الموضع وقسمته
تطرقنا إلى مفهوم الموضع في عدة أماكن (1) كما تصوره النحاة الأولون. وأكدنا على أهميته القصوى من حيث كان اللبنة الأساسية في الصرح الذي بناه النحاة العرب الأولون. وأشرنا إلى أهم صفة يتصف بها وهو أنه ليس بالضرورة موقعا محسوسا للوحدات اللغوية في مدرج الكلام كما يتبادر ذلك إلى الذهن. كما سبق أن تكلمنا في أول هذا الكتاب عن استعمال سيبويه لكلمة موضع كمصدر ميمي لفعل وضع ومعناه: تركيب الشيء وتنظيمه على هيئة معينة، وقدمنا بعض الأمثلة على ذلك منه كلام سيبويه: وضعوا الكلام في غير موضعه الكتاب (1/ 384) وليس كل مصدر وإن كان في القياس مثل ما مضى ... يوضع هذا الموضع (186). أي بوضع على هذه الهيئة. ويأتي الموضع بغير هذا المعنى غالبا كاسم مكان فيقوم مقامه بعد........ مرادف له وهو- بعد الموقع. قال الرماني: الذي يجوز في إن وأن إجراؤهما على اختلاف المواقع (شرح 3/ 163ظ) وقال: هو موقع يعمل فيه عامل الابتداء (164 وجه). ويستعمل عبارة خاصة لم تعثر عليها عند غيره وهي: قسمة الموقع أو المواقع. فماذا يريد بهذه العبارة؟ إنه يقول:


ما الموضع الذي تقع فيه إن المكسورة
...و الموضع الذي تقع فيه أن المفتوحة
أو ما قسمة موقع أن... وإن؟ (نفسه)
فيتضح باستبداله للموضع بالموقع في نفس السياق أن معناهما واحد في هذا النوع من السياق على الأقل. قال بعد ذلك: والموضع الذي تقع فيه إن بالكسر هو الابتداء... على ثلاث
أوجه ... (164و) وقال: أما الموقع فعلى ثلاث أوجه الموقع الذي يدخل فيه حرف الجر.... والموقع ... (نفسه). فمعنى الموضع والموقع ههنا حسب ما يقتضيه السياق هو موقع الوحدة في تسلسل الكلام أتي محيتها في سياقات خاصة من الوحدات أو في محيط خاص يكون على ترتيب وهيئة معينة وهذا الوصف الأخير هو عنده عين الموضع. فذكره لكل ما يمكن أن يحيط بالكلمة في الكلام وحصره هو في اصطلاحهم الموقع والموضع فما يسميه بقسمة المواقع هو مجموع المواقع التي يقع فيها كل واحد من العناصر اللغوية. فهذا يقتضي من النحوي تتبعا كاملا لجميع هذه المواقع. وهو نوع من استغراق الجنس وهو أيضا استغراق بالمعنى الذي يمنحه لهذا المصطلح الفلاسفة واللغويون وهو باللغات الأجنبية Distribution أي استفراغ المواقع للفظ الواحد في الكلام وهو أيضا قسمة (كمصدر). وهو مفهوم علمي منهجي لجأ إليه بلومفيلد (Bloomfield) (2)اللغوي الأمريكي لاستخراج الوحدات الدالة الصغرى بطريقة موضوعية وهو الاعتماد على اللفظ وحده لتحديد الوحدات الدالة اللفظية. ولهذه الطريقة التي سبق إلى إثباتها واستعمالها النحاة العرب الأولون فائدة كبيرة فإننا إذا تتبعنا المواقع التي تقع فيها الوحدة س1 فإنه يمكن أن تقوم مقامها في كل هذه المواقع أو في بعضها س 2 وس 3، س. وبذلك تكون س. فئة من للوحدات تتحدد بكيفية جد موضوعية وهي إمكانية وقوعها في موقع واحد وهذا يؤدي في نفس الوقت إلى إثبات هوية الوحدة وتصنيفها. ويقسم النحاة العرب والاستغراقيون الأمريكيون بالاعتماد على هذا النوع من الاكتشاف التصنيفي للوحدات إلى أجناس وهذا يبرر تسمية هذه العملية باستغراق الجنس. قال سيبويه بهذا الصدد: بيبين لك أنها لسن بأسماء أنك لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك. ألا ترى أنك لو قلت: إن يضرب يأتينا وأشباه هذا لم يكن كلاما (1/ 3) ويؤكد هذا المبرد بقوله: واعلم أن الدليل على ما ذكرنا أسماء وقوعها مواضع الأسماء وتأديتها ما تؤديه. (3/ 72)
