بعد أن بين الله سبحانه انتصار الطالوتيين ودور داود عليه السلام في ذلك النصر وأشار إلى النعم التي أنعمها عليه، انتقل إلى بيان حكمة الجهاد وضرورة الدفاع في سبيل الله، معللاً ذلك بحفظ الأرض من الفساد: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) [البقرة: 251] ومبيناً أن هدفه من حفظ الأرض بدفع المفسدين هو تفضّله ولطفه العميم عـلى العالمين: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251].
وهنا لا بد من الالتفات إلى أنه عند الحديث عن البشرية وما بين أفرادها من التقابل والمواجهة، فلا بأس عندئذ من الحديث من باب (المفاعلة)، أي الحديث عن الجهاد والدفاع؛ إلا أن مفردة (الدفاع) لا معنى لها في ساحة الله؛ حيث ينعدم الجانب المقابل بالنسبة إلى الله، بل كل مقابل الله مفترض فـهـو بـذاته من جنوده: أعضاؤكم شهوده، وجوارحكم جنوده، وضمائر كم عيونه، وخلواتكم عيانه[1]. وهكذا يظهر السر في استعمال (دَفْعُ) بدلا من (دفاع) في الآية: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ...) [البقرة: 251].
وكلما ورد الكلام عن أفعال الله بالاستفادة من باب المفاعلة، كما في: (إِنَّ ٱللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) [الحج: 38] فالمفاعلة إما أن تكون بمعنى الفعل الثلاثي المجرد ويكون الدفاع بمعنى الدفع، أو بمعنى المبالغة، أو باعتبار مظاهر الحق، أو من باب أن أهل الباطل ربما يبادرون إلى المقابلة أحياناً كما في عنوان المحاربة مع الله، وإلا فأفعال الله منحصرة في الدفع لا الدفاع، إذ له النصر المطلق: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21].
وربما عبر القرآن الكريم عن استحالة مغلوبية المشيئة الربانية بشكل إثباتي أحيانا: (كَتَبَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21] وبشكل سلبي أحياناً أُخرى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ) [الطور: 7-8]. وعلى الرغم من أن سياق هذه الآيات هو الحديث عن عذاب الآخرة، إلّا أنّ السياق لا يقلل من إطلاق الآية وظهورها الإطلاقي، كما أن المورد ليس مورد التخصيص، إذن فلا دافع لعذاب الله، سواء في الدنيا أم في الآخرة.
كما ورد في تعابير القرآن الكريم الأخرى أيضاً أن لا شيء يستطيع أن يقف أمام حكم الله ويمنع من إجرائه، أم أن يكون له التعقيب بعده: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد: 41].
والخلاصة هي أن فعل الله دائماً هو الدفع لا الدفاع، ومن هنا جاء التعبير في الآية التي. هي مورد البحث بمفردة الدفع لا الدفاع، وإن كان البعض قرأها (دفاع).
ملاحظة: إن قانون الكون الأصيل هو الجذب والتلاؤم لا الدفع والتنافي؛ إلا بنحو العرض، أي إنّه كما أن الخير مقصود بالذات والشر منظور بالعرض، فالأصل الحاكم على نظام الكون هو: لو لا جذب الله بعضاً ببعض لفسدت السماوات والأرض. ولو أنّ الباري لم يوجد نظام العلي والمعلولي ولم تتعرف أجزاء المركب الواحد وعناصر الحقيقة الفاردة على بعضها البعض فتدعو أحدها الآخر ويجتمع أحدها جنب الآخر لما ظهرت السماء والأرض، وعلى فرض ظهورها لما استدامت. أما طرد الأجنبي ودفع الغريب ورفع المزاحم ومنع المهاجم، فمضافاً إلى أنّ ذلك منحصر في منطقة الحركة والطبيعة، وأن منطقة المجردات لا مجال فيها للتزاحم، هو مطلب تبعي وبالعرض. ومن هنا أمكن اعتبار الأصالة في قانون التجاذب في التحقق وفي البقاء، على العكس تمـا هـو الحال في قانون التنازع الذي يعد عرضيا وتبعيا.
والمبدأ الأصيل المنسق للمناسبات بالذات والطارد للمنافيات بالعرض، هو الله البصير الذي لم يره أحد، والذي يكمن سبب عدم رؤيته في رؤية الأسباب التي هي الحجاب الظلماني أو النوراني الله مسبب الأسباب وناقضها:
يا من يرانا كل حين لا نراه *** رؤية الأسباب صارت حاجباً دون سناه
اختنقنا إذ نظرنا أي وجه ما سـواك *** كل ما في الكون باطل ما عداك
كل ذي الذرّات فوق الأرض أو تحت السماء *** جنسها واحد وكل جاذب للالتقاء[2]
[1] نهج البلاغة، الخطبة 199.
[2] تعريب للأبيات 2889، 2898و2900 من مثنوي معنوي بالفارسية، ص 1013، الدفتر السادس.