الموضع وماهية البنية عند الخليل وأتباعه
إن النحاة العرب يراعون كما رأينا مجموع ما يحيط بالوحدة لتحديده الموضع كجنس أولا (اسم أو فعل أو حرف جر أو عطف (الخ) كما يفعل الغربيون الآن إلا أنهم لا يكتفون بذلك لأنهم ينظرون أيضا وبكيفية أدق إلى ما يحيط بها في داخل بنية الكلم أو الكلام لا في مجرد الكلام الملفوظ المحسوس فقط فالموقع في الكلام يصير بذلك موضعا بمعناه الاصطلاحي النحوي أي موضعا في داخل بنية معينة.
ومثال ذلك موقفهم من تأثير المحيط في الحروف كتفخيم التاء من اضرب (اضطرب) محاورتها الضاد وكجهر التاء من أزهر (=ازدهر) لوجود زاتي قبلها. فهذا الموقع الذي يحصل فيه تأثير المحيط الصوتي وحده في الوحدة هو مجرد موقع يؤثر في محتواه ما يحيط به يكون قبل الوحدة أو بعدها ليس غير فلا يسمونه غالبا موضعا أما إمالة الألف في باع عند بعضهم فيفسرونه لا بتأثير المحيط الصوتي بل بوقوع الألف في موقع الياء في بيع. وهذا يسمونه موضعا لأنه موقع في داخل بنية. وهي ههنا وزن فعل فالياء في ب ي ع هي الحرف الأصلي الثاني في هذه الكلمة والحرف الثاني الأصلي هو عين الكلمة (في فعل) وعين الكلمة هو موضع وهو موقع اعتباري في البنية التي هي (ف / ع / ل). وقد يشغل هذا الموضع الاعتباري في بنية الكلمة حرف أو ما يتحول من هذا الحرف. فالتأثير في إمالة الألف سببه وجودها في موضع الياء فلا وجود لأي مؤثر صوتي آخر محسوس في باغ مما يحيط بالألف. والموضع ههنا ثابت وجوبا إذ البنية ههنا هي بنية الكلمة وكل موضع فيها ثابت لا يجوز أن يقدم أو يؤخر ما يدخل فيه. فهذا لا يؤثر في اعتبارية الموضع لأن الموقع في البنية ليس مجرد مكان يدخل فيه جنس كامل من الوحدات بل هو أيضا موقع مرتب إذ لكل من الفاء والعين واللام والزوائد والحركات والسكون موضع مرتب في
الاعتبار وفي الدرج معا ههنا (1) وقد يكون خاليا ولا يظهر عندئذ في المسموع وقد يقدم ويؤخر في الجملة كما رأينا فهذه الصفات تجعله موضعا في البنية لا في تسلسل الكلام ومطابقته له تكون دائما في الكلمة هو في توالي الحروف لا في محتوى الموقع الذي قد يكون حاليا.
هذا يخص الكلمة أما الكلام كحملة فبنيته ليست مقيدة بالترتيب الحاصل في الدرج إلا في بعض الأحوال كما مر بنا وحتى في هذه الحالة فلا يؤثر ثبوت الموضع الحاصل في الكلام المنطوق في كون موضع الفاعل مثلا اعتباريا. وأعني بذلك أن هذا الوصف لا يخرج الفاعل كحكم أخوي من صفته هذه على الرغم من امتناع تقديمه على فعله.
