الصومال الإنجليزي
تألف الصومال الإنجليزي من المنطقة التي تضم موانئ زيلع وبلهار وبربرة على خليج عدن، وهي التي استولى عليها الإنجليز منذ أن أخلاها المصريون بين عامَي 1885م، 1888م. وقد مرَّ بنا أن هرر التي ميناؤها زيلع استولى عليها منليك الثاني ملك شوي في سنة 1887م. وفي معاهدة 2 / 9 فبراير 1888م اعترفت فرنسا بالحماية البريطانية على ساحل الصومال البريطاني. وسوف يأتي الكلام عن هذه المعاهدة مرة ثانية في موضوع الصومال الفرنسي. ولما كانت الدول قد اتفقت في مؤتمر برلين «المادة 34 من قرار برلين في 26 فبراير 1885م»، على أن تقوم كل دولة بتبليغ الدول الأخرى عندما يتم لها امتلاك جزء من الأراضي أو السواحل الأفريقية غير أملاكها الراهنة، أو بدون أن يكون لها أملاك سابقة، أو عندما تؤسس «محمية» لها في هذه الجهات؛ فقد أبلغت بريطانيا الدول في 20 يوليو 1887م أن الساحل الصومالي ابتداء من رأس جيبوتي إلى بندر زيادة (Bandar Siyada) قد وُضع تحت الحماية البريطانية، ولم تعترض دولة من الدول على هذا التبليغ.
الصومال الفرنسي
والأصل في تأسيس هذه المستعمرة امتلاك الفرنسيين لميناء «أوبوك» (Obok) والمنطقة المجاورة لها. وكانت الحكومة الفرنسية أوعزت إلى «هنري لامبرت» (Henri Lambert) قنصلها في عدن اختيار نقطة تصلح كمحطة لسفنها في هذه الجهات، فابتاع ميناء «أوبوك» من مشايخها في سنة 1885م. وفي سنة 1862م عقد «شيفر» (Scheffer) معاهدة مع مشايخها لامتلاكها. و«أوبوك» هذه واقعة على خليج «جون» تاجورة من خليج عدن. وفي 9 أبريل 1884م عقدت فرنسا معاهدة صداقة مع سلطان ناحية أخرى في طرف جون تاجورة تُسمى «قبة الخراب». وفي 21 سبتمبر 1884م عقدت فرنسا معاهدة مع سلطان تاجورة «أبلغتها رسميًّا إلى الحكومة البريطانية في 11 فبراير 1885م»، وبمقتضى هذه المعاهدة تنازل سلطان تاجورة عن المنطقة من «رأس علي» إلى «قبة الخراب». وفي 18 أكتوبر 1884م تنازل سلطان تاجورة عن «رأس علي» و«سجالو» (Sagallo) و«قبة الخراب». وفي 14 ديسمبر 1884م تنازل كذلك عن أراضٍ أخرى لفرنسا.
وأما الخطوة التالية الهامة، فكانت تأسيس محطة أفضل في الجهة المقابلة «لأوبوك» على خليج تاجورة، وذلك عند رأس جيبوتي (Jibuti)، وهي نقطة تسيطر على نهاية طريق القوافل من هرر ومن الحبشة، في سنة 1887م.
