كانت نجاة بني إسرائيل المشردين ترتكز على النقاط التالية:
النقطة الأولى: شعورهم بالمسؤولية وغيرتهم العالية.
الثانية: اتحادهم.
الثالثة: رجوعهم إلى نبي زمانهم.
الرابعة: وجود القائد المقتدر والمنصوب من الله.
ولو أنهم حافظوا على تلك الوحدة حتى النهاية لعمتهم البركات الواسعة. إن ما يمنع فساد الأرض وضياع أهلها هو القدرة على تنفيذ أحكام الله الفقهية والحقوقية التي لا يمكن تحقيقها دون وجود الحكومة.
لقد كان هناك العديد من الأسباب التي آلت إلى انتصار جيش طالوت وهزيمة جيش جالوت، ومن بين تلك الأسباب قتل جالوت على يد داود. والآية التي هي مورد البحث لا يستشف منها أن قتل جالوت كان هو السبب المهم في هزيمة جيشه؛ إذ إنّ هزيمة الجيش ومقتل جالوت على يد داود جاء الحديث عنهما في الآية بكلمة (واو) العطف التي لا تفيد الترتيب.
ويعتقد البعض أن قتل جالوت على يد داود صار سبباً في هزيمة جيش المقتول، وأن السر في تأخير اسم داود بعد ذكر الهزيمة هو لحفظ وحدة السياق نسبة إلى سائر العطايا الإلهية له؛ حيث ذكرت الآية أربعة مطالب عن داود عليه السلام وهي: 1. قتل جالوت. 2. العطاء الإلهي المتمثل بالملك والسلطنة. 3. إيتاءه الحكمة. 4. تعليم الله له مما يشاء؛ ولو جاء ذكر قتل داود قبل ذكر هزيمة جيش جالوت لوقع الفاصل بين المطلب الأوّل والمطالب الثلاثة التالية التي تتركز جميعها حول داود عليه السلام[1].
ولا شك في أن كل هذه المسائل تأتي بعد معرفة أن المقصود من داود في هذه القصة هو نفس داود بن سليمان المشهور.
وعلى أي حال، فإن داود عليه السلام كان في هذه الحرب تحت قيادة طالوت؛ ومن هنا يمكن للإنسان أن يحتمل أن داود في ذلك المقطع التاريخي لم يكن قد وصل إلى مقام النبوّة الشامخ؛ وإلا لما صار تحت قيادة طالوت الذي لم يكن نبياً.
فهل إن وصول داود إلى مقام النبوّة كان متوقفاً على تضحياته واشتراكه في الحرب غير المتكافئة مع جيش جالوت، أم لا؟ ولا شك في أن أصل الاحتمال وارد، مثلما كان وصول إبراهيم عليه السلام إلى مقام الإمامة المنيع متوقفاً على نجاحه في الامتحان الإلهي الخاص: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) [البقرة: 124] إلا أن القرآن الحكيم يخلـو مـن الـتـصريـح حـول هـذه النقطة، لكنه بإنزاله آية (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج: 75] يهمس في آذان الناس أن إعطاء مثل هذه المناصب هو من باب التفضل وإن كان التفضل الإلهي لا يتنافى مع رعاية السوابق المشرقة للأفراد.
[1] آلاء الرحمن، ج 1، ص 419، بتصرف بسيط.