(وفي ذلك يماثل الترتيب في داخل الكلمة) لأن المعتبر فيه هو وجوده في بنية. أما المفعول به والمفعول لأجله والحال وغيرهما فالتقديم فيها لا أثر له في الموضع لأنه تحول تنوعي (خطابي ههنا) لا يمس العلاقات البنيوية بين عناصر الكلام فالعلاقة بين الحال وبين الفعل مع فاعله تبقى هي خويا وإعرابيا على الرغم من تنقلها إلى مكان محسوس متقدم. لذلك يقولون: موضع الفاء أو السين أو اللام أو الحرف الزائد ويقولون: موضع الابتداء أو الفعل أو المفعول سواء كان يجوز أن يكون مقدما أم مؤخرا ولا يقولون: موضع المفعول المقدم. نستنتج مما سبق أن الموضع هو الفضاء الاعتباري الذي لا يظهر في درج الكلام إلا إذا دخلت فيه وشغلته وحدة لغوية مهما كان محتوى الكلام المنطوق. وبشغلها لهذا الفضاء تكشف هذه الوحدة الملفوظة عن وجود الموضع في بنية من الكلام. وقد لا تدخل فيه ولا تظهر فيه أحيانا أخرى وهذا يضطر اللغوي إلى تقديرها (2) لإظهار الموضع. وهذا يجعل الموضع اعتباريا وتعني بذلك أنه عنصر تتكون منه البنية وذلك كموضع اللام في فاع وهو موضع من البنية خال ويمكن أن يمثل بـ فاعل وهو الأصل لتقدير مرتبة الحرف الناقص ووزنه المحسوس هو فاع. وسوف يتضح هذا اتضاحا كاملا عندما نتطرق إلى البني النحوية بعد قليل. قال الرماني: ما المبتدأ؟ وهل هو الاسم الذي هو الأول في المرتبة قبل كل عامل لفظي ولم قيل هو الأول في المرتبة وهل ذلك ليفرق بين ما هو أول في الذكر وبين ما هو أول في المرتبة وإن كان مؤخرا في الذكر (شرح2/ 136v). وقال السيرافي: لأن حد اللفظ أن يكون مقدما ونيس يريد (سيبويه) بقوله: حد اللفظ أن يكون تقديم الفاعل (على المفعول) هو اللفظ الذي لا يحسن غيره إنما يريد بحمد اللفظ ترتيبه وتقديره (شرح 2/ 119).
فقد سمى بالمرتبة الموضع كموضع في بنية ولاحظ أنه قد يفارق ما يأتي في الاستعمال وأما السيرافي فقد فسر كلمة الحد ههنا بأنه يخص عند سيبويه الترتيب والتقدير بمعنى البنية التي يقتضيها الأصل في القياس.
وقد رأينا أن الفاء والعين واللام في تمثيل الكلم هي في الحقيقة مواضع وهي مجردة لان أي حرف من العربية يمكن أن يقع فيها في القسمة أما في الاستعمالي فيحسب السماع وميزة هذا الموضع في داخل الكلمة هو أنه فضاء في البنية أي موقع مرتب (له رتبة). ومجموع المواضع الثلاثة المرتبة تكون الكلمة الثلاثية الهيكلية.
فالبنية في تصور الخليل وسيبويه هي مجموعة من المواضع بهذا المعنى مع ما يدخل فيها من أجناس الوحدات الصوتية. أما مستوى الكلام فهناك المستوى المعروف الذي يدخل فيه المبتدأ والخبر والفعل والفاعل والمفعول وما يتفرع عنهما ولكل واحدة من هذه الوظائف النحوية موضع في البنية النحوية وتدخل في مستوى أعلى - لم يتفطن إلى دوره المتأخرون كما سنراه وهو مستوى العامل. فسوف ترى أن العامل الداخل على الكلام هو موضع ومعموله الأول الذي لا يستغني عنه هو موضع آخر وقد يكون له معمول تان وتخصصات كما سيأتي وكل واحد منهما يكون موضعاً. وسية الكلام هو مجموع من هذه المواضع لأنها مرتبة ترتيبا معينا مع ما يدخل فيها من أجناس الكلم ومجموعاتها.
ولا يظهر الموضع كما قلنا إلا إذا شغلتها وحدة وسترى أن بعض الوحدات تكون زوائد بدخولها وخروجها في الكلام فإذا غابت فمواضعها باقية لأنها مواضع في بنية تخلو وتشغل (مثل ما يدخل على الكلام أو الفعل وقد مثلنا لهذا في أول هذا الباب). فهذا الترتيب الاعتباري صفته الأساسية هي أنه قابل للتحول العارض (في الاستعمال) بالتقديم والتأخير والحذف (الكلام) أو الحذف وحده (الكلمة) بشروط معينة أو عدم احتياج المتكلم لها ليس غير.
