

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اتفاق أو وفاق الحكم الثنائي
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 464 ــ 472
2026-04-20
28
انعقد مجلس النظار المصري للنظر في مشروع الاتفاق الذي أبلغه كرومر لوزير الخارجية بطرس باشا غالي. واتضح أن المجلس لم يكن لديه غير نسخة واحدة من هذا المشروع، وأن أكثر النظَّار لم يكونوا قد اطلعوا على المشروع. كما اتضح أن النظار جميعًا كانوا مع ذلك متفقين على قبول الوفاق بالصورة التي قُدم إليهم بها، وذلك بالرغم من أنهم كانوا يعرفون موقف الخديوي من هذا الاتفاق، وهو الذي اعتبر «أنه لا يجوز للحكومة المصرية عقد اتفاق كهذا؛ لأن فيه اعتداء على السيادة التركية.» وأقر مجلس النظار المصري مشروع الاتفاق.
وفي 19 يناير 1899م وقَّع بطرس باشا غالي نائبًا عن الحكومة المصرية واللورد كرومر نائبًا عن الكومة البريطانية وثيقة «وفاق بين حكومة جلالة ملكة الإنجليز، وحكومة الجناب العالي خديوي مصر بشأن إدارة السودان في المستقبل.» وفيما يلي نص الوفاق:
حيث إن بعض أقاليم السودان التي خرجت عن طاعة الحضرة الفخيمة الخديوية قد صار افتتاحها بالوسائل الحربية والمالية التي بذلتها بالاتحاد حكومتا جلالة ملكة الإنجليز والجناب العالي الخديوي.
وحيث قد أصبح من الضروري وضع نظام مخصوص لأجل إدارة الأقاليم المفتتحة المذكورة وسن القوانين اللازمة لها بمراعاة ما هو عليه الجانب العظيم من تلك الأقاليم على حال من التأخر وعدم الاستقرار إلى الآن، وما تستلزمه حالة كل جهة من الاحتياجات المتنوعة.
وحيث إنه من المقتضى التصريح بمطالب حكومة جلالة الملكة المترتبة على ما لها من حق الفتح؛ وذلك بأن تشترك في وضع النظام الإداري والقانون الآنف ذكره، وفي إجراء تنفيذ مفعوله وتوسيع نطاقه في المستقبل.
وحيث إنه تراءى من جملة وجوه أصوبية إلحاق وادي حلفا وسواكن إداريًّا بالأقاليم المفتتحة المجاورة لهما.
فلذلك قد صار الاتفاق والإقرار فيما بين الموقعَين على هذا بما لهما من التفويض اللازم بهذا الشأن على ما يأتي وهو:
المادة الأولى
تُطلق لفظة السودان في هذا الوفاق على جميع الأراضي الكائنة جنوبي الدرجة الثانية والعشرين في خطوط العرض وهي:
أوَّلًا: الأراضي التي لم تخلها قط الجنود المصرية منذ 1882م.
ثانيًا: الأراضي التي كانت تحت إدارة الحكومة المصرية قبل ثورة السودان الأخيرة، وفُقدت منها وقتيًّا، ثم افتتحتها الآن حكومة جلالة الملكة والحكومة المصرية بالاتحاد.
ثالثًا: الأراضي التي قد تفتحها بالاتحاد الحكومتان المذكورتان من الآن فصاعدًا.
المادة الثانية
يُستعمل العلم البريطاني والعلم المصري معًا في البر والبحر بجميع أنحاء السودان، ما عدا مدينة سواكن فلا يُستعمل فيها إلا العلم المصري فقط.
المادة الثالثة
تُفوض الرئاسة العليا العسكرية والمدنية في السودان إلى موظف واحد، يُلقب «حاكم عموم السودان»، ويكون تعيينه بأمرٍ عالٍ خديوي بناء على طلب حكومة جلالة الملكة، ولا يُفصل عن وظيفته إلا بأمرٍ عالٍ خديوي، يصدر برضاء الحكومة البريطانية.
