

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
عهد سيطرة المهدية في السودان (اخلاء بقية السودان)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 321 ــ 331
2026-04-14
31
آذن سقوط الخرطوم وانسحاب حملة الإنقاذ (أي الفترة بين يناير ويوليو 1885م) بضياع سائر ممتلكات مصر في السودان؛ بإخلائها والجلاء منها، وذلك إمَّا لتخضع هذه الأملاك لسلطان المهديين، وإمَّا لتستولي عليها الدول «المتسابقة» على امتلاك أفريقيا واقتسامها فيما بينها. ففقدت مصر أملاكها في بحر الغزال، وسنار ودارفور، وخط الاستواء، وفي السودان الشرقي، وفي ساحل البحر الأحمر، والصومال وهرر.
ففي دارفور، سادت الانقسامات الداخلية بعد تسليم سلاطين بك في دارة (في 23 ديسمبر 1883م)؛ وسبب ذلك أن عبد الله التعايشي عندما تولى الحكم بعد المهدي عمد إلى تولية أهله وخاصة أصدقائه الذين يثق فيهم مناصب الحكم في السودان الغربي الذي اعتبره بلاده. فجرد محمد خالد زُقل وعزله (يونيو 1886م). وكان هذا يعيش في دارفور بعد أن دانت له سنة 1884م عيش الملوك، فسجنه الخليفة عبد الله في الأبيض، ثم في أم درمان، «حيث بقي بها حتى سنة 1889م عندما عفا الخليفة عنه وسماه أميرًا على دنقلة». وقام بالأمر في دارفور بعد زُقل الأمير يوسف بن السلطان إبراهيم — الذي فشل عند فتح دارفور سنة 1874م في معركة منواشي — وطمع يوسف في استرداد ملك آبائه. وأرسل التعايشي جيشًا كبيرًا برئاسة عاملة «عثمان آدم» هزم يوسف الذي لقي حتفه في جبل مرة في يناير 1888م، ولكن لم يمضِ طويل وقت حتى ظهر في الغرب في دار تامة فقيه اسمه الشيخ أحمد، واشتُهر باسم أبي جميزة — بسبب شجرة جميز كبيرة كان يجلس عند جذعها — استطاع أن يجمع حوله أهل الغرب من برقو، وبرنو، ودار مساليت، وتامة، وغير ذلك، وهم الذين حنقوا على الخليفة عبد الله أنه منع الحج إلى مكة. وكان هذا قد أعلن أن الحج يمكن الاستعاضة عنه بالزيارة لقبر المهدي في أم درمان. فادعى أبو جميزة أنه خليفة عثمان في الغرب، وأنه قام لفتح طريق الحج، وأنه يريد تخليص البلاد من المتمهدي، ويعيد للإسلام صفاءه باتباع الكتاب والسنة، وأن الحركة التي يقوم بها تلقى تأييدًا من السنوسي شيخ الجغبوب، وشيخ الجغبوب وقتئذٍ هو السيد محمد المهدي ابن السيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية، التي لم يكن من أتباعها أبو جميزة، وإنْ كان لها أتباع كثيرون في الغرب.
ولقد تحدث «السير ريجنالد ونجت» (Wingate) عن أثر هذه الحركة التي قام بها أبو جميزة فقال: «لقد راجت وترددت أصداؤها في كل أنحاء السودان الأخبار المحيرة، والتي لا يعقلها إنسان، وساد الاعتقاد حتى في القاهرة ذاتها بأن نهاية المهدية باتت قريبة، وأن حاكمًا جديدًا قد ظهر سوف يفتح على الأقل طريق الحج إلى مكة، ولن يكون في حرب مع العالم قاطبة. فبدا أن الخلاص صار قريبًا، وجعل كل امرئ يفد من السودان ينقل أنباء النجاح المطرد الذي تدركه الثورة القائمة ضد المهدية.»
