(فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [البقرة: 251-252].
خلاصة التفسير: بعد دعاء الطالوتيين مباشرة جاءهم المدد من الله سريع الإجابة فهزموا أعدائهم بالنصرة الالهية وهناك تمكن نبي الله داود عليه السلام من قتل زعيم الطغاة جالوت كما أعطاه الله السلطنة والحكمة وعلمه ما شاء أن يعلم.
وقصة الطالوتيين هي مصاديق السنة المستمرة الالهية في دفع المفسدين والهادفة الى رفع الفساد من الارض والسر في منع الارض من الفساد ه التفضل الالهي على العالمين ولا يختص هذا التفضل بشعب خاص أو عصر خاص.
وتعبير (الدفع) لا (الدفاع) عن فعل الله هو من جهة أن الدفاع تستعمل للشخص الذي يكون أمامه ما يقابله في حين لا شيء في مقابل الله بل جميع الموجودات هي جند له حتى أعضاء وجوارح الكافرين.
وفي الآية الثانية يخاطب الله سبحانه رسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله) قائلا له إن ما بيناه لك من قصص السابقين إنما هو بمثابة آيات ودلائل على قدرة وعلم وإرادة وإحاطة الله، لا مجرد قصص لا مغزى لها، كما أنها دليل على حقانية رسالتك وأن لا شك في أنك من المرسلين.
تفسير المفردات: فهزموهم: (الهزم) بمعنى الضغط الشديد المسبب لتهش وهزيمة الجيش بمعنى عدم قدرته على المحافظة على هيئته بسبب. ضعف وانكسار نتيجة لشدة ضغط الخصم[1].
ويرى البعض أن مفردات (الهَزْم)، الهشم)، (الهضم) و(الهضم) كلها بمعنى واحد هو الانكسار، وإن كان انكسار بعضها أكثر من البعض الآخر[2].
الدفع: المشهور بين العلماء هو أن (الدفع) يعنـي المنـع من وجود شيء. و(الرفع) هو إزالة شيء موجود. كما اعتبرت أكثر المصادر اللغوية القديمة (دفع الشيء) بمعنى (تنحية الشيء)[3]. وقال الخليل أيضاً: دفعت عنه كذا وكذا، أي منعت[4].
وفي مقابل ذلك، هناك بعض اللغويين من يقول: ليس (الدفع) بمعنى المنع من الوجود، بل هو بمعنى المنع من بقاء الموجود وإدامة وجوده. أما الذي بمعنى المنع عن أصل الوجود والمنع من أصل تحقق الشيء فهو (المنـع) الذي يمنع من تأثير المقتضي والسبب. كما أن (التنحية) ليست بمعنى إبعاد أصل الوجود والمنع من أصل تحقق الشيء بل هي بمعنى إبعاد الشيء الموجود من جانب وجهة خاصة[5].
وعلى هذا الأساس، فيكون معنى الآية الشريفة هو أنه لو لم يجعل الله بعض الناس مانعاً من استمرار اعتداء واستمرار فساد بعض آخر لعمّ الفساد جميع أنحاء المعمورة.
فضل: قال الكثيرون إن (الفضل) هو الزيادة[6]، إلا أن الفضل هو الزيادة على المقدار اللازم والزائد عن الحد المقرر لا مطلق الزيادة. ومن هذه الجهة بالذات يطلق على الخير والباقي والإحسان والشرف وبقية الغذاء والمال الكثير.
وفضل الله سبحانه هو عطاؤه الزائد على المقدار اللازم والمقرر سواء كان من ناحية توفير الحاجات المادية أم في العطايا المعنوية. ومن مصاديق فضل الله الرحمة والأجر العظيم والرضا الإلهي والعفو والمغفرة وترفيع المقامات التكوينية والتشريعية[7].
تناسب الآيات: تفصح الآية الأولى. التي عُطفت على الآية السابقة لها باء التفريع ـ عـن استجابة دعاء طالوت وأنصاره المؤمنين الذين انتصروا في ظل الإذن التكويني والنصرة الإلهية على جيش جالوت الذي قتله داود عليه السلام.
أما الآية الثانية فهي: تتحدث عن هذه القصّة المليئة بكاملها من الحكم والعبر التي تلاها الله سبحانه على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).
[1] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 11، ص 261، هـزم.
[2] روض الجنان، ج 3، ص 376.
[3] راجع المصباح المنير، ص 196، دفع؛ معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص288، (دفع).
[4] ترتيب كتاب العين، ج 1، ص 580، دفع.
[5] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 3، ص 226، دفع.
[6] المصباح المنير، ص 475 ف ض ل معجم مقاييس اللغة، ج 4 ص 508، (ف ض ل).
[7] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 9، ص 106، ف ض ل.