يستفاد من جملة (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) [البقرة: 252] ثلاث ملاحظات:
1. يشير استعمال مادة تلو الى أن الهدف من سر هذه القصص التي تأتي إحداها تلو الاخرى وخطوة بعد خطوة هو توظيف الرسول (صلى الله عليه وآله) لها تعليميا وتربويا للارتقاء بمستوى الناس.
2. أن تلاوة هذه القصص هي تلاوة مطابقة للواقع لا مجال فيها للكلام الباطل.
3. أن سر هذه القصص يعد دليلا على نبوة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) حيث ان ذكره للقصص الواردة في كتب العهد العتيق والمقترن بذلك التحليل النفسي والاجتماعي الدقيق لها في القرآن الكريم مضافا الى ورود ذلك كله على لسان شخص أمي هو دليل على علاقته بالغيب؛ إذ لا تلك الكتب كانت في متناوله، ولا كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ممن تعلموا القراءة والكتابة، فتكون هذه المسألة دليلاً على رسالته (صلى الله عليه وآله).
تنبيه: ربما كان ما ورد في القرآن الحكيم عن قصة طالوت وجالوت ودور النبي داود عليه السلام مختلفاً عن ما ورد في العهدين أو بعض الكتب التاريخية الأخرى، كما أنّ هذا الاختلاف ربما أمكن ملاحظته في أغلب القصص القرآنية. وهذا الاختلاف يدفع البعض أحياناً لاتخاذه ذريعة لنقد القرآن.
ومن هنا تبرز أهميّة تركيز الضوء أولاً على موضوعة قيمـة علم التاريخ، وثانياً حول إمكانية الاعتماد على بعض الكتب ككتابي العهدين، وثالثاً عـلـى الطريقة الصحيحة في رفع التعارض عند بروز الاختلاف بين منقولات الآخرين وبين النقل الإلهي في القرآن.
أما المطلب الأول، أي اعتبار التاريخ وقيمته، فهو يتوقف على مدى خبرة المؤرخ من جهة، وعلى إمكانية تسجيل كل الجوانب ذات الصلة بالواقعة التاريخية من جهة ثانية، وعلى أمانة المؤرّخ في ما ينقله من جهة ثالثة، وعلى هامش حريته واستقلاله عن تأثير السلطة المركزية للحكام الطغاة من جهة رابعة، وعلى تجرده من تأثيرات انتماءاته وإحساساته المذهبية والقومية والحزبية الناتجة من تأثير السياسة أو العرق وما شابه ذلك من جهة خامسة، وأخيراً على مصونيته من انعدام المقتضي ووجود المانع.
ومما ذكرناه يظهر أنّ إحراز صدق التقرير التاريخي أصعب من الاطمئنان بصدق الخبر الفقهي؛ لأنّ بعض موانع إحراز صدق التاريخ غير موجودة في عملية تقرير الحكم الفقهي.
وهنا ننتقل لتحليل المطلبين الثاني والثالث، وخلاصته ما يلي:
أ. إن القرآن كتاب حكمة وهداية، لا كتاب تاريخ وقصص.
ب. إن المذكور في القرآن من الوقائع التاريخية هو المواضيع الحسّاسة المليئة بالدروس والعِبَر فقط؛ لذا فهو لا ينقل قسماً كبيراً من الحوادث. عند نقله لتلك المواضيع؛ لعدم اشتمالها على قدرٍ مهم من الحكمة وهداية المجتمع.
ج. إن ما ورد في هذا الكتاب المتقن والمعجزة الإلهية مصون من النقص، ومنزه عن النقض، ومبرأ من العيب.
د. إن كتابي العهدين اللذين لم يسلما من آفة التحريف، لا يصلحان معياراً لتقييم الوقائع التاريخية.
وحصيلة الكلام أنه بعد إحراز إعجاز القرآن الكريم، لا يبقى مرجع للتحكيم سوى هذا الكتاب، دون الكتب المحرّفة الأخرى. وعلى هذا الأساس، وبسبب العديد من الاعتبارات، ينسد الباب أمام نقد القرآن الحكيم بسبب عدم انسجام القصة القرآنية مع ما ورد في تاريخ العهدين وأمثالهما[1].
[1] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص306-308، بتصرف وتلخيص.