ولكن السيد محمد المهدي السنوسي لم يشأ التدخل لتأييد أبي جميزة في دعوته، وأعلن تمسكه بالحياد في موقفه من المهدية، في قوله: «إنه (أي محمد المهدي السنوسي) إنما يعني بالدعوة إلى إصلاح الدين الحنيف سلمًا لا حربًا، بينما تنفر الملَّة التي يُراد إحياؤها نفورًا عظيمًا بل وتشتد ثورتها ضد الدماء التي يهدرها، والجرائم التي يرتكبها في السودان مثل هذا المتمهدي. ولذلك فإنه لا يريد ولا يفكر في أن يتدخل في شيء مما يحدث؛ بل من واجب محمد أحمد وخليفته هذا أن ينظرا وحدهما في الوسائل التي تكفل لشخصَيهما النجاة أو الهلاك المحقق.»
وعلى ذلك فإنه بمجرد أن عُرفت رغبة السنوسي الحقيقية، انفض الناس من حول أبي جميز، وضعف شأنه تدريجيًّا حتى استطاع عثمان آدم عامل الخليفة التعايشي أن ينزل بجيوش أبي جميزة — وكانت هذه بقيادة أخيه «ساغة» — هزيمة ساحقة في 23 فبراير 1889م، قُتل فيها «ساغة». وكان أبو جميزة نفسه قد تُوفي قبل ذلك مريضًا بالجدري. ويقول الأب أوهر والدر الذي ذكرنا أنه كان في أسر الدراويش إلى أن هرب من أم درمان في سنة 1891م: إن ثورة أبي جميزة أقفرت من سكانها كل دارفور تقريبًا، حتى لم يعد هناك إلَّا قليلين من الرجال لأعمال الزراعة، وصارت دارفور مرتعًا للوحوش الضارية مثل السباع والفيلة وغير ذلك. أمَّا الدراويش فقد اضطروا إلى الانسحاب منها في آخر الأمر.
وفي بحر الغزال: كتب مديرها «لبتون بك» إلى أمين باشا «الدكتور شنيتزر» مدير خط الاستواء في 28 أبريل 1884م: «لقد انتهى الأمر فيما يتعلق بي هنا. فكل فرد قد انضم إلى المهدي، ويتولى جيشه شئون المديرية (أي يتسلَّمها) في اليوم بعد النهار التالي.» وسلم لبتون في اليوم التالي إلى الأمير كرم الله الكركاوي. ومن ذلك الحين سادت الفوضى والانقسامات الداخلية، وانتهى الحال كما حدث في دارفور بانسحاب الدراويش من بحر الغزال سنة 1886م.
وفي خط الاستواء: كنا ذكرنا أن الدراويش انصرفوا عن مديرية خط الاستواء منذ مارس-أبريل 1885م، بعد أن هدد كرم الله الكركاوي عامل المهدي بالاستيلاء عليها عنوة، إذا رفض مديرها «أمين» التسليم في الموعد الذي حدده له (5 أبريل 1885م). ولكن إدارة أمين باشا في مديرية خط الاستواء في السنوات القليلة التالية كانت إدارة ضعيفة، وعليها مآخذ كثيرة، ولم يعد لأمين أي نفوذ على رجال الحاميات في مديريته الذين ثاروا عليه. وسرعان ما تقلصت (أو انكمشت) المنطقة التي خضعت لنفوذ حكومته، فصارت لا تزيد على شريط ضيق ممتد من بحيرة ألبرت إلى «لادو»، وتبلغ مساحتها حوالي سُبع مساحة المديرية أصلًا قبل الثورة. وفي أول نوفمبر 1885م كتب أمين إلى حكومة القاهرة يطلب إرسال الإمدادات، وبعث بكتابه هذا عن طريق زنجبار، ومن هذا الطريق نفسه وصله في 26 فبراير 1886م كتاب من نوبار باشا رئيس الوزارة مؤرخًا في 2 نوفمبر 1885م (أو 27 مايو) يقول له فيه: «إن الحكومة قد أخلت السودان، وليس في قدرتها أن تساعده بشيء، ولكنها فوضته في اتخاذ أفضل الطرق لإخلاء البلاد»، والعودة إلى مصر بطريق زنجبار. ولم يكن في وسع أمين الانسحاب من «خط الاستواء»؛ لصعوبة الطريق من مديريته إلى زنجبار؛ ولأن جنود الحاميات كانوا من السود، وكذلك أكثر ضباطهم وقد تزوجوا من نساء البلاد واقتنوا من رقيقها، «وفوق ذلك فإن انشغال أمين بك بدرس النبات والحيوان وعدم اهتمامه بالإدارة العسكرية أنسى العساكر الطاعة العسكرية؛ حتى لم يكونوا يسمعون له أمرًا إلَّا إذا وافق ميولهم». ولذلك فقد رفضوا الإذعان لأوامر الحكومة، كما تضمنها كتاب نوبار باشا السالف الذكر، وأصروا، إذا كان الانسحاب لا مفر منه، على أن يكون ذلك عن طريق الخرطوم وليس عن طريق زنجبار. وتآمر الجند على أمين، وكادوا يقضون عليه لولا أن تدخل بعض الضباط فحالوا دون ذلك.