فهذا تفريع عن أصل وهذا الأصل يقتضيه الحد أو القياس. والجدير بالذكر ههنا هو أن الموضع في تصور سيبويه والخليل كمكون للبنية هو الذي يجعل من هذه البنية لا تتغير مع تغير موقع الموضع في مدرج الكلام فإذا قدم المفعول به مثلا على الفعل أو فاعله فالبنية باقية بقاء المفعول به في موضعه ولو نقل إلى موقع آخر في الكلام. وهذا مهم جدا أن لا تتغير
البنية بتغير مواضعها ويشترط في ذلك شروط كما سنراه فيما بعد. فالبنية الاعتبارية اللغوية هي بذلك أقرب شيء إلى البنية الطبولوجية التي تصورها الرياضيون في زماننا هذا (3).
الخلاصة:
إن الموضع كمصطلح تحوي هو في ظاهره مكان الوحدة في درج الكلام الذي يقع فيه استبدال عنصر بعنصر. وهو من هذا الجانب ما يسميه اللغوي الأمريكي بايك بـ السلوت (Slot). ومجموع ما يقع فيه من العناصر يكون جنسا معينا من الوحدات. واستغل النحاة العرب هذا لاختبار أجزاء الكلام واكتشاف جنسها اللغوي كما فعل سيبويه والمبرد وغيرهما. فيجتمع النحاة العرب مع الغربيين في أن للكلام بعدين توالي عناصر الكلام وتدرجها عند العرب وهو أقرب إلى الواقع ثم مواقع هذه العناصر في هذا التسلسل حيث يقع بعضها موقع بعض إلا أن العلماء العرب لم يقتصروا على ذلك. فقد اعتمد الأمريكيون على قسمة المواقع وهي الـ Distribution لتحديد الوحدات كأجناس واقتصروا على ذلك.
ولذلك أضاف أحدهم وهو ك يابك (K.Pike) إلى القسمة الموقعية (أو استغراق المواقع) مفهوم الوظيفة الدلالية كالفاعل المحدث لفعله والمفعول المتأثر بالفعل وغيرهما فلم يميز بين الدلالة الوضعية والدلالة الخطابية. وهي مجرد إضافة إذ لا تتحدد الوظيفة بالقسمة الموقعية ولا العكس وهذا خلافا لما فعله النجاة العرب. فإن الغربيين لم يحاولوا أن يخرجوا عن الموقع المحسوس في داخل مدرج الكلام واكتفوا بما يمكن أن يقدم به من دور وهو اكتشافه الأجناس الوحدات. أما مفهوم الموضع فهو أوسع وأدق مدلولا من مجرد الموقع المحسوس لأن موضع الوحدة هو موضع مرتب في داخل بنية الكلمة أو الكلام فهو كيان اعتباري لانتمائه إلى ميدان البنى (4). وهو ميدان رياضي كما مر بنا. فالبنية هي في جوهرها المجرد الأول مجموعة من المواضع الاعتبارية ناتجة عن التركيب (5) تتحدد بعلاقاتها الفضائية (من حيث الرتبة) مع غيرها.
________________________
1- في الاعتبار خاصة لأنه قابل أن تمثله رموز هي القاء والعين واللام. أما في الكلام فتمثل البنية رموز أيضا من نوع آخر كما سياق.
2- بمقارنة بين عبارة تأني فيها أن التعريف وأخرى لا تأتي فيها، فإنباتها في موضع معين هو دليل على وجود موضع لها خاص يخلو منها أحيانا أخرى.
3- هو قسم هام من أقسام الرياضيات الحديثة (وحديث العهد جدا).
4- يراجع عن مفهوم الموضع عند النحاة القدامي خشنا: القائم الأخوان الذي قدمناه في مؤتمر مجمع مصر في 1996 (ونشر في كتاب: حوث ودراسات في المسانيات العربية الجزائر، 2007، 92-22)
5- راجع كتابنا منطق العرب"، فالتركيب هنا تركيب بين الفئة من الوحدات (لا الوحدات ذاتها وترتيب خاص تنتج منه بنية.(Synthesis of the class and the order) ومجال استعمال سطح الموضع واسع جدا على ميدان الدلالة يكون معناه المجال الخطابي كالأمر والنهي وغيرها وفي الأصوات هو موضع حروف لحرف في الجهاز الصوتي ويحدث ذلك ويجمع كل من فيه.