مفهوما الوصل والبناء ومفهوم شدة الاتصال
إن لدرجة شدة اتصال الوحدات فيما بينها أهمية كبيرة وخاصة عندما تنشأ من هذا الاتصال وحدة من مستوى أعلى من مستواها. ولها حالتان على قول الرماني تكونان سببا لها وهما بتعبيره التعاقب مع التنوين ومثلا البناء مع ... أما التعاقب فهو أن يقوم الشيء مقام شيء آخر مع انتفاء اجتماعهما وقد مر بنا ويكون حينئذ العنصر بمعرفته وبدلا منه لأنه يأتي في موضعه. أما البناء مع... فهو تركيب بين عنصرين أو أكثر بحيث يصير المجموع وحدة قائمة بذاتها لا تنفصل إحداهما عن الأخرى وذلك مثل ما يقع في داخل الكلمة بين حروفها أو بين كلمتين في التركيب المزجي فالحروف مع حركاتها أو سكونها مبنية بعضها مع بعض في الكلمة وهو أشد الاتصال إطلاقا. ثم الزوائد في داخل الكلمة المصوغة فيها. فالصيغة في الكلمة هي دائما ناتجة عن بناء. وتعتبر كونها مبنية بتلاشي الكلمة إذا حذف الزائد المبني فيها لأنه عنصر من عناصر البناء. ولهذا لا يسمى هذا العنصر الدال الزائد كلمة. وبعد هاتين المرتبتين يأتي المركب المزجي. فالبناء ههنا هو بين كلمتين حتى صارنا ككلمة واحدة. قال سيبويه عن تأبط شراً كاسم علم أن الثاني مبني على الأول (2/ 65). أما ما فوق ذلك فهو مرتبة أخرى مختلفة تماما عما تحتها وهي مرتبة ما سميناه باللفظة وهي الاسم (أو الفعل) بما يدخل عليه أو يلحق به من الكلم الزوائد الخاصة به. فاتصال الاسم بها هو أضعف بكثير من الأول إذ بدخولها وخروجها قبولها للانفصال عن الاسم يجعل الاتصال ههنا أضعف لأنه مجرد وصل وليس بناء. ويعتبر هذا تحذف الزائد وبقاء الاسم على ما كان عليه أي دون أن يخل ذلك به. وبين سيبويه أن المضاف غير مبني مع المضاف إليه بقوله: المضاف لا يجعل مع غيره بمنزلة خمسة عشر وإنما يذهب عنه التنوين (1/ 351) ليقوم مقامه المضاف أليه. ويعتبر ذلك بأنه يعاقب التنوين كما قال سيبويه والخليل. وهذا ينطبق أيضا على أداة التعريف إلا أنها تعاقب المضاف إليه والتنوين معا وفي موضع آخر كما مر بنا فهي موصولة لأنها قابلة للحذف للتنكير ويؤكد الخليل ذلك بقوله: "ومما يدل على أن الى مفصولة من الرجل (أنها
تنفصل) ولم يبن عليها وأن الألف واللام فيها بمنزلة السين وسوف قول الشاعر ... بذل.... الوقف على أداة التعريف عند التردد أو عدم التذكر ولا يفعل مثل ذلك - علمناه - بشيء مما كان من الحروف الموصولة (1/ 64) وأما الصفة فاتصالها بالموصوف لا يماثل في الشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه على الرغم من أنها مما يتم به الاسم وكونها جزءا منه فيتضح من هذا أن اللفظة هي وحدة من نوع خاص يخالف تماما الوحدات الناتجة عن البناء لأنها تتمدد وتتقلص بقبول الزوائد فيها وبالاستغناء عنها وهي كلها كلم للانفصال الذي تتصف به كما مر بنا. فيضعف الاتصال في داخلها بين جميع العناصر مثل ما يوجد بين المضاف والمضاف إليه وبين الصفة والموصوف