نظام اللغة وأوصافه في رؤية النحاة الأولين
(1) قسمة التركيب في اللغة
إن نظام اللغة عند النحاة العرب هو عبارة عن قسمة تركيبية تقع في كل مستوى من مستويات اللغة (1) مما اختاروه منها وهي محدودة جدا بالوضع أولا وبالاستعمال ثانيا إذ لا يمكن أن تستثمر كلها مئات الآلاف من التراكيب الناتجة عن القسمة ولا الجزء الكبير منها. فلأحد مستوى أصول الكلم (2) (الجذور). فإن قسمة التركيب تعتمل بالنسبة للجذور الثلاثة تسعة عشر ألفا وستمائة وستة وخمسين تركيبا (19.656). أما المستعمل منها فهو أربعة آلاف ومئتان وستون تركيبا فقط (ذكر في المزهر1/ 75-76) فالمستثمر من التراكيب قليل جدا بالنسبة لما ممكنه القسمة. أما في مستوى أسية الكلم فإن القسمة وهي في البين نوع آخر تماما لأنها تتضمن الحروف الأصول كمتغيرات وعناصر الصيغة كثوابت (3) فإن القسمة تحتمل بالنسبة للثلاثي المجرد التي عشرة مثالا واستعمل منها أحد عشر مثالاً وهذا يخص الثلاثي وحده. أما الرباعي فالقسمة تحتمل خمسة وأربعين مثالا ولا يستعمل منها إلا أربعة ليس غير.
وتكون القسمة محدودة بالوضع الأول لأسباب معينة كالاكتفاء بما يحتاج إليه أو النفور من بعض التراكيب وغير ذلك. ثم بالاستعمال: فإن الكثير مما ورد من اللغة هو من الغريب الذي لا يعرف حتى عند أكثر فصحاء العرب قال ابن حتى بهذا الصدد: كانت للأصول ومواد الكلم معرضة لهم وعارضة أنفسها على تخيرهم جرت لذلك عندهم محرى مال ملقى بين أيدي صاحبه وقد أجمع على إنفاق بعضه دون بعضه فميز رديته وزائفه فقاه البتة كما نقوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه ثم ضرب بيده إلى ما أطف له من عرض حيد فتناوله للحاجة إليه وترك البعض لأنه لم يرد استيعاب جميع ما بين يديه منه ... وذلك أهم جمعوا أنفسهم من استيعاب جميع ما تحتمله قسمة تراكيب الأصول... (الخصائص 1/ 65و67). أما أوزان الكلم فقد استعملوا بالنسبة للثلاثي المجرد كل الأبنية التي تحتملها القسمة إلا واحدة. قال ابن حنى: لكن
الثلاثي جاء فيه (من حيث الكلم) لخفته جميع ما تحتمله القسمة ... إلا مثالا واحدا رفض لما نحن عليه من حديث الاستثقال وهو فعل (68). وفيما يخص الأبنية المزيد فيها فليس من المفيد أن يجعل هذا المستوى من اللغة مماثلا للمجرد لأن المستعمل من الأبنية التي تحتملها القسمة يمكن أن يثبته الباحث بطريقة مناسبة جدا وغير مكلفة. فقد لاحظ النحاة العرب أن الحروف الزوائد يقع كل واحد منها في مواضع خاصة في البنية وأكثرها لا تأتي إلا في موضع واحد مثل الميم المفتوحة في مكتبة وفي مفعول والسين في استفعل وغير ذلك. وهذا يمكن من حصر كل الأبنية وهي محدودة جدا كما هو معروف -فقد أحصى سيبويه ثمانمائة وثمانية وزنا للأسماء (بما فيها المحرد) و30 للأفعال. وهذا التحليل المراعي الموضع الوحدة في داخل البنية هو مهم جدا كما سنراه. هذا يخص المفردات أما الكلام وصيغه فقد حصر النحاة قسمة تراكيبه في عدد قليل من العناصر وهي الأحكام النحوية مثل المبتدأ والخير والفعل والفاعل والمفعول به وسائر المنصوبات وغيرها. والصعوبة ههنا تكمن في إمكانية التقديم والتأخير لبعض عناصر الكلام كالخير والمفعول به وقد حلوا الكثير من هذه المشاكل بإثباتهم لمستوى أعلى من هذا جمعوا فيه بالتجريد الابتداء والفعل وكان وأحوالها وإن وأخواتها وحسبت وأخواتها في موضع واحد وسموا الجميع عاملا وسنتناول هذا بالتفصيل في مكانه إن شاء الله.