المادة الرابعة
القوانين وكافة الأوامر واللوائح التي يكون لها قوة القانون المعمول به، والتي من شأنها تحسين إدارة حكومة السودان، أو تقرير حقوق الملكية فيه بجميع أنواعها وكيفية أيلولتها والتصرف فيها، يجوز سنها أو تحويرها أو نسخها من وقت إلى آخر بمنشور من الحاكم العام، وهذه القوانين والأوامر واللوائح يجوز أن يسري مفعولها على جميع أنحاء السودان أو على جزء معلوم منه، ويجوز أن يترتب عليها صراحة أو ضمنًا تحوير أو نسخ أي قانون، أو أية لائحة من القوانين واللوائح الموجودة.
وعلى الحاكم العام أن يبلغ على الفور جميع المنشورات التي يصدرها من هذا القبيل إلى وكيل وقنصل جنرال الحكومة البريطانية بالقاهرة، وإلى رئيس مجلس نظار الجناب العالي الخديوي.
المادة الخامسة
لا يسري على السودان أو على جزء منه شيء ما من القوانين أو الأوامر أو القرارات الوزارية المصرية التي تصدر من الآن فصاعدًا إلا ما يصدر بإجرائه منهم منشور من الحاكم العام بالكيفية السالف بيانها.
المادة السادسة
المنشور الذي يصدر من حاكم عموم السودان ببيان الشروط التي بموجبها يُصرح للأوروبيين من أية جنسية كانت بحرية المتاجرة أو السكنى بالسودان، أو تملك ملك كائن ضمن حدوده، لا يشمل امتيازات خصوصية لرعايا أية دولة أو دول.
المادة السابعة
لا تُدفع رسوم الواردات على البضائع الآتية من الأراضي المصرية حين دخولها إلى السودان، ولكنه يجوز مع ذلك تحصيل الرسوم المذكورة على البضائع القادمة من غير الأراضي المصرية، إلا أنه في حالة ما إذا كانت تلك البضائع آتية إلى السودان عن طريق سواكن أو أية ميناء أخرى من موانئ ساحل البحر الأحمر؛ لا يجوز أن تزيد الرسوم التي تحصل عليها عن القيمة الجاري تحصيلها حينئذٍ على مثلها من البضائع الواردة إلى البلاد المصرية من الخارج. ويجوز أن تقرر عوائد على البضائع التي تخرج من السودان بحسب ما يقدره الحاكم العام من وقت إلى آخر بالمنشورات التي يصدرها بهذا الشأن.
المادة الثامنة
فيما عدا مدينة سواكن، لا تمتد سلطة المحاكم المختلطة على أية جهة من جهات السودان، ولا يُعترف بها فيه بوجه من الوجوه.
المادة التاسعة
يعتبر السودان بأجمعه ما عدا مدينة سواكن تحت الأحكام العرفية، وذلك إلى أن يتقرر خلاف ذلك بمنشور من الحاكم العام.
المادة العاشرة
لا يجوز تعيين قناصل أو وكلاء قناصل أو مأموري قنصليات بالسودان، ولا يُصرح لهم بالإقامة به قبل المصادقة على ذلك من الحكومة البريطانية.
المادة الحادية عشرة
ممنوع منعًا مطلقًا إدخال الرقيق إلى السودان أو تصديره منه، وسيصدر منشور بالإجراءات اللازم اتخاذها للتنفيذ بهذا الشأن.
المادة الثانية عشرة
قد حصل الاتفاق بين الحكومتين على وجوب المحافظة منهما على تنفيذ مفعول معاهدة بروكسل المبرمة بتاريخ 2 يوليو سنة 1890م، فيما يتعلق بإدخال الأسلحة النارية والذخائر الحربية والأشربة المقطرة أو الروحية وبيعها أو تشغيلها.
تحريرًا بالقاهرة في 19 يناير 1899م – الإمضاءات «كرومر»، بطرس غالي.
هذا، وفي اتفاقٍ لاحق بتاريخ 10 يوليو 1899م أُلغيت النصوص الواردة في وفاق 19 يناير 1899م، «التي كانت بموجبها مدينة سواكن مستثناة من أحكام النظام الذي تقرر في ذلك الوفاق لإدارة السودان في المستقبل». وهي النصوص التي كان معترفًا بفضلها بامتداد سلطة المحاكم المختلطة إلى سواكن فقط ومن دون سائر بلدان السودان؛ وبذلك يكون اكتمل للورد كرومر تحقيق أمنيته الرئيسية — دائمًا إلى جانب استئثار الإنجليز بالسيطرة في إدارة السودان — من ذلك الوضع السياسي الذي أوجد «الدولة المولدة» في السودان.