فكل من الفعل والاسم ههنا ينتمي إلى فئة يحددها موقعهما أي مجموع ما يمكن أن يحيط بكل واحد منهما وهي الفئة التي يسميها الاستغراقيون وسائر اللغويين الآن: Distributionnal Class. وليست في الحقيقة إلا مجرد جنس (3) (أو قبيل في اصطلاح سيبويه وأتباعه). إذ يشترك الجنس أو الفئة والموقع في كونهما يحتويان على صنف من الأشياء فكلاهما تدخل فيه مجموعة من الأفراد وتنتمي بذلك إليه. ومن خصائص هذه المواقع عند العرب أن اللفظ الواحد قد يتغير مجراه بانتقاله من موضع إلى موضع آخر فيصير بذلك فردا من جنس آخر. قال في ذلك أبو علي الفارسي: يجوز أيضا أن تخرجه من جنس إلى آخر إذا أنت نقلته من موضعه إلى غيره (ذكر في الخصائص (1/ 277). وللموقع الذي يحدد به الجنس من الوحدات إحداثيات فأولها هو مدرج الكلام من جهة. وهو توالي الوحدات في الكلام وهو ما يسميه اللغويون الآن بالمحور التركيبي ( Axe syntagmatique) ومن جهة أخرى كل واحد من الأماكن التي تقع وحدة مقام وحدة أخرى من جنسها ويسمى بمحور الشركة (Axe associatif) (4) وهو عمودي بالنسبة للسحور الآخر. فهذا التحليل المشهور صاحبه دي سوسور وتلك هي مصطلحاته. وهو تحليل عمل به كل اللغويين منذ أقدم الأزمنة إلا أن سوسور قد وضحه ودقق في وصفه بوضعه للتسميتين السابقتين خاصة ونلاحظ ههنا أن هناك أكثر من محور للشركة لأن للمدرج أكثر من موقع. فأما النحاة العرب فإنهم يسمونه مدرج القول أو درج الكلام (المقتضب IV/ 248و 253) وليس عندهم من حيث حدوث الوحدات في التلفظ مجرد التوالي لهذه الوحدات (كما كان يراه اليونانيون) بل الذي لفت نظرهم هو إدراجها وهم يعنون وصلها عند تتابعها بحركة متصلة لا انقطاع فيها وتتداخل بعضها في بعض بحيث لا يكون لكل وحدة فيها بداية ولا نهاية واضحتين بسبب هذا الإدراج (والدرج أو الإدراج هو اللف والطلبي اللسان. مادة درج). وميز سيبويه بين الإدراج وبين النطق من غير إدراج بقوله: وليست هذه الحروف (بالتلفظ بها واحدا واحدا غير موصولة) مما يدرج وليس أصلها الإدراج (1/ 34). ويسمي الموقع عند الأمريكيين Slot وهو موقع استبدال وحدة بأخرى في درج الكلام كما هو الشأن عند جميع الاستغراقيين (أصحاب مذهب الـ Distribution). وهذه النظرة قريبة من النظرة العربية إلا أنهما لا تتطابقان من جميع الجوانب كما سيأتي. ثم إن اللغوي الأمريكي ك پايك (K.Pike) قد طور نظرية أصحابه، كما سنراه فيما يلي وهي المسماة بالتاكميمية.
________________
1- أنظر بصفة خاصة كتابنا منطق العرب وكتاب خوت ودراسات في اللسانيات العربية. (راجع البحث بعنوان: أقائم الأخوان عرض على مجمع اللغة العربية في سنة 1997). وأطلنا الكلام في مفهوم الموضع في رسالتنا المذكورة (نوقشت في 1979).
(2) كان يسمى بلومفيلد الـ Fonction: Distribution. وفيه التياس بوظيفة الوظيفيين من اللغويين الأوربيين. فاستبدل Wells تلميذه الـ Fonction بكلمة Distribution الفلسفية الأصل وعبارة قسمة المواقع القديمة هي أنسب عبارة عربية للدلالة على هذا المنهج التحليلي.
(3) وهناك مصطلحان قريبان من الموقع في النحو هما كلمنا الخير والمخرج كل واحد منهما له منظور خاص. فالخير هو ما يحد من الأماكن وأما الخرج في عبارة المبرد: مخارج الأسماء ومخارج الأفعال المقتضب 3/ 185و 187) فهو مجرى الوحدة في الكلام (سلوكها وكيفية تصرفها) فيقصد الميرد بهذه العبارة مجموع المحاري الخاصة بالاسم أو الفعل.
(4) وسمى بعده بـــ: Axe paradigmatique.