

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اتفاق الحكم الثنائي 1899م (اصول الاتفاق)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 435 ــ 443
2026-04-19
39
في المقدمة التي وضعها كرومر لكتاب «سدني لو» (Sidney Low) عن مصر في دور الانتقال (1914م)، كتب «كرومر» بعد ست عشرة سنة من واقعة أم درمان: «إن المشكلة التي وجب عليه إيجاد حلٍّ لها بعد استرجاع السودان هي الكيفية التي يمكن بها تجنيب السودان دون تسميته «أو التعريف به على أنه» أرض بريطانية؛ كل تلك المتاعب الخطيرة التي كانت تأتي من استمرار اعتبار السودان أرضًا عثمانية»، ثم يمضي كرومر كي يوضح الحل الذي عثر عليه لهذه المشكلة فيقول: «لقد طرأ على ذهني أن من الممكن للسودان ألا يصبح إنجليزيًّا ولا مصريًّا، بل يكون إنجليزيًّا مصريًّا.» ولقد قام السير مالكوم ماكيلريث (Malcolm Mcilwraith) — المستشار القضائي منذ 1898م — بترجمة هذه الفكرة السياسية، والتي كانت بعيدة كل البعد عن المنطق إلى لغة قانونية تدل على المهارة، ويقول كرومر إنه كان عظيم الرجاء أن يقبل اللورد سولسبري هذه الفكرة عندما اقترحها عليه، وقبلها هذا الأخير دون تردد، ووافق بسرور على إنشاء «دولة مولدة» من طبيعة كان متوقعًا أن تثير دهشة علماء القانون الدولي.
إن هذا النظام الذي أوجد ما سماه كرومر «بالدولة المولدة» (Hybrid State) والذي كان قمينًا أن يثير دهشة القانونين الدوليين؛ هو نظام الحكم الثنائي (Condiminium) الذي استند إلى اتفاق الحكم الثنائي بين الحكومتين البريطانية والمصرية بشأن إدارة السودان في المستقبل، والذي أُبرم في 19 يناير 1899م، ثم تبعه اتفاق لاحق في 10 يوليو من السنة نفسها.
ولقد بدأ التفكير في ضرورة النظر في نوع الحكم الذي يجب إقامته في السودان؛ وبمعنى آخر، في نوع الوضع السياسي الذي يكون لهذه البلاد، وذلك منذ أن قررت الحكومة البريطانية استرجاع السودان. لقد شاهدنا كيف نجمت بعض المصاعب من تقرير إرسال حملة دنقلة (في مارس 1896م)، كان مبعث بعضها استياء الخديوي من إغفال الحكومة البريطانية التشاور معه قبل تقرير الزحف على دنقلة، ومبعث الآخر احتجاج السلطان العثماني على عدم استئذانه قبل الدخول في حرب، بوصفه صاحب السيادة الشرعية على مصر، والذي تحكم الفرمانات علاقاته مع هذه الخديوية، وأمكن تذليل هذه المصاعب — كما رأينا — على أساس أن الحملة على دنقلة إنما المقصود منها استرجاع مديريات تملكها الخديوية في جنوب الوادي، وأن تستعيد الخديوية سيطرتها المفقودة على هذه الأقاليم، التي هي جزء لا يتجزأ منها بحكم الفرمانات العثمانية ذاتها، وخرجت عن طاعتها بسبب الثورة. وكان الإنجليز أنفسهم هم الذين تقدموا بهذه الحجة سواء في الرد الذي أجابت به حكومتهم، أم في الرد الذي أشاروا على الخديوي أن يجيب به كذلك، على «استفسار» الباب العالي؛ وبذلك أمكن اجتياز هذه الأزمة. ولكن هذه الأزمة تركت أثرًا على جانب كبير من الأهمية، هو ذيوع الاعتقاد، خصوصًا لدى المصريين، بأن الغرض من استرجاع أية أقاليم في السودان أو السودان بأسره إنما هو كي يعود السودان إلى مصر؛ أي أن يقوم بالسودان الحكم المصري ثانية.