(2) التصرف من بنية إلى بنية
ينبغي أن تؤكد على ما يتصف به نظام اللغة عند النحاة فإنه قبل كل شيء منظومة تركيبية كما رأينا. وذلك بقطع النظر عن اكتفاء الوضع والاستعمال ببعض ما تحتمله القسمة لأن المهم يكمن فيما يترتب على هذه الصفة الأساسية. فليست هذه القسمة إلا استفراغا لجميع الوجوه من التراكيب لعدد معين من العناصر في مستوى الجذور. ثم فيما يخص أبنية الثلاثي والرباعي والخماسي إلا أنهم أثبتوا مع ذلك أن التصاريف كتحويلات من بنية إلى أخرى تخضع لسلم من المراتب وهذا هو الذي أضافوه إلى القسمة التركيبية وهو جوهري. فقد ذكرنا في منطق العرب ما قاله سيبويه عن أسبقية بعض العناصر على غيرها في الرتبة ويعني بذلك بأنها الأصل الذي تصاغ عليه أو تفرع منه كل الفروع بتحويل خاص مثل زيادة شيء عليه. وقد تناولنا ذلك أيضا في الكتاب المشار إليه. فكل وحدة في اللغة هي إما أصل وإما فرع وقد يكون الفرع أصلا أيضا لفروع أخرى.
فاتحول إليه من البنى في اللغة هو بالضرورة اريد لفظا ومعنى من المحول منه وتكون الزيادة دليلا لفظيا على معنى زائد. ويحصل ذلك في كل المستويات إلا مستوى الحروف الأصول أولا (أصول الكلم) لأنها غير متفرعة من أصل بل هي الأصول المطلقة في نظام اللغة العربية. وثانيا مستوى الكلم المجردة من الزيادة.
وعلى هذا فإن التصاريف الحاصلة بالقسمة التركيبية (المحدودة) تقع لزوما بين أصول وفروع في داخل كل مستوى وبين المستويات كما سنراه. والمفهوم الأصل والفرع والتفريع نفسه أصالة ومميزات خاصة قد ذكرنا بعضا منها فيما سبق وتشبه التصاريف إلى حد ما ما يسميه تشومسكي (في أول كتاب له عن نظريته) وشيخه (هاريس) خاصة الـ Transformation. إلا أن الإطار السلمي الذي يحدثه التفريع وما يتميز به عند العرب غير موجود فيما تصوره هاذان العالمان ومثل ذلك الاسم فهو أصل للفعل وكل من المذكر والمفرد والنكرة أصل بالنسبة للمؤنث والمثنى والجمع والمعرفة. أما شراح الكتاب فقد قال السيرافي: ومعنى قوله إن الأسماء هي الأولى أنها مقدمة في الرتبة على الأفعال (شرح (2/ 31). وقال أيضا وقوله: "يخرج التأنيث من التذكير كقولك: يتفرع من التذكير (50) وقال الشارح الآخر أعنى الرماني: النكرة قبل المعرفة لأن التعريف يخرج من التنكير بعلامة أو نقل عن أصل والمذكر قبل المؤنث لأن التأنيث يخرج من التذكير بعلامة أو تقدير علامة (1/ 189). وقد بينا في منطق العرب أن الأصل عند النحاة هو السابق في الوجود لا في الزمان بل في نظام اللغة لأنه هو المأخوذ منه الفرع في الغالب وتوجد غالبا حروفه في فروعه (4) أو هو المستمر مثل الاسم بالنسبة للفعل ففي كل الأحوال يكون التفريع الغالب بزيادة لفظية تدل على معنى زائد. والذي يهمنا ههنا هو مفهوم الزيادة وما يقتضي عدم الزيادة من عدم وجود العلامة لفظية واعتبارهم أن ترك العلامة علامة. وهذا مهم جدا إذ صار الأصل يعرف بطريقة صورية لأنها لفظية وبالتالي صورية موضوعية.
ومثل إن الشرطية فهي أصل لأدوات الشرط لأنها لا تزول دلالتها على الشرط وكذلك الهمزة في الاستفهام.