ولكن كان قد وصل وقتئذٍ إلى زنجبار من رحلته في داخل أفريقيا الرحالة الروسي الألماني ولهلم جونكر (Junker) (4 ديسمبر 1886م). وأذاع هذا الرحالة — وفي قولٍ بإيعاز من «جون كيرك» (Kirk) القنصل الإنجليزي في زنجبار — الأخبار عن الحالة السيئة التي كان عليها أمين في خط الاستواء. وفي 20 ديسمبر 1886م أبرق إلى أوروبا يطلب إرسال حملة لإنقاذ أمين، فتألفت في لندن هذه الحملة برئاسة الرحالة هنري مورتون ستانلي (Henry Morton Stanley)، وصلت إلى مصر في أواخر يناير 1887م، ثم قصدت إلى زنجبار حيث استكملت استعداداتها، وغادرتها في 24 فبراير قاصدة إلى مصب نهر الكونغو، المكان الذي تقرر سير الحملة منه إلى مديرية خط الاستواء، فدارت الحملة حول رأس الرجاء الصالح، ووصلت إلى مصب الكونغو في 18 مارس 1887م. وكان في 30 أبريل من العام التالي (1888م) أن التقى ستانلي مع أمين في مكان إلى الجنوب الغربي من «ألبرت نيانزا». فسلَّمه ستانلي «فرمانًا» من الخديوي توفيق بتاريخ أول فبراير 1887م، وفيه يبلغ الخديوي «أمينًا» أن حملة برئاسة ستانلي تألفت لإنقاذه هو «والضباط والعساكر الذين «معه» من المركز الحرج الذي «صاروا» إليه»، والمجيء بهم إلى مصر في الطريق التي يختارها، ثم يخير «أمينًا» بين المجيء إلى مصر أو البقاء حيث هو مع الضباط والعساكر، ويختم الخديوي فرمانه بهذه العبارة: «ولكن اعلموا أن مَن أحبَّ البقاء هناك من الضباط والعساكر، فهو إنما يفعل ذلك على مسئوليته، فلا ينتظر أية مساعدة من الحكومة. افهم ذلك جيدًا وأفهمه للضباط والعساكر؛ ليكونوا على بصيرة مما يفعلون.» ورجع ستانلي إلى مركز الحملة ليأتي ببقية جنوده، وترك «أمينًا» يقرأ فرمان الخديوي على الحاميات، فقبل قسم من الجنود أولًا العودة إلى مصر، ولكن فريقًا من الضباط الذين كانوا من رجال الثورة العرابية حرضوا القسم الآخر من الجنود على الثورة، وكاد هؤلاء يفتكون بأمين، وبأحد أعوانه وهو «مونتيني جفسون» (Mounteney Jephson)، وكان ستانلي تركه مع أمين وذلك في محطة اللابورة؛ ثم قبض العصاة برئاسة اليوزباشي فضل المولى — من السود — على أمين، وعلى الصيدلي فيتا حسان (Vita Hassan) وحبسوهما في دوفيلة، وأوقفوا «مونتيني جفسون» في 19 أغسطس 1888م. وتقرر عزل أمين من منصبه في 23 سبتمبر، وتسمية أحد الضباط العصاة مكانه وهو حامد أغا.
