخرطوم مع علمه بذلك فعليه أن يبلغ الحكومة سبب بقائه وأغراضه من هذا البقاء. والواجب على غوردون أن يبذل كل ما وسعه من جهد؛ لإبلاغ الحكومة المعلومات التي تجعلها ملمة بالأخطار التي تتهدد حالًا الخرطوم، وتلك المتوقع أن تتعرض لها هذه من بعد. وتطلب من غوردون حتى تكون متهيئة لمواجهة هذه الأخطار أن يشير عليها بمقدار القوة التي يرى أنها ضرورية لإمكان نقله من الخرطوم، وكذلك الطريق الذي تدخل منه هذه القوة إلى الخرطوم، والزمن المناسب لإجراء هذه العملية.
ولما كان المستر غلادستون لا يزال يعتقد أن الحصار لم يشتد للدرجة التي تقطع غوردون عن كل اتصال بالخارج، أو تعرضه شخصيًّا للخطر؛ فقد كان بناء على اقتراح منه أن أبرق «جرانفيل» بالتعليمات السالفة الذكر إلى القاهرة في 23 أبريل «إلى المستر إجرتون لغياب بارنج». ثم إنه كان بسبب ذلك أيضًا أن أبرق «جرانفيل» إلى «إجرتون» (Egerton) برسالة تالية في 17 مايو جاء فيها: «حيث إن الخطة الأصلية لإخلاء السودان قد صار إسقاطها، وحيث إن العمليات العسكرية العدوانية لا يمكن القيام بها بموافقة حكومة جلالة الملكة؛ لذلك فمطلوب من الجنرال غوردون أن يضع موضع البحث، وعلى أن يبعث تقريرًا عنه، أو أن يتخذ إذا كان ممكنًا، في أول لحظة مناسبة الإجراءات «لإخراجه» لنقله من الخرطوم هو والمصريين الموجودين بها، الذين شقُوا في خدمته، أو خدموا بولاء صادق بما في ذلك أُسرهم وأولادهم، وذلك بأي طريق يعتبره أفضل الطرق، مع واجب عنايته بأمنه وسلامته هو وسائر الرعايا البريطانيين.» وفي برقية 24 يوليو طلبت الحكومة أن يُعاد إرسال التعليمات إلى غوردون (تعليمات 23 أبريل، 17 مايو)، إلَّا إذا كان ممثلها متيقنًا من أن الرسائل السابقة قد وصلت غوردون فعلًا.
ويبدو أن الحكومة في لندن كانت تعتقد أن كل رسائلها أو تعليماتها التي بعثت بها إلى القاهرة بعد 11 مارس، كانت تصل إلى غوردون بانتظام. أمَّا الحقيقة فهي أن غوردون تسلَّم رسالة 23 أبريل بعد أكثر من ثلاثة شهور في 30 يوليو، بينما تسلَّم رسالة 17 مايو في غضون شهر سبتمبر. وأمَّا رسالة 24 يوليو فقد وصلته في 25 نوفمبر. ولكن الحكومة في لندن كانت تجهل هذه الوقائع. ولذلك فحتى شهر يوليو كان هناك من بين أعضاء الوزارة البريطانية من اعتقدوا «أن الجنرال غوردون خالف الأوامر والتعليمات الصادرة إليه، وأن الحكومة لذلك صارت لا تتحمل أية مسئولية قِبله، فهو قد أُرسل في مأمورية لا تتعدى سحب الحاميات وإخلاء السودان، ولكنه آثر البقاء لتنفيذ سياسة من عندياته، أو من صنعه هو نفسه. ولذلك فلا وجه لأن يتحمل البريطانيون إنفاق الأموال الطائلة، والتضحية بأرواحهم لإنقاذ جندي مهما كان ممتازًا، من تبعات عصيانه المتعمد للأوامر التي أُعطيت له.» بل إن وزير الحربية هارتنجتون كان حتى يوم 8 أغسطس يقول: «إن الحكومة لا تزال غير مقتنعة أن غوردون عاجز عن تنفيذ انسحاب الحاميات من الخرطوم، ولكنها ترى أنه قد أزف الوقت الذي يجب فيه الحصول على معلومات دقيقة عن موقفه، وأن تمده بالمساعدة إذا كان هذا ضروريًّا.»
والسبب في أن الأخبار التي أمكن أن تصل إلى الحكومة كانت قليلة هو أن الدراويش (الأنصار أو المهديين) بتضييقهم الحصار على الخرطوم جعلوا متعذرًا أي اتصال مع الخارج، فإنه ما عدا رسالة صغيرة أمكن إخراجها من الخرطوم خلال النصف الأول من شهر أبريل (ويقينًا ليس بعد 14 أبريل) وقف كل اتصال بالخرطوم، حتى وصلت إلى مصوع رسائل غوردون المحررة في 27 أبريل «اثنان إلى بارنج» 30 يوليو «إلى بارنج ونوبار»، 31 يوليو «إلى بارنج»، ورسائل فرانك باور إلى جريدة التيمس (في 28 أبريل، 30، 31 يوليو)، وقد نشرتها هذه الجريدة في عدد 29 سبتمبر 1884م.
هذه الرسائل أوضحت حقيقة الموقف في السودان، فقد تبين منها أن السبب في بقاء غوردون في الخرطوم إنما هو عجزه عن مغادرتها بسبب الحصار الشديد المضروب عليها، وهو الحصار الذي قالت هذه الرسائل إنه استطال حتى الآن مدة خمسة شهور بتمامها، وأن كل ما يستطيع غوردون فعله هو أن يصمد في وجه المهديين مدة أخرى لا تزيد على شهرين فقط، يتحتَّم بعدها إذا لم تقرر الحكومة إرسال النجدة إلى الخرطوم أو تأخر مجيء النجدة في الوقت المناسب؛ أن تسقط الخرطوم في يد المهدي.
ولكن وصول هذه الرسائل إلى لندن صادف ذيوع الأنباء بها عن حصار غوردون في الخرطوم، ومدى الأخطار التي تتهدده، فلم يعد الرأي العام البريطاني يرضى بسكوت الحكومة وامتناعها عن نجدة غوردون، وأخذ الرأي العام يضغط على الحكومة لتقوم بعمل سريع لإنقاذه. والسبب في ذلك أن الحكومة كانت قد نشرت منذ أول مايو 1884م كتابًا أزرق إنجليزيًّا، يشتمل على طائفة من رسائل غوردون، وجد الناس في أحد هذه الرسائل أن غوردون يعيب على الحكومة عيبًا شديدًا أنها قد تخلت عن الحاميات في السودان ولا تريد إنقاذها؛ الأمر الذي وصفه غوردون بأنه ينطوي على مهانة للشرف لا تُمحى. واهتمت الملكة «فكتوريا» شخصيًّا بمسألة إنقاذ غوردون، وحملت الصحافة حملة عنيفة على الوزارة، واشترك في هذه الحملة فريق من الوزراء أنفسهم، خصوصًا الذين صاروا يطالبون بالعمل السريع لإنقاذ غوردون.
وفي 27 يونيو بلغ الحكومة خبر سقوط بربر في أيدي الدراويش، وكانت بربر قد سقطت في أيديهم منذ 26 مايو 1884م، فتأكد بهذا الخبر أن أي تقهقر من الخرطوم صوب الشمال قد أصبح الآن متعذرًا.