وهذا ينطبق على كل وحدات اللغة ومنها الجمل. قال سيبويه: اعلم أن الاسم أول أحواله الابتداء وإنما يدخل الناصب والرافع سوى الابتداء والجار على المبتدأ. ألا ترى أن ما كان مبتدأ تدخل عليه تلك الأشياء حتى يكون غير مبتدأ ... فالمبتدأ أول كما كان الواحد أول العدد (1/6) يريد سيبويه بالمبتدأ هاهنا المبتدأ مع خبره كجملة، فهذه الجملة هي أصل للعدد الكبير جدا من الجمل المتفرعة عنها بدخول النواسخ عليها والكثير من الأفعال غير الناسخة (مثل رأيت). وشبه الأصل بالعدد الواحد لأن المجموعة كمفهوم رياضي) من الأعداد الصحيحة تتولد بعضها من بعض ابتداء من الواحد وبزيادة واحد لكل عدد (5) مثل ما تتولد الجمل الاسمية بزيادة وحدة لغوية تنتمي إلى المجموعة الإفرادية إلا أن قانون التشكيل (في اصطلاح الرياضيات) في توليد الوحدات اللغوية أي الحد في تفريعها من الأصول هو أكثر تشعبا كما سنراه. أما فيما يخص الثقل الخاص ببعض القبل فقد لاحظوا أن هناك ألفاظا تكون أقل قدرة على تحمل الزيادة.
ولهذا درجات بالنسبة للقبيل الواحد مثل الظروف ففيها ما هو متصرف التصرف التام مثل يوم وبكرة ومنها ما هو أقل من ذلك (مثل عند). وقال سيبويه فيما يخص كم: وهي تكون في الموضعين فاعلا ومفعولا وظرفا يبنى عليها إلا أنها لا تتصرف تصرف يوم وليلة كما أن حيث وأين لا يتصرفان تصرف تحتك وخلفك (1/ 291). ثم إن كل تصريف يقابله تصريف معاكس الاتجاه لأنه عملية تنطلق من أصل إلى فرع ولا مانع أن تحصل عملية ترجع الفرع إلى ما كان عليه. وهذا ما كان يسميه النحاة العرب برد الشيء إلى أصله. ولا يوجد تصريف إلا مع تصريف معاكس له. وكل النحو العربي مبني على هذه التصاريف التي يمكن رد المحول فيها إلى ما كان عليه قبل تحويله. وقد رأينا أن التصريف كتحويل للبني يلزم منه من الناحية المنطقية تصريف معاكس والمجموع منها يرتبط كل فرد فيه بالتلازم (6).
ولا يتكلم تشومسكي (وشيخه) عن هذه الصفات الأساسية للتحويل على الرغم من اقتناعهما أن الـ Transformation هو مفهوم رياضي وللنحاة في منحهم للتصريف ما يقابله وهو عكسه فضل عظيم وكذلك جعلهم المعاكس للتصريف لازما من الناحية المنطقية.
(3) دور القياس في إثبات البنى
إن النحاة العرب نزلوا إلى الميدان لسماع كلام العرب فقاموا بتدوينه ثم تبويبه إلى نحو أي إلى ضروب من الكلام وكان همهم الأكبر بعد ذلك البحث عن النظائر لكل نحو من النحو. فالنحوي يبحث عن النظائر للوحدات وهي التي تكون متوافقة في المجرى أو البنية وهو القياس وهو تناظر رياضي محض لأنه يخص البني، كما قلنا سابقا، لوحدات أخرى فيجعلون من ذلك بابا. كما يبحث الأصوليون عن العلة التي تتفق فيها النوازل بما جاء به النص أي الأصل (7). ثم قولهم بأن القياس هو حمل شيء في الحكم الجامع بينهما ينطبق على الفقه والنحو وعلى علوم أخرى كثيرة إلا أن ما سموه بالعلة هو غير التناظر الرياضي كجامع ومفهوم النظير هو مفهوم رياضي محض كما بيناه في منطق العرب. وللقياس النحوي وبالأخص هذا الحمل الاستقرائي دور عظيم لا في الكشف عن النظائر فقط بل أيضا في اكتشاف الوحدات اللغوية وإثبات بنيتها أو محراها وانتسابها بالتالي إلى باب نظائرها. وأكثر من ذلك إفادة هو قدرة القياس النحوي على