ولكن لم يكد يستقر الأمر لحكومة العصاة الجديدة حتى جاءت الأخبار بأن الدراويش حضروا إلى «لادو» في ثلاثة وابورات وتسعة مراكب، واستولوا عليها. وكان الخليفة عبد الله التعايشي قد عزم على فتح خط الاستواء، فخرج جيش الدراويش بقيادة «عمر صالح» من أم درمان في 11 يونيو 1888م، ووصل إلى لادو في أكتوبر، وعلم عمر صالح أن أمينًا في «الدفلاي»، وأن أول مراكزه في الرجاف، فبعث إليه بكتاب يدعوه فيه إلى التسليم، فقتل العصاة رسل عمر صالح وصمموا على الحرب، وأوقع عمر صالح بهم هزيمتين كبيرتين عند الرجاف التي استولى عليها (12 نوفمبر 1888م)، بعد أن قُتل حامد أغا وكثيرون من الضباط المصريين. وكان من أثر هذه الهزيمة أن العصاة في النقط الجنوبية قرروا إطلاق سراح أمين، ومونتيني جفسون وسائر المسجونين؛ ليذهب «أمين» بهم وبالنساء والأطفال والموظفين المدنيين إلى «ودلاي»، وفي 15 نوفمبر تقدم المصريون إلى «الدفلاي» (دوفيلة) وضربوا عليها الحصار مدة أربعة أيام، ولكنهم فشلوا بعد أن انهزموا في اليوم الرابع، ونفدت منهم الذخيرة، فاضطروا للارتداد والانسحاب إلى الرجاف. وأمَّا أمين فإنه عندما أُشيع يوم 4 ديسمبر أن «الدفلاي» سقطت في أيدي الدراويش، انتقل من «ودلاي» إلى «تنقرو» (Tunguru) — على شاطئ بحيرة ألبرت الشمال الغربي — ينتظر فيها «ستانلي» الذي وصل إلى غربي البحيرة في 16 يناير 1889م، عند نقطة بالقرب من قرية الزعيم كفالِّي (Cavalli). وعيَّن ستانلي يوم 10 أبريل للانسحاب، ولكن أمينًا تردد في الانسحاب من غير أن يتمكن الراغبون في السفر من رجال الحاميات من الحضور إلى «كفالِّي»، فطلب مهلة ثلاثة شهور، فرفض ستانلي وقرر إرغام أمين على الخروج — إذا دعا الحال — باستخدام القوة العسكرية. وعندئذٍ بدأت الحملة سيرها في الموعد المحدد (10 أبريل) من كفالِّي، فبلغ الجميع زنجبار في 6 ديسمبر 1889م، وبقي في مديرية خط الاستواء عمر صالح «في الرجاف»، وفضل المولى «في الدفلاي التي انتقل منها مع بقايا جيش أمين باشا إلى ودلاي»، وقد دخل فضل المولى في خدمة البلجيك في أكتوبر 1892م، وكان هؤلاء يتوسعون نحو النيل من جهة ولاية الكونغو الحرة البلجيكية في ظروف سيأتي ذكرها. ولكن السيطرة في مديرية خط الاستواء كانت قد صارت للمهديين، الذين استطاع عاملهم عربي دفع الله أن يقتله قرب ودلاي في أواخر العام التالي.
أمَّا في سنار: فقد بدأ المهديون يحاصرون عاصمتها «مدينة سنار» من أواسط شهر نوفمبر 1884م، ودافع عنها «حسن صادق» مدير عموم سنار دفاعًا مجيدًا، إلى أن قتل في إحدى الوقائع، وتسلَّم القيادة النور بك الذي تولى الدفاع عن سنار، بعد أن ضيق الدراويش الحصار عليها بقيادة محمد عبد الكريم. وفي 17 يونيو 1885م حاول محمد عبد الكريم اقتحام تحصينات البلدة، ولكنه انهزم هزيمة كبيرة، وعلى ذلك فقد بقي الدراويش على حصارها. وفي واقعة بجهة «كساب» بالقرب من سنار أوقع الدراويش الهزيمة بقوة كانت أخرجتها الحامية للاستيلاء على مخزن للحبوب، وقتلوا رئيسها «حسن عثمان» في 17 أغسطس. وبعد يومين اضطرت سنار إلى التسليم في 19 أغسطس 1885م. وكان هذا التسليم في عهد الخليفة عبد الله التعايشي الذي أمر قائده محمد عبد الكريم بتخريبها والعودة إلى أم درمان. ولقد بقيت سنار من ذلك التاريخ خرابًا لا يسكنها أحد حتى أعيد تعميرها بعد استرجاع السودان.