ولكن هذا الاعتقاد لم يلبث أن تبدد عندما وصلت الخديوي وهو بأوروبا في 14 سبتمبر 1898م تلك البرقية — التي أشرنا إليها — والتي جاء فيها أن الحكومة البريطانية أبلغت الحكومة المصرية أن لإنجلترا حق الاشتراك في السودان، بما ضحت فيه من المال والرجال، وأن كتشنر رفع العلم الإنجليزي بجانب العلم المصري على أم درمان، فصار واضحًا أن للإنجليز «خطة» معينة يريدون اتباعها في السودان، تتعارض تمامًا مع ما ساد به الاعتقاد الذي أشرنا إليه من أن مصر وحدها سوف تكون صاحبة الحكم منفردة في هذه البلاد التي استعادتها بعد القضاء على العصاة وإخماد الثورة. وكان رفع العلمين الإنجليزي والمصري جنبًا إلى جنب أول إشارة إلى ما سوف يكون عليه نوع الحكم المنتظر في السودان، حسب هذه الخطة.
وأما كيف تولدت فكرة رفع العلمين المصري والإنجليزي جنبًا إلى جنب فمعرفة ذلك إنما تكشف لنا عن أصول «النظام» الذي تقرر آخر الأمر للحكم في السودان.
فقد أبلغ اللورد سولسبري إلى كرومر في 3 يونيو 1898م؛ أي أثناء أن كان السردار كتشنر يتأهب للزحف من بربر على أم درمان، أن السلطان العثماني كتب إلى لندن بما يفيد أن له سلطة «فنية وأدبية» على الخديوي. ويعتقد «سولسبري» أن الفرنسيين هم الذين يحفزون السلطان على التمسك بها. ولذلك فقد كان من رأي «سولسبري» الذي أوضحه لكرومر أن يحذر الإنجليز من الاعتراف بالحقوق المصرية وحدها في الجهات التي يصل إليها الزحف جنوبًا، ويسأل «كرومر» في الوقت نفسه عند الاستيلاء على الخرطوم: إذا لم يكن من الحكمة رفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب ففي الإمكان أن تعد الخرطوم عاصمة لدولة المهدية. ولذلك فسقوطها يترتب عليه دخول دولة المهدية بأسرها من وادي حلفا إلى «وادلاي» في حوزة القوات التي استولت على هذه العاصمة؛ وهي قوات تكون عندئذٍ مؤلفة من جيشين متحالفين يتولى القيادة عليهما السردار بحكم مركزه الشخصي كما فعل دوق ملبرة (Marlborough) أثناء حروب الوراثة الإسبانية (1704–1714م) عندما كان يقود جيشين بريطانيًّا وألمانيًّا، دون أن ينشأ من ذلك تجاوز على الحقوق المستقلة التي للحكومات المتحالفة، فإذا حصل هذا تزول عقبات دبلوماسية كثيرة. ولذلك يدعو «سولسبري» كرومر لأن يفكر جديًّا في هذه المسألة.
ذلك كان قبل واقعة أم درمان.
وقبل واقعة أم درمان كذلك بعث «كرومر» بجوابه على رسالة سولسبري. وفي هذا الجواب في 4 يونيو يبدي «كرومر» تشككه أول الأمر في صلاحية الفكرة التي عرضها عليه «سولسبري». ولكن «كرومر» بعد حوالي أسبوع يعود، فيكتب في 11 يونيو أنه يفكر في «فكرة العلمين»، وأنه كلما زاد تفكيره في هذه المسألة كلما زاد اقتناعه بها. وأخيرًا وضع «كرومر» في 15 يونيو 1898م مذكرة (Memorandum)، اشتملت على بعض المبادئ التي مهدت لوضع الاتفاق (الوفاق) الثنائي فيما بعد، وهي المذكرة التي تضمَّنت كذلك اقتراح «كرومر» إرسال حملتين إحداهما على النيل الأبيض «بقيادة السردار»، والأخرى على النيل الأزرق لمواجهة الخطر المزدوج من زحف الفرنسيين على النيل من جهة بحر الغزال، ومن زحف الأحباش على النيل الأزرق من ناحية السوباط.
ومذكرة «كرومر» هذه تتناول موضوعين:
أوَّلًا: التحذيرات التي يجب أن تكون محل الاعتبار عند تقرير الوضع المنتظر للسودان، والصعوبات التي قد يثيرها نوع «الوضع» الذي يقر عليه رأي الحكومة البريطانية.