أو أداة التعريف والاسم المعرف. وتوجد مرتبة أخرى لا هي بناء محض ولا هي مجرد وصل تخص آخر الاسم ككلمة. فعناصرها كلها زوائد على الاسم ككلمة لا كلفظة بل كلو أحق للاسم. فهي مختلفة عنهما ونعني بذلك مرتبة تاء التأنيث وعلامة التثنية والجمع السالم وياء النسبة. قال سيبويه: هذا يدل على أن الهاء نضم إلى الأسماء كما يضم الاسم الآخر بالأول في المركب المزجي. ألا ترى أنها لا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة .... كما أن هذه الأسماء الآخرة لم تضم إلى الصدر لتلحق الصدر بينات الأربعة وذلك لأنها ليست زائدات في الصدور ولا هي منها لكنها موصولة بها. وأجريت مجرى عتريس ونحوه ولا يغير لها بناء كما لا يغير لياء الإضافة (2) وألف التأنيث أو غيرها من الزيادات... كما أن الأسماء الآخرة لم تغير بناء الأولى عن حالتها قبل أن تضم إليها. لم تغير خمسة في خمسة عشر عن حالها. فالهاء وهذه الأسماء مضمومة إلى الصدور كما يضم المضاف إلى المضاف إليه لأنهما كانا باثنين وصل أحدهما بالآخر. فالآخر بمنزلة المضاف إليه في أنه ليس من الأول ولا فيه وهما من الإعراب كاسم واحد لم يكن آخره باننا عن أوله. (1/ 342) فعلامة التأنيث موصولة بالاسم لأنه لا يغير إلحاقها به بنيته وكذلك انفصالها عنه ولكن سيبويه شبه هذا الوصل الذي يسميه ضما ببناء الاسم المركب وتركيب خمسة عشر كما شبه تاء التأنيث بالمضاف إليه مع أن بينهما علاقة وصل. فهو في الواقع يجعل هذه التاء - وياء النسبة لا تدخل في بناء الأسماء تحيتها لواحق وبدون أن تغير بناء ما سبقها فليست من
حروفها المكونة لها. فهي مثل المضاف إليه لأنها تدخل وتخرج لكن صارت مع ما دخلت عليه ككلمة واحدة فتقوم بدور آخر الكلمة ويقع فيها لذلك الإعراب فتشبه بذلك المركب مثل خمسة عشر من هذا الجانب. نستنتج من ذلك أن هناك بناء محض يُعلم وجوده بتلاشي الكلمة بانفصال أحد حروفها. وهناك وصل محض عند بقاء الكلمة بعد انفصال زائد من زوائدها على حالها كما هو حاصل في داخل اللفظة. وبينهما بناء وسط أو وصل وسط صم ترجع فيه الكلمة بانفصال الزائد إلى أصلها مثل: قائمة - قائم وبصرى - بصرة (وكذلك فعلت فعل كما سيأتي).
الخلاصة: تحديد مستويات اللغة بدرجة شدة الاتصال وصنفه
يمكن بعد هذا أن ترتب مستويات العربية الدالة هكذا:
1) المستوى الأول الأدنى يخص قسمة تركيب الحروف على جذور وهي الحروف الأصول المرتبة ثم هذه الجذور على أبنية فيصير هذان العنصران الجذر والصيغة كلمة بهذا التركيب. وهذا يخص الأسماء والأفعال ليس إلا. وماهية العلاقة التي تربط بين الحروف الأصول والزوائد في الصيغ هي البناء فقط كما حددناه أي التركيب مع تعذر الانفصال، وهو أشد الاتصال الاستحالة انفصال مكونات الكلمة المصوغة فيها. ولا تعاقب هذه المكونات الأساسية للكلمة أي عنصر آخر حتى الصفر وهو حذفها وإلا تلاشت الكلمة (إلا في حالات خاصة كما في الإعلال).