وفي السودان الشرقي، بدأت الثورة تتحرك في كسلا عند قدوم عثمان دقنة إلى سواكن في أغسطس 1883م، ولكنها لم تشتد إلَّا بعد هزيمة هيكس في شيكان في نوفمبر من السنة نفسها. وفي فبراير 1884م أوقع الدراويش هزيمة كبيرة بعسكر الحامية، الذين ما لبثوا حتى انتصروا عليهم في الشهر التالي. واستمرت الحرب سجالًا بين الفريقين، وطلبت كسلا النجدة من سواكن، فاعتذر محافظها الكولونيل تشرمسيد؛ لعدم وجود مدد لدى الحكومة، وأشار على الحامية بالانسحاب إلى مصوع. وفي 13 أبريل 1885م كان قد نفد الزاد من الحامية، واضطر الجنود إلى أكل الحمير، وكتب مدير كسلا «أحمد عفت الشركسي» إلى القاهرة: أنه لا يستطيع الصمود طويلًا من غير وصول النجدة إليه سريعًا. وأخيرًا اضطرت كسلا إلى التسليم للدراويش في 29-30 يوليو 1885م.
وأمَّا فيما يتعلق بسائر الحاميات في السودان الشرقي وعلى طول حدود الحبشة، فقد سلمت القضارف أو سوق أبو سن في أبريل 1884م، وضرب الدراويش الحصار على القلابات، وعلى حاميتي المتمة والجيرة.
وكان من أجل إنقاذ هذه الحاميات المحاصَرة في السودان الشرقي أن أوفدت الحكومة البريطانية إلى الملك يوحنا «يوحناس» نجاشي الحبشة، بعثة من الأميرال السير وليم هويت (Sir William Hewett) من قبل إنجلترا ومازون بك (Mason) محافظ مصوع (وهو أحد الضباط الأمريكان في خدمة الجيش المصري) بالنيابة عن الخديوية المصرية؛ لإبرام معاهدة مع يوحنا لهذا الغرض، وبالفعل أُبرمت هذه المعاهدة في عدوة في 3 يونيو 1884م — وهي المعاهدة التي أشرنا إليها عند الكلام عن الحرب «المصرية-الحبشية» في عهد الخديوي إسماعيل، وصادقت عليها بريطانيا في 4 يوليو، ومصر في 25 سبتمبر 1884م. وقد تعهد يوحنا بمقتضى المادة الثالثة من هذه المعاهدة «بأن يسهل لجيش الخديوي المعظَّم الانسحاب من كسلا، وعمديب، وسنهيت، واجتياز إثيوبيا إلى مصوع». بينما نصت المادة الثانية على أنه ابتداء من غرة سبتمبر 1884م الموافق اليوم الثامن من ماسكرام سنة 1877م، تُرد إلى جلالة نجاشي نجاشية الحبشة البلاد المعروفة ببلاد البوغوس؛ «وعند إخلاء جيش الخديوي المعظَّم مَحامي كسلا وعمديب وسنهيت تُرد كذلك إلى جلالة نجاشي نجاشية الحبشة، وتُعد مِلْكه الأبنية الموجودة في بلاد البوغوس، التي هي للآن ملك الجناب الخديوي المعظَّم، وترد لجلالته مع هذه الأبنية كافة الذخائر، ومهمات الحرب التي تكون حينئذٍ فيها لتكون أيضًا مِلْكه.» ونصت المادة السادسة على أن: «يتعهد جلالة نجاشي نجاشية الحبشة بتحكيم جلالة ملكة إنكلترة في تسوية كل خلاف عساه أن يحصل بينه وبين الجناب الخديوي المعظَّم فيما بعد التوقيع على هذه المعاهدة.»