ثانيًا: نوع الوضع المنتظر نفسه، وحينما شرعت المذكرة تعالج هذين الموضوعين، برزت حقيقة هامة، هي أن الاحتلال البريطاني في مصر كان قد صح عزم المسئولين الإنجليز على أن تطول مدته ولأجلٍ غير مسمًّى. وتلك حقيقة لم يكن هناك مناص من أن يتأثر بها التفكير في نوع الوضع الذي يجب اختياره للسودان في المستقبل؛ لأن من المتعذر إغفال أو تجاهل الارتباط بين ما يمكن تسميته بالسياسة السودانية فيما يتعلق بالسودان، والسياسة المصرية فيما يتعلق بمصر. وهو ارتباط يجعل محققًا تأثر السياسة البريطانية في مصر بالسياسة التي سوف تعالج بها مسألة السودان.
وعلى ذلك فقد حذر «كرومر» في مذكرته هذه من أن يترتب على «الوضع» الذي يقع عليه الاختبار للسودان أن تتحمل الخزينة المصرية نفقات مالية طائلة؛ لأن ذلك معطل للإصلاح المالي في مصر، وهو الإصلاح الذي يؤكد «كرومر» ضرورته حتى ينتشر الرخاء المادي في البلاد، لاستمالة سواد الشعب المصري، من أجل التغلب على عواطف الكراهية والتعصب الديني التي قال كرومر إن الخديوي والمحيطين به والمسترشدين بآرائه وتوجيهاته سوف يعملون على إثارتها دائمًا ضد الاحتلال البريطاني. ومن المتوقع أن تستمر هذه الكراهية ويبقى هذا العداء؛ لأن الحكومة البريطانية لم تعد تفكر في الجلاء من مصر. بل إن أمد الاحتلال قد تقرر أن يطول إلى وقت ليس في النية تحديده.
وحذَّر «كرومر» من استعداء إمبراطور الحبشة «منليك الثاني» ضد الوضع السياسي الجديد للسودان، إذا تقرر أن تضم حدود السودان الأراضي التي وصل إليها الأحباش في النيل الأزرق، أو استولوا عليها فعلًا في السودان الشرقي. فكان من رأيه أن يكون احتلال السودان في الوقت الحاضر مقصورًا على احتلال الأراضي التي يتضح أن احتلالها ضروري ولا مفرَّ منه لضمان تنفيذ السياسة العامة التي تريد الحكومة البريطانية اتباعها في السودان؛ أي احتلال الأراضي خصوصًا على جانبَي النيل الأبيض، واحتلال قسم فقط من النيل الأزرق.
وانتقل «كرومر» بعد هذه التحذيرات إلى بحث مسألة «الوضع السياسي» الذي يجب اختياره للسودان، وكان عندئذٍ أن أُثيرت مسألة السيادة برمتها؛ لأنه لتحديد الوضع السياسي في السودان كان لا مفر من تحديد مصير حقوق السيادة، التي وجب استئناف ممارستها بعد استرجاع السودان. ولقد بدأ «كرومر» بالكلام عن فكرة رفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب، فقال إن لهذه الفكرة مزاياها. ومن الحكمة العمل بها، على الأقل كإجراء مؤقت، حتى يتم نهائيًّا الفصل في المسألة؛ وذلك كإشارة ظاهرة أو دليل واضح على التغيير الواقعي الذي طرأ على الوضع في السودان بعد زوال المهدية منه واسترجاعه. ولقد توقع «كرومر» أن يعارض الخديوي فكرة رفع العلمين هذه. ولكن لا يجب — كما قال — أن يأبه المرء لأي اعتراض من جانب الخديوي؛ لأن الخديوي يعرف حق المعرفة أن خطوة ما لا يمكن اتخاذها لا في مصر ولا في السودان من غير موافقة الحكومة البريطانية؛ بل إن رفع العلمين البريطاني والمصري متجاورين من شأنه أن يؤكد حقيقة أن الخديوي لا قدرة له على العمل في السودان من غير موافقة «شريكه الأكبر». ثم إن ذلك من شأنه أيضًا أن يكون بمثابة تحذير مفيد للسلطان العثماني — وهو الذي عرفنا أن يتمسك بحقوقه العليا في السيادة على مصر والسودان معًا؛ ثم إنه يكون كذلك كإشارة للفرنسيين وللأحباش على السواء بأن السيطرة على نهر النيل هي مسألة إنجليزية أكثر منها مصرية، وأما إذا اعترض الفرنسيون على رفع العلمين، فالجواب على ذلك أنهم أنفسهم من مدة قريبة طلبوا من الخليفة عبد الله استخدام الراية الفرنسية.
