عقب انتهاء تجريدة دنقلة، ذهب كتشنر إلى إنجلترا في مايو 1897م؛ لينال موافقة حكومته على استئناف عملية الزحف جنوب دنقلة. وكان كل ما يبغيه أن تأذن له حكومته بالزحف فورًا حتى يصل إلى فاشودة قبل وصول «مارشان» إليها؛ لأنه كان يخشى إذا سبقه «مارشان» في توطيد أقدامه في فاشودة أن يتعذر إخراجه من حوض النيل الأعلى من غير قيام حرب بين إنجلترا وفرنسا، ونال كتشنر موافقة اللورد «سولسبري»، ورجع إلى القاهرة. وكان عليه أن يختار لاستئناف العمليات العسكرية إما أن يزحف على الطريق الذي اتبعه «طابور الصحراء» المشهور في سنة 1884م من كورتي إلى المتمة؛ أو على الطريق من سواكن إلى بربر، أو أن يعبر صحراء النوبة من كورسكو أو وادي حلفا إلى أبي حمد. واستقر رأي كتشنر على مد السكة الحديد عبر الصحراء من وادي حلفا إلى أبي حمد، حيث إنه اختار هذا الطريق لزحفه المنتظر. وكان كتشنر قد أبقى معظم الجيش في دنقلة، ومنذ يناير 1897م، كان قد بدأ يستخدمه في بناء السكة الحديد.
وغادر كتشنر القاهرة في 8 يوليو 1897م لتولي قيادة العمليات، فبلغ مروى التي اتخذ منها مركزًا له، ثم غادرها في 29 يوليو قاصدًا إلى تخوم أبي حمد لطرد الدراويش منها، وكانوا بقيادة «محمد الزين». وفي 7 أغسطس وقعت معركة أبي حمد التي انهزم فيها الدراويش وأُسر قائدهم، وأخلى الدراويش بربر متقهقرين إلى شندي، فاحتل الجيش الزاحف بربر في 6 سبتمبر، وفي 31 أكتوبر 1897م وصل خط السكة الحديد إلى أبي حمد، وخرج الدراويش في جيش كبير (حوالي العشرين ألفًا) لمنازلة جيش السردار عند العطبرة. وكان السردار كتشنر قد أخذ شندي في 26 مارس 1898م، فتلاقى الجيشان في واقعة العطبرة في 8 أبريل، وانهزم الدراويش، وأبلى الجيش المصري وجنوده وضباطه من المصريين والسودانيين وقوات الإنجليز التي معهم؛ بلاء حسنًا، وقُتل من الدراويش حوالي الثلاثة آلاف، وبلغ عدد الأسرى حوالي الألفين، «وقد كان هذا الظفر أحسن تمهيد لفتح السودان.»
وعاد السردار إلى بربر، فبلغها في 14 أبريل 1798م — وكان أثناء انتظار ارتفاع مياه النيل لاستئناف الزحف أن وصلت الأخبار التي تروجها الشائعات بأن النجاشي منليك الثاني متصل اتصالًا وديًّا بالخليفة عبد الله — ومما تجب ملاحظته أن هذه الشائعات كانت بعد معاهدة أديس أبابا المعروفة بحوالي السنة، وأن قوات حبشية تتقدم صوب الرصيرص على النيل الأزرق، وأنها وصلت إلى «بني شنغول»؛ وأن بعض الرسل جاءوا من الحبشة إلى أم درمان، ومعهم راية فرنسية؛ ليحملها جيش الخليفة في المعركة. والأهم من هذا كله أن «مارشان» قد دخل إقليم بحر الغزال، وأنه مستمر في زحفه صوب فاشودة.
وقرر كتشنر التقدم دون إمهال بمجرد أن تتم استعداداته. وفي 24 أغسطس 1898م بدأ الزحف، وكان معروفًا أن الخليفة يحشد كل قواته — حوالي 50000 — عند أم درمان. ولم يلقَ الجيش الزاحف مقاومة عند شلال السبلوقة، حيث كان في استطاعة الدراويش لو أرادوا الالتحام مع الجيش المصري الإنجليزي في معركة، قد تسبب لهذا الجيش الزاحف خسائر غير طفيفة وتعوق تقدمه. ولكن الدراويش آثروا إخلاء الشلال وانتظار العدو في سهول «كرري» لاعتقادهم أن النصر مكتوب لهم في هذا المكان. فاجتاز الجيش الزاحف مضيق السبلوقة، وتجاوز جبل كرري، دون أن يتصدى أحد لمقاومته. وكان الخليفة قد خرج بجيشه في 31 أغسطس من أم درمان إلى ساحة العرض (أو العرضة) الواقعة إلى الغرب، فغادر هذا المكان في أول سبتمبر قاصدًا مقابلة العدو، وفي فجر يوم 2 سبتمبر 1898م وقعت معركة أم درمان الفاصلة، اشترك في هذه المعركة من قواد الخليفة: عثمان دقنة، ويعقوب أخو الخليفة، وعثمان شيخ الدين ابنه، وانهزم الدراويش بعد أن قاموا بهجمات ثلاث كبيرة في ضحى النهار نفسه. وفر الخليفة ورجال حكومته، ومن هؤلاء عثمان دقنة، والخليفة علي ود حلو، والخليفة محمد شريف، ويونس الدكيم، وعثمان شيخ الدين، وغيرهم، وأما أخوه يعقوب فقد قُتل في المعركة، ودخل كتشنر أم درمان بعد فرار الخليفة بساعة وبذلك انتهت «دولته».
لقد ظل مطاردًا أكثر من سنة بعد هذه الواقعة، وذلك في فيافي كردفان، حتى تمكن السير ريجنالد ونجت من مفاجأته عند «منهل جديد». وفي المعركة التي دارت في 24 نوفمبر 1899م قُتل الخليفة عبد الله وأكثر أمرائه. وأما الباقون ومنهم يونس الدكيم وعثمان شيخ الدين فقد وقعوا في أسر الحكومة. وأخيرًا وقع عثمان دقنة في أسر الحكومة، وكان قد فر من «منهل جديد» عندما شعر بالهزيمة إلى جهة سواكن وذلك في 18 يناير 1900م.
وكان بعد واقعة أم درمان بيومين أن رفع كتشنر يوم 4 سبتمبر 1898م العلمين المصري والإنجليزي جنبًا إلى جنب على بقايا سراي الحكومة المتخربة في الخرطوم، ثم لم تلبث الحكومة البريطانية أن أبلغت الحكومة المصرية أن: «لإنجلترا حق الاشتراك في السودان بما ضحت فيه من المال والرجال»؛ وهو البلاغ الذي مهدت به الحكومة البريطانية لعقد الاتفاق الثنائي لإدارة السودان (في 19 يناير–10 يوليو 1899م) على نحو ما سيأتي ذكره في موضعه.
غير أن مشاكل استرجاع السودان لم تنتهِ بهزيمة الخليفة عبد الله في واقعة أم درمان وإنهاء «دولته»، بل بقي على كتشنر واجب آخر، لا يقل عن هزيمة الخليفة، هو الوصول بأقصى سرعة إلى فاشودة، عندما بلغه قبل بلوغ الحملة أم درمان «أن جيشًا من البيض جاء من الجنوب فاحتل فاشودة، وأن الخليفة أرسل سرية من أنصاره … لطرده منها»، ثم تأكد هذا الخبر بعد الدخول إلى أم درمان.