2) المستوى الثاني هو مستوى المركب من كلمتين أو أكثر، بالتركيب المزجي، فتصير بذلك كلمة واحدة، وهو بناء أيضا إلا أنه يقع بين الكلم لا بين الحروف الأصلية وغيرها وهو قليل بالنسبة لغيره (3).
3) المستوى الثالث وهو مستوى اللفظة كما حددناه وهو الاسم مع زوائده (أو الفعل مع زوائده كما سيأتي) الخارجة عنه إذن ككلمة وهي خاصة به. ولها حد ومثال كما مر بنا مثل مثل الكلم لأنها بنية من البني اللغوية بالمعنى الواسع. إلا أن ما يربط بين الكلم في داخل اللفظة هو مجرد وصل لقبولها، في داخل اللفظة فيما يخص الاسم وحده الانفصال بدخولها عليه وخروجها من اللفظة وتختلف عن الكلمة في هذه الصفة وفي أنها يتغير عدد عناصرها بدخولها وخروجها. فتكون اللفظة بخروج الزوائد كلها على كلمة واحدة وهو الاسم المفرد وهو مع ذلك لفظة لم تزل عنه صفة اللفظة. فهو كلمة داخل اللفظة ولفظة في داخل الكلام. واللفظة هي من المكونات الأساسية للكلام لا الكلمة وحدها كما مضى وما سيأتي. ولذلك يصير الاسم المفرد في داخل الكلام لفظة. فهو لفظة بوجوده فيه وليس كلمة بهذا الاعتبار كما صار يعتقده أكثر النحاة بعد القرن الرابع وهو كلمة في داخل لفظة. وهذا مستوى آخر. وذلك لوجود حراكية بالدخول والخروج للزوائد وتعاقب بعضها بعضا في كل الأحوال. وبهذه الصيغة يكون وحدة من جنس آخر غير الكلمة وذلك مثل الجملة بالنسبة للفظة أي الاسم مع زوائده (ولو تقديرا). فإذا قال سيبويه: الاسم هو ههنا مبتدأ فهو يعني الاسم مع زوائده الخاصة به تحقيقا أو تقديرا ولا يسميه إذا كان مع زوائده باسم خاص وإذا أراد أن يميز بين الحالتين قال: الاسم المفرد أي الكلمة الاسمية في ذاتها. وسنرى أن اللفظة الفعلية تسلك هذا المسلك إلا أنه لا تكون في الكلام إلا لفظة وجملة في وقت واحد (باعتبارين) لأن الفعل لا يفارقه فاعله مظهرا أو مضمرا.
أما ما يخص لواحق الاسم غير الزوائد المفصولة وعلاقاتها بالاسم فلا هي بناء ولا وصل محض وهو ما يسميه سيبويه بالضم. وقد يشبه البناء أو الوصل من بعض الوجوه وهذا يخص بعض الوحدات اللاحقة بالاسم كتاء التأنيث وياء النسبة. فهما مثل المضاف إليه في كونه موصولا غير مبني لأنه يدخل ويخرج وهو أيضا مثل المركب في أن التاء تصير آخر الكلمة ويصير كلاهما ككلمة واحدة فيقع عليها الإعراب فكأنها مبنية مع ما قبلها وحذفها يلزم منه رجوع الكلمة الأولى إلى ما كانت عليه في البنية قبل أن تلحق به التاء والياء (بصري ← بصرة).
وأما المستويات التي هي فوق اللفظة وهو بناء الكلام وما فوقه فهي تجري مجرى اللفظة كما ستراه من حيث الامتداد في الأبواب الآتية إن شاء الله وسنتطرق إلى ذلك بعد كلامنا عن هذا المستوى الخاص باللفظة.
__________________________
(1) أي لا يصير الثلاثي رباعيا بزيادة هاء التأنيث.
(2) أما غير المتصرفة فكلها مدونة بالسماء.
(3) أما التركيب بالطريقة المسماة بالنحت فهم قليا في العربية (خلافا للغات الأوروبية).