وحصل الاحتكاك بين السلطات في الصومالين الفرنسي والإنجليزي؛ لأن الفرنسيين احتلوا موقعًا (= دونجاريتا) (Dongarita) على الساحل بين زيلع وبربرة ويدخل في دائرة النفوذ الإنجليزي، فأسفر هذا الاحتكاك عن عقد اتفاق إنجليزي-فرنسي في 2 / 9 فبراير 1888م لتحديد مناطق النفوذ في خليج تاجورة وعلى ساحل الصومال، على أساس أن يتخلى الفرنسيون عن «دونجاريتا»، وأن يعترفوا بالحماية الإنجليزية على ساحل الصومال من عند خط الحدود الفاصل بين الصومالين الفرنسي والإنجليزي لغاية «بندر زيادة» آخر حدود الصومال الإنجليزي الشرقية الحالية؛ وذلك في نظير أن يعترف الإنجليز للفرنسيين بنفوذهم في سواحل خليج تاجورة. ولما كان هذا الاتفاق مؤسسًا على اعتبار أن هذه الأراضي «ملك مباح» (Res Nullius) مع أن لمصر وتركيا معًا حقوقًا في السيادة عليها، فقد بقي هذا الاتفاق سرًّا مكتومًا؛ لعدم إزعاج تركيا أو مصر، ولم يُذَعْ أمره إلا في سنة 1894م. ومن المسلَّم به أن الحكومة البريطانية ما كانت تعقد أصلًا هذا الاتفاق إذا كانت تعترف وقتئذٍ بأنه لا يزال لمصر حقوق على هذه الأراضي بعد إخلائها. ولقد أرادت إنجلترا أن تصل من اتفاق 2 / 9 فبراير 1888م إلى تحقيق غرض آخر هو منع امتداد النفوذ الفرنسي إلى الحبشة. فتعهدت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية — في المادة الرابعة من مواد هذا الاتفاق — بألَّا تسعيا لضم هرر، أو لوضعها تحت الحماية. واعتبرت الحكومتان أن هذا التعهد بالامتناع من جانبهما عن الضم أو الحماية لا يعني أنهما متنازلتان عن حقهما في معارضة أية محاولات قد تقوم بها دولة أخرى للاستيلاء على هرر أو لوضعها تحت حمايتها. واعتبرت الدولتان أن استيلاء الحبشة على هرر لا يدخل في منطوق هذه المادة؛ لأن الحبشة من الدول الأفريقية، وليست دولة كبرى، أي من الدول التي تعنيها المعاهدة.
وفي مايو سنة 1896م وُضعت هذه الأقاليم تحت إدارة موحدة، وصارت تُعرف باسم الصومال الفرنسي، وجُعلت عاصمته جيبوتي.
الصومال الإيطالي
احتل الطليان بقية الساحل الجنوبي لخليج عدن بعد آخر حدود الصومال الإنجليزي عند نقطة بندر زيادة، ثم الساحل الصومالي إلى نهر جوبا «الجب». وبدأ احتلال الطليان عقب احتلال الإنجليز لخليج عدن (1884م). وفي فبراير 1889م قبلت سلطة أوبيا «في الصومال» الحماية الإيطالية؛ وفي أبريل من السنة نفسها قبلت في شمالها سلطنة «ميجورتين» هذه الحماية. ولما كان الطليان عقدوا مع منليك معاهدة «أوتشيالي» (Uccialli) السالفة الذكر في قرية بهذا الاسم (في 2 مايو 1889م)، وادَّعوا أنها أعطتهم حق الحماية على الحبشة. ورفض منليك — في ظروف سيأتي ذكرها — هذا التفسير للمعاهدة، وناقش ادعاءات الطليان على بلاده، فقد صار يهتم الطليان بأن ينالوا من البريطانيين الاعتراف بحقوقهم في المنطقة المتاخمة لأملاك الآخرين؛ أي في الصومال الإيطالي والاعتراف بادعاءاتهم في السودان الشرقي كذلك. ووافق البريطانيون من جانبهم على تحديد مناطق النفوذ بينهم وبين الطليان في الصومال من جهة، وعلى إطلاق يد الطليان في احتلال كسلا والبلاد المجاورة لها حتى نهر العطبرة من جهة ثانية؛ وذلك خوفًا من أن تنهار حكومة الخليفة عبد الله قبل أن تكون مصر بلغت من القوة أو القدرة المالية ما يهيئها لاسترجاع أملاكها المفقودة، فأرادت الاحتفاظ بالحقوق التي لمصر في هذه الجهات.