وأمكن بفضل تعاون الأحباش إذن انسحاب حامية القلابات بسلام من المتمة في 28 فبراير 1885م، فوصلت مصوع في آخر مايو. واحتل القلابات الدراويش بقيادة «محمد ود أرباب» في 5 مارس 1885م. ثم انسحبت حامية أميديب (عمديب) ووصلت إلى مصوع في 10 أبريل، وكذلك أُخليت سنهيت ووصلت حاميتها إلى مصوع في 19 أبريل، وانسحبت حامية الجيرة في 8 يوليو 1885م، ووصلت إلى مصوع في أوائل فبراير من العام التالي. وفي 12 سبتمبر 1885م تسلَّم الأحباش مقاطعة بوغوص (أو سنهيت) حسب المعاهدة. وهكذا بفضل تعاون الأحباش لم يسقط في أيدي الدراويش من كل هذه الحاميات غير حامية القضارف، التي سلمت للدراويش في أبريل 1884م قبل عقد المعاهدة مع الأحباش بشهرين تقريبًا.
أمَّا في ساحل البحر الأحمر والصومال وهرر: فقد تقرر إخلاء هذه البلاد؛ تنفيذًا لسياسة الإخلاء التي قررتها الحكومة البريطانية.
واختلف الوضع السياسي في ساحل الصومال، ابتداء من زيلع إلى الجنوب عن الوضع في جزء الساحل الممتد من زيلع شمالًا إلى مضيق باب المندب، في أن السلطان العثماني كانت له حقوق في السيادة على المنطقة من باب المندب إلى زيلع، لم تكن الحكومة البريطانية تعارضها، وعلى أنها لم تعترف بها رسميًّا. وذلك بينما دأبت الحكومة البريطانية على معارضة إنكار حقوق السيادة التي للسلطان العثماني على المنطقة الممتدة من زيلع جنوبًا إلى رأس حافون. وقد سُويت هذه المسألة بإبرام المعاهدة البريطانية المصرية «بخصوص سواحل الصومال» في 7 سبتمبر 1877م، وهي المعاهدة التي سبق أن ذكرناها عند الكلام عن استكمال وحدة وادي النيل السياسة ودعمها، والتي أوضحنا أن الحكومة البريطانية اعترفت فيها بحقوق السيادة التي للخديوي، مع تبعيته للسلطان العثماني على هذه الجهات حتى رأس حافون، ولكن جاء في المادة الخامسة من هذه المعاهدة ما يلي:
تُعتبر هذه الشروط متممة وواجبة التنفيذ، عندما تتعهد جلالة الحضرة الشاهانية إلى حكومة دولة الإنجليز تعهدًا رسميًّا تامًّا بألَّا تعطي بأي وجهٍ كان إلى أي دولة كانت من الدول الأجنبية أدنى قطعة من سواحل بلاد الصومال، أو من سائر البلاد التي أُدخلت في حوزة الحكومة المصرية وصارت جزءًا من ممالك الدولة العلية المعطاة إلى الحكومة المصرية، أو أي قطعة من القطر المصري، أو البلاد التابعة له بطريق الوراثة إلى أي دولة أجنبية …
ومعنى ذلك أن تنفيذ المعاهدة كان متوقفًا على إعطاء الباب العالي لهذا التعهد المطلوب. ومع ذلك وبالرغم من دعوته أكثر من مرة ليعطي هذا التعهد، فقد امتنع أو لم يصدر الباب العالي التعهد المطلوب. ولذلك فقد اعتبرت الحكومة البريطانية المعاهدة غير قائمة، وأن في استطاعتها لذلك التصرف بما تراه موافقًا لصالحها. وفي 29 مايو 1884م أصدر اللورد جرانفيل إذن تعليماته إلى السفير الإنجليزي لدى الباب العالي «اللورد دفرين»، بعدم اعتبار المعاهدة قائمة، وإبلاغ الباب العالي أن الحكومة البريطانية فيما يتعلق بجزء الساحل الممتد من زيلع جنوبًا «إلى رأس حافون»، قد قررت اتخاذ الترتيبات التي تراها ضرورية للمحافظة على الأمن والسلام، ولرعاية المصالح البريطانية خصوصًا في «بربرة» التي تمد عدن بحاجاتها الرئيسية، وذلك بمجرد أن ينسحب المصريون من هذه الجهات، واحتج الباب العالي بطبيعة الحال على هذا التبليغ ولكن دون طائل.