بحثت الحكومة البريطانية هذه «المذكرة»، وأخذت من هذا الحين فكرة رفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب عند الاستيلاء على أم درمان والقضاء على الخليفة؛ تزداد بروزًا في شكل اتخاذ إجراءات معينة من شأنها تبرير القرار الذي صح عزم الحكومة على اتخاذه في مسألة السودان، وهو المشاركة في إدارته، والتخلي نهائيًّا عن الفكرة القائلة، والتي ذكرنا أن الخديوي وحكومته في القاهرة اعتقدوا بها؛ بأن استرجاع السودان إنما هو لصالح مصر فقط، حتى تمارس في هذه الأراضي التي استردتها السلطة التي كانت تمارسها هي وحدها ودون أي مشاركة من أحد قبل ثورة المهدي، وأما هذا المظهر للمشاركة المنتظرة فكان تقرير الحكومة البريطانية المساهمة في نفقات الفتح، وعدم الاكتفاء بالمعاونة العسكرية التي قدمتها هذه الحكومة، في شكل تلك القوات العسكرية البريطانية التي اشتركت في عمليات الفتح. وعلى ذلك فإن الحكومة البريطانية لم تلبث أن تنازلت عن المبالغ التي كانت أقرضتها إلى مصر في الظروف التي عرفناها في سنة 1897م، فأبلغ اللورد «سولسبري» «كرومر» في 5 يوليو 1898م أن مجلس العموم البريطاني بناء على اقتراح وزير المالية السير ميخائيل هيكس بيش (Michael Hicks-Beach) قرر تنازل الحكومة البريطانية عن المبلغ الذي أقرضته إلى مصر، وقدره 798802 جنيهًا.
وفي 2 أغسطس 1898م بعث «سولسبري» إلى القاهرة بالتعليمات التي اتخذتها حكومته في مسألة السودان، من حيث رفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب في الخرطوم عند سقوطها المنتظر، ومن غير أن يكون لهذا القرار علاقة بالشكل الذي سوف يكون عليه الوضع السياسي في السودان في المستقبل؛ وذلك لأن البحث في الوضع السياسي مسألة يجب الاحتفاظ بها لفرصة تالية؛ بينما الغرض من رفع العلمين الآن ليس سوى التدليل على أن إنجلترا سوف يكون لها صوت مسموع في كل المسائل المتعلقة بالسودان، وليس في مسألة الوضع السياسي وحده، فجاء في هذه التعليمات «إلى كرومر» ما نصه:
نظرًا لما أسدته حكومة جلالة الملكة إلى حكومة الخديوي من معاونة جدية عسكريًّا وماليًّا قررت حكومة جلالة الملكة أن يُرفع العلمان البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب في الخرطوم، وليس لهذا القرار أية علاقة بالكيفية التي سوف تجري بها إدارة الأراضي المحتلة في المستقبل، وليس ضروريًّا في الوقت الحاضر تعيين وضع هذه الأراضي السياسي بتدقيق كبير، ولكن عليك أن توضح للخديوي ولنظاره أن الغرض من الإجراء الذي أشرت إليه إنما هو لتأكيد حقيقة أن حكومة جلالة الملكة تعتبر أن لها صوتًا مسموعًا (راجحًا) في كل الأمور المتعلقة بالسودان، وأنها تتوقع أن يجري العمل بكل نصيحة قد ترى من المناسب تقديمها إلى الحكومة المصرية فيما يخص شئون السودان.
وعندما بعث «سولسبري» بهذه التعليمات إلى القاهرة كان السردار على وشك أن يبدأ الزحف من بربر إلى أم درمان. وفي 2 سبتمبر 1898م، وقعت معركة أم درمان. وكان «رينل رود» في غياب اللورد كرومر قد أبرق إلى «سولسبري» في أول سبتمبر أنه يعتزم تبليغ الحكومة المصرية جزء التعليمات التي جاءت إلى «كرومر» في رسالة 2 أغسطس 1898م — والتي أثبتناها — وفي 2 سبتمبر أذنته حكومته أن يفعل. وعلى ذلك فإنه لم يمضِ يومان على معركة أم درمان حتى أبلغ «رينل رود» وزير الخارجية المصري بطرس باشا غالي نص هذه التعليمات، مع تغيير بسيط في العبارة: «لي الشرف أن أبلغ سعادتكم أنه نظرًا لما أسدته …» إلى آخر العبارة التي أثبتناها بعد أن تُحذف منها جملة، «ولكن عليك أن توضح للخديوي ونظاره.»
