الحديث الخامس والستّون: [إذا خرج القائم (عليه السلام) حكم بحكم داود وسليمان (عليهما السلام)]
ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن ثقة الإسلام في (الكافي) بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء عن الصادق (عليه السلام) في حديثٍ قال فيه: «يا أبا عبيدة، إذا قام قائم آل محمّد حكم بحكم داود وسليمان، لا يسأل بيّنة» (1).
وبإسناده عن أبان عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تذهب الدنيا حتّى يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود، لا يسأل بيّنة، يعطي كلّ ذي حقّ حقّه» (2).
وروي أخبار اخَر بهذا المعنى (3).
وهذه الأحاديث بظاهرها تنافي ما ثبت واستفاض من أنّ شريعة نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) إنّما هي الأخذ بالظاهر، وأنّ شريعته ثابتة إلى يوم القيامة لا تنسخ (4).
ويمكن التوجيه بأنّ لفظة «إذا» ليست من أدوات العموم على التحقيق، بل تفيد الجزئيّة، فيكون المراد أنّ القائم (عليه السلام) قد يحكم بحكم داود وسليمان (عليهما السلام) في بعض القضايا، كما أنّ داود وسليمان حكما بذلك في بعض القضايا لا في كلّها، وكما أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حكم بذلك في بعض الأحيان.
وقال الطبرسيّ في إعلام الورى: وأمّا ما روي أنّه يحكم بحكم آل داود ولا يسأل بيّنة فهذا أيضاً غير مقطوع به، وإن صحّ فتأويله: أن يحكم بعلمه فيما يعلمه، فإذا علم الإمام أو الحاكم أمراً من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل عنه، وليس في هذا نسخ للشريعة. على أنّ هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البيّنة إن صحّ لم يكن نسخاً للشريعة؛ لأنّ النسخ هو ما تأخّر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصطحبه، فأمّا إذا اصطحب فلا يكون ذلك ناسخاً لصاحبه، وإن كان مخالفه في المعنى، ولهذا اتّفقنا على أنّ اللَّه سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا ثمّ لا تلزموا لم يكن نسخاً؛ لأنّ الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. وإذا صحّت هذه الجملة وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد أعلمنا بأنّ القائم من ولده يجب اتّباعه وقبول أحكامه فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الأحكام المتقدّمة - غير عاملين بالنسخ؛ لأنّ النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل (5). انتهى كلامه، واللَّه العالم بالحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 397، باب في الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود...، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 23، ص 86، ح 28؛ وج 26، ص 176، ح 55.
(2) الكافي، ج 1، ص 397 - 398، باب في الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود...، ح 2؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 230، ح 33661. وفيهما: «كلّ نفس حقّها» بدل «كلّ ذي حقّ حقّه».
(3) انظر: الكافي، ج 1، ص 397 - 398، باب في الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود....
(4) انظر: بصائر الدرجات، ص 148، ح 7؛ الكافي، ج 1، ص 58، باب البدع والرأي والمقاييس، ح 19.
(5) إعلام الورى، ص 477.