•••
كتب اللورد كرومر سنة 1908م، وهو يحاول تفسير المبادئ أو بيان الأسباب التي قام عليها اتفاق الحكم الثنائي في السودان ما يمكن نقله إلى العربية فيما يلي بتصرف قليل:
إنه في سنة 1898م، كان للسيطرة العثمانية في السودان سواء كانت هذه ممثلة في شخص السلطان أم في شخص الخديوي، من قوة الاعتبار ما يجعل ضروريًّا الاعتراف بها كحقيقة واقعة، ولا يمكن النظر إليها في العرف الدبلوماسي كأنها مجرد خيال أو طيف؛ وبالرغم من أنها في بعض الأحيان كانت تتبخر كشبح في الهواء، فإن الهيكل كان يبقى دائمًا ملحوظًا وبدرجة كافية، لا يتسنَّى معها إغفال هذه الحقيقة عند وضع النظام السياسي المطلوب للسودان.
ولقد تسبب عن سوء الحكم المصري في السودان قيام الثورة قبل خمس عشرة سنة، وبفضل الحكم البريطاني في مصر أمكن أن تنهض مصر عسكريًّا وماليًّا بالدرجة التي تبرر السير في سياسة ترمي إلى استرجاع السودان. ولكن الذي استرجع أو فتح السودان كان في واقع الأمر إنجلترا وليس مصر. حقيقة، تحملت الخزينة المصرية أكبر قسط من النفقات، وأن العسكر المصريين وضباطهم مع ذلك من الإنجليز؛ كانت جهودهم في الحملة مشرفة للغاية، ولكن يد إنجلترا كانت هي المرشدة سواء أثناء الاستعداد والتأهب، أم عند تنفيذ السياسة التي هدفت لاسترجاع السودان. ومن السخرية افتراض أن من غير المعاونة البريطانية بالمال والرجال والإرشاد عمومًا، كان في وسع الحكومة المصرية أن تفتتح السودان ثانية.
وعلى هذا الأساس إذا ضمت إليها إنجلترا هذه الأراضي التي افتُتحت، فهناك ما يبرر هذا العمل جزئيًّا، ولكن هناك أسباب لها وزنها ضد هذا الإجراء:
أوَّلًا: أن الدور الذي قامت به مصر في هذا الجهد المشترك — ولو أنه ثانوي — كان دورًا مفيدًا ومشرفًا، بالرغم من أن إنجلترا هي الشريكة الأكبر بلا نزاع في الشركة الإنجليزية المصرية، ومن الظلم تجاهل مطالب مصر عند تقرير الوضع السياسي للسودان.
ثانيًا: هذه الأسباب أن الحملة من أولها إلى آخرها كانت باسم الخديوي، فإذا حدث مباشرة عقب انتهائها أن اتخذ إجراء له أثر حاسم باسم الحكومة البريطانية وبفعلها وحدها، فمعنى ذلك أن تغييرًا حصل بلا مقدمات، وموضع اعتراض قد طرأ على السياسة التي ظلت متبعة حتى هذه اللحظة.
ثالث الأسباب: وهو سببٌ يكفي وحده لأن يكون قاطعًا في رفض إجراء ضم هذه الأراضي إلى إنجلترا، أن ليس في صالح بريطانيا العظمى أن تأخذ على عاتقها مسئوليات جديدة إلى جانب مسئولياتها التي صارت في الوقت الحاضر ممتدة إلى كل أنحاء العالم؛ وذلك بأن تتحمل أعباء الحكم المباشر في أراضٍ أخرى شاسعة في أفريقيا.
هذه الاعتبارات، إلى جانب غيرها مما لا داعي لذكره، أفضت جميعها إلى نتيجة واحدة هي أن من الضروري اعتبار السودان أرضًا عثمانية، وأن السودان لذلك يجب حسب الفرمانات الشاهانية أن يقوم بالحكم فيه الخديوي الذي هو تابع السلطان.