واعتبر «سولسبري» نفسه أن الجزء من هذا التبليغ الخاص برفع العلمين دون أن يكون لذلك علاقة بالكيفية التي سوف تجري بها إدارة السودان في المستقبل سوف يكون لغموضه وإبهامه مبعث تعليقات مزعجة إذا نشر. ولذلك فقد طلب من «رينل رود» في القاهرة عدم نشره. وكان من الواضح أن هذا التبليغ مع إظهار عزم الحكومة البريطانية على أن يكون لها السيطرة التامة في كل ما يتصل بمسألة السودان، وتحديد الوضع السياسي به؛ قد أغفل الإشارة إلى حقوق مصر، أو حقوق الباب العالي، وهي الحقوق التي كان لا يكفي لتأمينها مجرد ذكر رفع العلم المصري، والذي سيُرفع إلى جانبه العلم البريطاني، ومن غير أية إشارة إلى أن مصر سوف يكون لها نفس الصوت الذي لبريطانيا، وأن حكومتها سوف تشترك على قدم المساواة مع الحكومة البريطانية، عند تقرير الوضع السياسي في السودان. بل دلت عبارة التعليمات على أن مصر على العكس من ذلك سوف تكون مسلوبة الإرادة، وخاضعة كل الخضوع لأية نصائح (أو بالأحرى أوامر) تصدر لها من المعتمد البريطاني في أي شأن من شئون السودان. وهذه التعليمات من هذه الناحية سواء في مبعثها أو سبب صدورها المباشر أو في آثارها من حيث تجريدها النظار المصريين من كل سلطة فعلية لهم؛ تشبه تعليمات «جرانفيل» إلى «بارنج» في 4 يناير 1884م وهي التعليمات التي استقال على أثرها «شريف باشا» رئيس مجلس النظار المصري وقتئذٍ.
على أن البحث الذي جرى بعد سقوط أم درمان بين «كرومر» والحكومة المصرية — حول مستقبل السودان — لم يلبث أن أبرز بوضوح كل المشكلات التي كان مترقبًا أن يثيرها ابتكار وضع سياسي للسودان على الأساس الجوهري الذي دلَّ عليه رفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب في الخرطوم: أي مشاركة البريطانيين في حكومة السودان، وعلى أن يكون لهم كل السيطرة على حكومته عن طريق هذه المشاركة ذاتها، وكانت المشكلات الكبيرة التي واجهها «كرومر» هي:
أوَّلًا: مشكلة السيادة: ولم يكن في وسع «كرومر» مناقضة السياسة التي جرت عليها حكومته، منذ اعتزمت استرجاع مديرية دنقلة ثم بقية السودان (1896م)؛ من حيث اعتبار أن لمصر حقوقًا ثابتة في السيادة على السودان، لم تلغها ثورة المهدي؛ كما أنه لم يكن يريد بحال من الأحوال مناقضة هذه السياسة؛ لأن استرجاع السودان — وهي العملية التي شاركت فيها إنجلترا «بالمال والرجال» كما قالت — قامت أصلًا على أساس هذه الحقوق التي تريد مصر استئناف ممارستها؛ ولأن الوضع السياسي في مصر نفسها لم يدخل عليه أي تغيير قانوني بالرغم من وجود الاحتلال البريطاني، فهي ما زالت قانونًا، ومن الناحية الدولية تابعة لتركيا، وما زالت لتركيا حقوق في السيادة على مصر والسودان معًا.
