ورد ما يشبه القياس الاستثنائي للاية التي هي مورد البحث بتحليل أدق في الآية (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].
وعلى أساس هذه الاية فقد منح الاذن بالقتال للمظلومين الذين هجروا من أوطانهم بسبب اقرارهم بربوبية الله والدليل على هذا الامر يكمن في القياس الاستثنائي الذي تشكل عبارة (دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) [البقرة: 251] مقدمته ونتيجته عبارة (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج: 40] ومعنى الاية هو أنه لو لا وجود دفع الله لهدم المفسدون المراكز الدينية ولما كان تخريب المراكز الدينية ليس مطلوبا لله والله لا يسمح بمثل هذا العمل إذن صار الدفع الالهي محققا فلهذا السبب صارت المراكز الدينية عامرة على الدوام.
وينشأ عدم رضا الله بتخريب المراكز الدينية من المبدأ العام لتفضل الله على الناس: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251] بمعنى أن الله سبحانه الذي له التفضل على الناس يقوم بهدايتهم ولما كانت هداية الناس تعتمد على ازدهار المراكز الدينية فالله لا يرضى بتخريبها وهو الذي يمنع تخريبها.
وهكذا تكون جملة (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251] دليلاً عـلـى بـطلان التالي في كلا القياسين الاستثنائيين؛ لكن الفرق بين فساد الأرض وتخريب المراكز الدينية هو أن هذين الأمرين أحدهما في طول الآخر، فالطغاة إذا أرادوا الفساد في الأرض كي يهدموا مراكز التعليم والتهذيب والتربية والحوزات العلمية، فسوف لا يحالفهم النجاح. إذن فعلى الطغاة أن يقوموا أولاً بهدم المساجد والكنائس والصوامع والبيع، ثمّ يعملوا على الفساد في الأرض.
وقد ورد في الآيات السابقة أيضاً أن جهود الأجانب في الدرجة الأولى هي سلب دين المؤمنين منهم: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة: 217] إذا انعدمت أهمية الدين في الحياة، انعدم معها العامل الأساس في تعليم الكتاب والحكمة وتهدّمت معه الأرضيّة المحكمة لتزكية النفوس. وهكذا صار الإنسان مفترساً فاسداً متبعاً للطاغوت، وأمكن عند ذلك استغفاله وسرقة ثرواته ومعادنه وكنوزه الطبيعية بعد سرقـ رقة معارفه وأخلاقه الحميدة.
والخلاصة: 1. أن حصن العقيدة يمثل الأساس لاستقلال وحرية أي شعب.
2. أن العنصر المحوري في الحصانة الإيمانية هو المراكز الدينية؛ فاستناداً إلى قاعدة (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) [التوبة: 108] وبناءً على مبدأ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ) [النور: 36] يصير المسجد وما بمثابته هو اللبنة المركزية في الدفاع عن العقيدة والأخلاق والعمل بالأحكام الفقهية والحقية.
3. أن ازدهار مثل هذه المراكز يعتمد على جهود الرجال المؤمنين واضمحلال تلك المبادئ والقيم هو الذي يمهد الطريق أمام انتشار الفساد.
تنبيه: دأب القرآن الكريم في جميع الموارد على تذييل العبارات بما يناسبها من اللواحق مثل (فلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 64] التي تلتها اللواحق المختلفة التالية (لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) [البقرة: 64]، (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) [النساء: 83]، (لَهَمَّت طَّائِفَةٌ) [النساء: 113]، (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) [النور: 10]، (لَمَسَّكُم فِي مَا) [النور: 14]، (مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ) [النور: 21].
ومن هنا نلاحظ في الآيتين (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة: 251]، و(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) [الحج: 40] اختلاف التاليين فيهما رغم وحدة المقدمة في القياسين.