ومع ذلك فإن هناك اعتراضًا يستند إلى أساس صحيح ضد الأخذ بهذا الإجراء؛ هو أنه إذا جاء الوضع السياسي للسودان مطابقًا من كل الوجوه للوضع السياسي الذي لمصر؛ فالنتيجة المترتبة على ذلك بالضرورة هي أن إدارة هذه البلاد (السودان) سوف يكون عليها أن تتحمل عبء إدخال الامتيازات الأجنبية إلى السودان، بل وفي واقع الأمر تحمل كل حواشي تلك الدولية التي تسبب كثيرًا في تعطيل تقدم مصر. ومن السخرية أن تضحي بريطانيا بأبنائها، وأن تنفق أموالًا من أجل أن تزود الدول بأسلحة إلى جانب ما لديها منها، وهي التي قد تصبح إحداها (أي إحدى هذه الدول) في المستقبل من أعداء إنجلترا. وزيادة على ذلك فإن الأخذ بهذا الإجراء يؤذي أذًى بليغًا المصالح المصرية، فقد أوذيت مصر أكثر مما أوذيت إنجلترا من هذا الكابوس الدولي.
ومن هنا نشأت معضلة من وجهين، وإن شئت من ثلاثة وجوه، حيث كان لا بدَّ من الملاءمة أو الموافقة بين حججٍ ثلاثٍ هدامة.
فلقد كان أوَّلًا أمرًا أساسيًّا أن يكون النفوذ البريطاني، عمليًّا، هو النفوذ المستعلي، أو الذي له السيطرة الكاملة في السودان؛ وذلك حتى لا ينال المصريون «حرية زنيمة» (Bastard Freedom) ليكرروا مساوئ حكومتهم السابقة.
وثانيًا: ليس ممكنًا استخدام النفوذ البريطاني وتحت شروط مثل تلك غير المحددة والشاذة السائدة في مصر دون أن يؤدي ذلك إلى إدخال النظام الدولي الفتاك، والذي يضر بالسودان.
وثالثًا: كان ممنوعًا لأسباب سياسية، وتقوم على تحري العدالة والإنصاف اتخاذ إجراء ضم السودان إلى إنجلترا؛ أي اتخاذ الإجراء الذي كان يحسم هذه العقدة الدولية.
وبناءً عليه فقد صار ضروريًّا ابتكار الطريقة التي يتسنَّى بها أن يكون السودان مصريًّا بالدرجة التي ترضي اعتبارات العدالة وضرورات السياسة، وأن يكون مع ذلك بريطانيًّا بالدرجة التي تكفي لمنع تعويق أو تعطيل إدارة وحكومة البلاد بسبب تلك الطفيليات الدولية التي تعيش بالضرورة على جوانب الحياة السياسية في مصر.
وكان واضحًا أن كل هذه المطالب المتضاربة لا يمكن أن يحققها إلا ابتكار نوع من الحكم المولد لم يسبق أن عرف الفقه الدولي شيئًا عنه.
لقد تناول البحث المسألة، وأنا موجود بلندن في يوليو 1898م. ولكن في ذلك الوقت لم يكن اقتراح حل للطريقة التي يتسنَّى بها تحقيق الأغراض المنشودة؛ غير أن التعليمات صدرت إلى للورد كتشنر بأن يرفع العلمين البريطاني والمصري جنبًا إلى جنب عند الاستيلاء على الخرطوم؛ وذلك حتى يأتي هذا كإشارة ظاهرة إلى أن الوضع السياسي للسودان — في نظر الحكومة البريطانية — إنما يختلف عن الوضع السياسي الذي لمصر، وهذه الأوامر نُفذت. ولكن لم يلفت هذا الإجراء النظر كثيرًا بسبب الحرب، والانشغال بأفراح النصر، فلم تتضح أهميته إلا بعد مرور خمسة شهور. فقد ألقيتُ خطابًا في أم درمان في 4 يناير 1899م، وكنت حينئذٍ هناك، على المشايخ المجتمعين، وكما كنت أريد، وأتوقع لفت هذا الخطاب الأنظار كثيرًا. وكان المقصود أن يسترعي انتباه الناس في مصر وأوروبا بقدر ما كان مقصودًا أن يلفت نظر أولئك الذين استمعوا له، وقلت في أثناء هذا الخطاب: أنتم ترون العلمين البريطاني والمصري يخفقان على هذا المكان، إن في هذا إشارة إلى أنكم ستُحكَمون في المستقبل بملكة إنجلترا وخديوي مصر. وكان لا سبيل لعدم فهم المراد من هذه العبارة، ولم يكن هناك رغبة في أن يخطئ إنسان فهم المراد منها، ومعناها أن السودان سوف يحكمه شريكان، وأن إنجلترا هي الشريك صاحب النفوذ أو السلطان الراجح.