ثانيًا: مشكلة الحكم: وكان وجه الخطر في نظر «كرومر» إذا أُعيد في السودان الوضع السياسي إلى ما كان عليه قبل ثورة المهدي أن تستعيد مصر سلطانها الكامل هناك، وهو السلطان المستمد من حقوق سيادتها عليه؛ ومعنى ذلك أن مصر تستأثر بكل أسباب الحكم في السودان. ولم يكن «كرومر» يريد أن تنفرد مصر بالحكم لأسباب اتخذها في الحقيقة ذريعة ليستر بها التوسع الاستعماري البريطاني في أفريقيا؛ هي أن الثورة المهدية إنما قامت بسبب سوء الحكم المصري السابق، وأن من المتوقع إذا عادت حكومة المصريين منفردة إلى السودان أن يسوء الحكم مرة أخرى. وليس من العدل علاوة على ذلك أن يُرغم السودانيون على قبول «حكومة» كانوا ثاروا عليها للخلاص منها وطردها، وواضح أن «كرومر» كبقية معاصريه من الإنجليز الذين كتبوا في تاريخ السودان بعد هذه الحوادث كان يعتقد مخطئًا أن الحكومة التي أقامها المصريون في السودان كانت حكومة ظالمة غاشمة انتشرت في عهدها المفاسد، وأن فساد هذه الحكومة كان مبعث الثورة المهدية. وعلى كل حال فقد رأى «كرومر» في مشاركة البريطانيين للمصريين الحكم ضمانًا لإقامة الحكومة الطيبة الرشيدة في السودان.
ثالثًا: مشكلة الامتيازات الأجنبية: وكان سبب هذه الرغبة في إقامة الحكومة الطيبة والرشيدة أن رفض «كرومر» أن يبقى الوضع السياسي على الحال التي كان عليها قبل فقد السودان، ودون أي تغيير يدخل عليه قد يكون بمثابة المبرر لإزالة بعض العوامل التي اعتبرها «كرومر» معطلة لكل إصلاح؛ ذلك بأن وضع السودان السابق بحكم تبعيته لتركيا كجزء من الباشوية ثم الخديوية المصرية حسب نصوص الفرمانات، من سنة 1841م إلى سنة 1879م؛ كان سببًا في أن تسري به كسريانها في بقية أملاك الإمبراطورية العثمانية معاهدات الامتيازات الأجنبية، وشكا «كرومر» كثيرًا من الامتيازات التي وقفت حائلًا دون انطلاق سياسته الإصلاحية في مصر بالمدى الذي يريده، وكان لذلك يريد تجنيب السودان مساوئ هذه «الامتيازات الأجنبية»، التي خبر بلواها السودان نفسه وخصوصًا أمام ازدهار تجارة الرقيق.
رابعًا: مشكلة تركيا: وكان لذلك إذن أن صار واجبًا أن يعمل «كرومر» لاستبعاد تركيا وأي نفوذ لها من شئون السودان عند اختيار الوضع السياسي الجديد له. ولقد شاهدنا كيف أن تركيا كانت تكثر من الاحتجاجات والاستفسارات بخصوص السودان على اعتبار أن لها حقوقًا عليا في السيادة على مصر والسودان معًا، وأن الخديوي تابع للسلطان العثماني، ولم يكن سهلًا من ناحية القانون الدولي تجاهل هذه الحقيقة؛ كما أنه كان من المتعذر من ناحية أخرى التسليم بوجهة النظر العثمانية بحذافيرها عندما كانت محاولات الباب العالي ظاهرة أولًا لتقرير سلطانه على الخديوية، أمام واقع الاحتلال البريطاني، ثانيًا لوضع السودان نفسه ومنذ ديسمبر 1883م تحت سيادته المباشرة، وكان معنى تقرير هذه السيطرة العثمانية أن تتنازع السلطة من الناحية العملية في الوضع المزمع اختياره للسودان أطراف ثلاثة: تركيا ومصر وبريطانيا. ومن المنتظر في هذه الحالة أن يصعب على بريطانيا أن تنال مبتغاها من حيث الانفراد بالصوت المسموع «أو الراجح»، أو السيطرة الكاملة في شئون السودان. ولذلك فقد كان من رأي «كرومر» ضرورة استبعاد تركيا استبعادًا كليًّا تحقيقًا لهذا الغرض المزدوج؛ استئثار بريطانيا بالسلطة في السودان، وإنقاذ السودان نفسه من المساوئ المقترنة بتطبيق الامتيازات الأجنبية، والتي يعطل تطبيقها كل أعمال الحكومة، ويعاكس كل إصلاح.
هذه الاعتبارات جميعها إذن هي التي استند عليها «كرومر» عندما وضع في نوفمبر 1898م مشروعًا للاتفاق الثنائي للحكم في السودان؛ أي لذلك الحل الذي ارتآه كرومر كفيلًا بتسوية كل المشكلات التي كان عليه أن يواجهها عند النظر في نوع الوضع السياسي الذي يجب أن يكون للسودان في عهده الجديد.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)