وعلى ذلك فقد أُبرم اتفاقان بين إيطاليا وإنجلترا في 24 مارس، 15 أبريل 1891م لتحديد منطقة النفوذ الإيطالي. فاتفاق 24 مارس 1891م يرسم خط الحدود بين منطقة النفوذ البريطاني والإيطالي ابتداء من نهر جوبا «الجب» إلى النيل الأزرق، بحيث يدخل الصومال الإيطالي ومستعمرة إرتريا إلى رأس قصَّار، أقصى نقطة على الساحل الأريتري في الشمال، وبحيث تدخل كذلك كسلا والمنطقة المجاورة لها لغاية نهر العطبرة في دائرة النفوذ الإيطالي، بينما تخرج قسمايو من دائرة هذا النفوذ عند أقصى حدود الصومال الإيطالي الجنوبية، كما يخرج بطبيعة الحال من دائرة النفوذ الإيطالي الصومالان: البريطاني والفرنسي.
ومما يجدر ذكره أن الحكومة البريطانية ولو أنها أطلقت يد إيطاليا في احتلال كسلا والجهات الممتدة إلى نهر العطبرة إذا دعت ضرورة الموقف الحربي إلى هذا الاحتلال؛ فقد احتفظت في نفس المعاهدة بحقوق الحكومة المصرية في استرجاع هذه المنطقة «بما فيها كسلا» من إيطاليا، بمجرد أن تتهيأ الحكومة المصرية لذلك. ويقول وليم لانجر (William Langer) في كتابه عن الدبلوماسية الإمبريالية: «الواضح أن هذا الجزء عينه من السودان كان عليه أن يخضع لنوع من المعالجة، يختلف عما تُعالج به مناطق البحر الأحمر الأخرى التي كان لمصر عليها نفس الحقوق القائمة. والسبب في ذلك بطبيعة الحال هو أن كسلا تقع على نهر هام يلتقي بالعطبرة، وتبغي الحكومة البريطانية ويهمها أن تتمسك ببعض السيطرة عن طريق مصر على مورد الماء.»
ويقول «لانجر»: إن هذه الرغبة من جانب بريطانيا في إبعاد الطليان عن نهر النيل تتضح من النتيجة التي وصلت إليها بريطانيا في كل اتفاقاتها مع هؤلاء، حيث كانت هذه دائمًا أن تبقى دائرة النفوذ الإيطالي بعيدة بنحو المائة ميل عن أقرب مكان لمشارف هذا النهر. وعلى ذلك فقد نصت المادة الثالثة من اتفاق 15 أبريل 1891م على أن تتعهد الحكومة الإيطالية بالامتناع عن إقامة منشآت للري على نهر العطبرة قد تؤثر على كمية المياه الواصلة إلى النيل.
وفي اتفاق 5 مايو 1894م بين إنجلترا وإيطاليا أمكن أن يستكمل تخطيط الحدود الذي بدأ في الاتفاقين «البروتوكولين» السابقين بين منطقتَي النفوذ الإنجليزي والإيطالي في خليج عدن وفي الصومال. وفي معاهدة «أديس أبابا» التي أبرمها عن الحكومة البريطانية «رينل رود» (Rennell Rodd) مع منليك الثاني في 14 مايو 1897م — وسوف يأتي الكلام مفصلًا عن هذه المعاهدة في موضعه — تعدل بمقتضى الملحق الثالث لهذه المعاهدة خط الحدود بين الصومالين الإنجليزي والفرنسي، كما رسمت المعاهدة الإنجليزية-الفرنسية في 2 / 9 فبراير 1888م، ثم خط الحدود بين الصومالين الإنجليزي والإيطالي كما رسمته المعاهدة الإنجليزية-الإيطالية في 5 مايو 1894م، بحيث أدخلت ضمن حدود الحبشة بلاد العيسى هَبروال.