وقبل إلقاء هذه الخطبة كنت قدمت للورد سولسبري مشروع اتفاق (Agreement) بين الحكومتين البريطانية والمصرية لتعيين وضع السودان السياسي، وقام بإعداد هذا المشروع وبناء على التعليمات التي أصدرتُها إليه السير مالكولم ماكليريث المستشار القضائي للحكومة المصرية. وبعد عودتي إلى القاهرة بقليل صدر لي الأمر بالتوقيع، وبناء عليه فقد وقعه وزير الخارجية المصري ووقعته أنا أيضًا في 19 يناير 1899م …
إن النقطة الأولى — وهي أهم النقط في هذا الوفاق — كانت إثبات أن لملكة إنجلترا حقًّا في ممارسة حقوق السيادة في السودان بالاشتراك مع الخديوي. ولا يمكن أن يستند ذلك إلا على أساس واحد، هو حق الفتح. ومن مزايا الحق المستنِد على هذا الأساس أنه متفق مع واقع الموقف، ثم هو كذلك إن لم يكن متفقًا مع القانون الدولي — ومن الواضح أن من المتعذر إطلاق التزام قواعد معينة منه إلا في بعض الحالات الخاصة — فهو على كل حال متفق مع ما يجري العمل به بين الدول «دوليًّا» على نحو ما يقول به الثقات. وعلى ذلك فقد جاء النص في مقدمة الوفاق على «أنه من المقتضى التصريح بمطالب حكومة جلالة الملكة المترتبة على ما لها من حق الفتح؛ وذلك بأن تشترك في وضع النظام الإداري والقانوني الآنف ذكره، وفي إجراء تنفيذ مفعوله وتوسيع نطاقه في المستقبل.»
وعند تقرير أو قبول هذا المبدأ تمهد الطريق للعمل مرحلة أخرى، فقد أُزيلت بجرَّة قلم ادعاءات السيادة التي للأتراك من الناحية العملية، وإن بقيت هذه من الناحية الاسمية. واختفاء هذه الادعاءات اقترن به إلغاء كل تلك الامتيازات التي كانت للدول الأوروبية في أملاك الدولة العثمانية الأخرى من أجل منع السلطان من إساءة حقوق السيادة التي له. وكان كل الذي بقي بعد ذلك، الوصول إلى تسوية المسائل الأخرى بالصورة المناسبة والمؤدية فقط إلى رعاية مصالح طرفي هذا الوفاق وحدهما، وهما الحكومتان البريطانية والمصرية.
ثم انتقل «كرومر» إلى بيان الأسباب التي جعلت في رأيه احتجاجات السلطان على هذا الوفاق تذهب سدًى، وفحواها أن موقف إنجلترا من مسألة الحكم في السودان كان صحيحًا وعادلًا. كما أنه كان ثابتًا فلم يزحزح إنجلترا شيء عما أرادته؛ ولأن الدول كانت مقتنعة بأن وجود إنجلترا في السودان معناه أن رعايا الدول سوف يلقون معاملة عادلة؛ وأنه بفضل ما جاء في المادة السادسة من الوفاق سوف يلقى في نشاطهم التجاري كل رعايا الدول من ألمان وفرنسيين وإيطاليين وغيرهم نفس المعاملة التي يلقاها رعايا ملكة بريطانيا.
واختتم «كرومر» ملاحظاته بقوله:
وهكذا وُلد السودان الجديد، الذي أُعطي من القوة ما يكفيه لأن يعيش. ومع ذلك فقد كان لدرجةٍ ما بالضرورة مولود الفرصة السانحة. فإذا قُدر له أن يموت في آخر الأمر، ليخلي مكانه لمولود آخر أقوى بنية منه؛ وذلك لأن الذي أوجده نظامٌ سياسي حقيقي أكثر من الأول؛ فلا على الذين ابتكروه أن يبكوا على ذهابه.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)