وفي 13 سبتمبر 1884م خرج رضوان باشا «البحري» من السويس؛ لإخلاء بربرة وهرر وزيلع، فوصل إلى عدن في 23 سبتمبر، ووجد بها الضابط الإنجليزي الماجور هنتر (Hunter) في انتظاره، فقصدا سويًّا إلى بربرة حيث قرأ رضوان باشا لأهلها الأمر العالي القاضي بإخلائها، وتسلَّم الإنجليز بربرة. وفي أكتوبر 1884م تعيَّن «والش» (Walsh) أول موظف إنجليزي لحكومتها بمعاونة قوة من الهنود. وأخطر اللورد ليونس السفير الإنجليزي في باريس الحكومة الفرنسية في 23 أبريل 1885م أن «محمية» بريطانية قد تأسست في هذا القسم من الساحل.
وفي هرر شرع رضوان باشا والماجور هنتر منذ نوفمبر 1884م في تنظيم حكومة وطنية بها، برئاسة عبد الله ابن أمير هرر، الذي سلم للمصريين في أكتوبر 1885م محمد عبد الشكور. وفي 25 أبريل 1885م قرأ رضوان باشا على أهلها الأمر القاضي بإخلاء هرر … وفي أبريل ومايو 1885م أُخليت هرر نهائيًّا؛ غير أن حكم الأمير عبد الله لم يستمر طويلًا؛ إذ لم يلبث أن فتحها منليك الثاني، وضمها إلى الحبشة في سنة 1887م.
وفي زيلع، سألت الحكومة البريطانية بواسطة سفيرها في الآستانة الحكومة العثمانية في 14 مايو 1884م أن تبادر هذه الحكومة باستئناف ممارسة حقوق السيادة على الموانئ المصرية على ساحل البحر الأحمر فورًا، وأن يحتل جنود عثمانيون هذه الموانئ. ثم عادت في 17 يوليو 1884م فطلبت من الباب العالي أن يتخذ الخطوات الضرورية لفرض سيطرته على ميناءي تاجورة وزيلع، بمجرد انسحاب الجنود المصريين منهما. ولكن الباب العالي آثر التسويف كعادته. ولما كان يخشى من قيام اضطرابات في جهة زيلع فقد صدرت التعليمات إلى اللورد دفرين في أول أغسطس 1884م أن يبلغ الباب العالي: أنه إذا لم تكن الحكومة العثمانية متهيئة لاتخاذ الخطوات اللازمة لاحتلال زيلع فورًا فسوف يكون ضروريًّا أن ترسل حكومة جلالة الملكة قوة إلى زيلع للمحافظة على النظام. ولم يعر الباب العالي هذا التحذير أي التفات. وفي 24 أغسطس 1884م أبرق المأجور هنتر إلى السير إفلن بارنج أن القوات البريطانية نزلت في زيلع، وحتى 1887م بقيت القوات السودانية المصرية تحتل زيلع لحساب الإنجليز، ثم أُنزلت الراية المصرية نهائيًّا في أكتوبر 1888م.
وفي تاجورة، كان الفرنسيون قد عقدوا مع أحد مشايخها «أبو بكر شحيم» معاهدة في 11 مارس 1862م، تخوِّل فرنسا «نظير مبلغ من المال» الحق في امتلاك ميناء «أوبوك» (Obok)، والمنطقة المجاورة لها، والبالغ مساحتها 25 ميلًا مربعًا في خليج تاجورة. وانتهزت فرنسا الفرصة الآن، فوصل مركب فرنسي إلى ميناء «رشال» (Richal) القريب من تاجورة في أوائل مايو 1884م مهَّد وصوله لضم تاجورة نهائيًّا لفرنسا.