اكتشاف تكافؤ التصرف أي التساوي البنيوي بين تصرف وحدة معينة وتصرف غيرها. وهذا مهم جدا لأنه يقتضي الإثبات العمليات تحويلية متكافئة دقيقة. وذلك مثل ما بيناه من التكافؤ بين التحويل من المكبر الرباعي إلى المصغر منه وبين التحويل من المفرد الرباعي إلى الجمع المكسر منه. وهذا يبين أن حمل الأشياء على نظائرها هو مساو تماما لتطبيق مجموعة على مجموعة في الرياضيات الحديثة فإن كان التطبيق تاما فهو قياس وإلا فلا. وما يمتاز به القياس النحوي العربي عما يلجأ إليها اللسانيون الغربيون هو في أنه تقابل بالمعنى الرياضي (Bijection) والتقابل يكشف دائما عن العلاقات العمودية بين الوحدات ونعني بذلك ما يكشفه حمل الشيء على نظيره يجعل الشيء إزاء الشيء أي الفرد من المجموعة إزاء نظيره. وهذا لا يمكن أن يكون أفقيا بالنسبة لتسلسل الكلام. فالتحليل بالتقطيع المتسلسل أو بإدراج شيء في شيء (التحليل إلى مكونات قريبة لا يكشف إلا عن علاقات الضم بين عنصر وآخر أو بين المجموعات منها أو على كيفية اشتمال الجملة على أجزائها وأجزاء أجزائها. وكل هذه العلاقات الاندراجية تتولد منها عند أصحاب هذه المذاهب بنى وليس الأمر كذلك إذ البنية هي تركيبية الجوهر لا تسلسلية ولا اندراجية فقط. وسنرى أن القياس بهذا المعنى قد مكن النحاة من الكشف لا عن بنية الكلمة وحدها وهو وزنها (8) بل أيضا عن بنية الجملة المجردة كما سنراه ومكن القياس من اكتشاف مستوى من اللغة يقع بين الكلم والكلام. وهذا أيضا لم تسطع اللسانيات الحديثة أن تحققه إلا عند اللساني الفرنسي كانيوبان J. Gagnepain إلى حد ما. وبذلك كان نظام اللغة ومستوياته عند علمائنا على غير ما يتصوره مثل مارتيني في عصرنا هذا (9).
_______________
(1) فهر تصرف عناصر التركيب إلى كل ما تضمنه القسمة في الثلاثي والرباعي واخماسي (راجع كتابنا منطق العرب).
(2) وكل تركيب من الحروف الأصول هو بية في هذا المستوى كسائر التي التقوية الأخرى.
(3) أما تحديد عدد التراكيب المحتملة في الحروف الأصول محسنات اخترعه الخليل (حساب العاملي) وما يسبق إليه. أما عدد أوزان الثلاثي والرياضي المفرد مضرب مجموعة في مجموعة (أنظر الجداء الديكارتي الخاص بالثلاثي المجرد في منطق العرب) وقد وصف هذا الحساب ابن حتى والرضى ويستدل على قدم هذا الحساب كما جاء في مقدمة كتاب العين
(4) إلا في التصرف المعنوي غير اللفظي.. كقولهم: إن هي الأصل في الشرط كما أن العمرة هي الأصل في الاستفهام كما أشرنا إلى ذلك في منطق العرب.
(5) أو بطرح الزيادة إذا رد العنصر إلى أصله كما سيأتي فيما يلي.
(6) ونستني من ذلك التحويل العارضي لسبب خارجي الذي تحدث اضطرابا في البنية وهو غير التحويل من نسبة إلى مدنية لأنه غير وضعي فالمعروف في هذه الحالة ألا يقع رد المحول إلى أمنه بل تحصل في أحيان كثيرة ترميم بطرد التحويل العارض إلى كل أفراد الباب كما سيأتي تفسيره.
(7) وفي البحث عن العنة (الفقهية) وسائل هي أيضا استقرائية وهي متنوعة لجمعها عبارة التنقيح المناط.
(8) وهو مفهوم لا يعرفه النسانيون الغربيون إلا من اطلع على حو العربية منهم.
(9) فلا تنحصر الوحدات الصغرى في الفونيم والمورفيم فقط وليست الجملة متكونة فقط من مورفيمات أو مجموعات منها.