أمَّا في مصوع: فقد أبرق من سواكن الكولونيل تشرمسيد (Chermside) في 22 يناير 1885م، يطلب من المسئولين في القاهرة اتخاذ قرار سريع بشأن مصوع التي صارت تسود فيها الفوضى. ولكن الحكومة المصرية كانت عاجزة عن فعل شيء، وصارت المسألة الآن هي النظر فيمن يكون له احتلال مصوع بعد أن يخليها المصريون. وكان الطليان منذ 1863م، 1870م قد احتلوا خليج عصب (أصاب) وهم في السنوات الأخيرة مهتمون بتأسيس مستعمرات لهم؛ حتى يتساووا في هذا المضمار مع الدول العظمى الاستعمارية؛ ولذلك فهم يخشون أن يستولي غيرهم على مصوع، وبدئوا يجسون نبض الإنجليز في هذه المسألة، فكتب اللورد جرانفيل إلى سفيره في روما في 22 ديسمبر 1884م: أنه أبلغ الكونت نيجرا (Nigra) السفير الإيطالي في لندن أن حكومة جلالة الملكة راغبة في إخطار مشاعرها الودية نحو إيطاليا بكل الوسائل، وأنه قال للكونت إن الحكومة المصرية عاجزة عن الاستمرار في التمسك بكل ساحل البحر الأحمر الأفريقي. وفي هذه الظروف تعود الموانئ بطبيعة الحال إلى تركيا، وصار للحكومة البريطانية بعض الوقت، وهي تنصح للباب العالي أن يعيد استيلاءه عليها، ويسرُّه — كما استمر جرانفيل يقول — «أن يلاحظ أن المسيو مانشيني (Mancini) وزير خارجية إيطاليا يدرك تمامًا أن ليس لنا حق، ولا ندعي أن لنا حقًّا في إعطاء شيء لا نملكه، فإذا شاءت الحكومة الإيطالية احتلال بعض الموانئ موضع المذاكرة، فإن هذه مسألة بين إيطاليا وتركيا. ولكني استطعت تعريفه أنه فيما يتعلق بحكومة جلالة الملكة، ليس لديها أية اعتراضات على احتلال الإيطاليين لموانئ زولا (زلا) وبيلول أو مصوع.» وعلى ذلك فقد انتهزت الحكومة الإيطالية فرصة اعتداء وقع على بعض السائحين الطليان وقتلهم في مكان قريب من مصوع، فأرسلت أسطولها إلى مصوع في فبراير 1885م. وفي 6 فبراير تسلَّم الطليان مصوع، وانسحبت منها الحامية المصرية عائدة إلى مصر.
•••
وهكذا أخلى المصريون السودان. ومع أن المهديين استولوا — كما رأينا — على بحر الغزال وسنار، ودانت لهم دارفور ومديرية خط الاستواء، ثم احتلوا في السودان الشرقي كسلا والقضارف؛ فقد اضطروا إلى الجلاء عن بعض هذه الأقاليم بعد سنوات قليلة، فأخلوا بحر الغزال في سنة 1886م، وكذلك دارفور بعد سنة 1889م، بينما احتل الأحباش — كما رأينا — بوغوص سنة 1885م، وهرر سنة 1887م، واقتسم الإنجليز والفرنسيون والطليان بلاد الصومال فيما بينهم، وتوغل الإنجليز في أوغندة، والفرنسيون والبلجيكيون في إقليم بحر الغزال، حتى وصلوا إلى حوض النيل الأعلى في السنوات التالية، فكان على عهد سيطرة المهدية إذن أن حدث اقتسام أملاك مصر في السودان، واستيلاء الدول الأجنبية عليها. أمَّا المسئول عن ذلك فكان الخليفة عبد الله التعايشي، الذي خلف محمد أحمد، والذي أقام حكومة مستبدة غاشمة تسلطت على أهل السودان، ولكنها كانت عاجزة كل العجز عن الاحتفاظ بتلك الإمبراطورية التي أسسها المصريون خلال ستين عامًا في شرق ووسط أفريقيا.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)