أنظمة توكل الاختصاص في القضاء الضريبي لقضاء مستقل
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص 80-86
2026-09-01
10
استحدثت بعض الدول جهازاً قضائياً مستقلاً عن كل من القضاءين العادي والإداري تنحصر مهمته بالفصل في الخصومات الضريبية التي ترفع إليه . ونجد ذلك جلياً في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والأردن واليمن، وسنبين ذلك وفق التقسيم الآتي:
الفرع الأول
القضاء الضريبي في الولايات المتحدة الأمريكية
في ظل النظام الأمريكي بإمكان المكلف الطعن بقرار الضريبة المقدرة عليه أمام الإدارة الضريبية المختصة فإذا رفضت طعنه بصورة كلية أو جزئية فانه يحتكم في ذلك إلى الجهة القضائية المختصة، وهنا يمر طعنه بأكثر من مرحلة.
ففي المرحلة الأولى يرفع دعواه ضد قرار مدير الضريبة أمام المحكمة الضريبية ( Tax Court وهي محكمة مستقلة ومتخصصة وتتألف من ستة عشر قاضيا يعينون لمدة (12) سنة بقرار من رئيس الولايات المتحدة ومشورة مجلس الشيوخ ويعاون هؤلاء القضاة هيئة من الموظفين قوامها حوالي (35) محامياً يعينون بصفة مراقبين في أثناء سماع الدعوى ويعود الفضل إلى هذه المحكمة في فض الكثير من المنازعات الضريبية المطولة والمعقدة (1). أما المرحلة الثانية فهي الطعن بالقرار الصادر من تلك المحكمة أمام محكمة الاستئناف (court of appeal) التي تقوم بمراجعة الأحكام الصادرة من المحكمة الضريبية من حيث تقدير الوقائع وتطبيق القانون وتتمتع أحكامها بحجية كبيرة في مواجهة المحاكم الدنيا في ظل نظام السوابق القضائية (2).
ويكون الطعن بالحكم الاستئنافي تمييزاً أمام المحكمة العليا التي تنظر في النزاع كدرجة أخيرة للتقاضي (3). وهذه المحكمة هي التي تحدد القضايا التي ترغب بسماعها والتي تصل فيها محاكم الاستئناف إلى اجتهادات متناقضة أو تتعلق بدستورية قانون الضريبة، أو مخالفة قانونية لنصوص قانون ضريبة الدخل (4) . هذا ويتم طلب نظر القضية من قبل المحكمة العليا من خلال قرار التصدي) write of certiorari )، وهو عبارة عن أمر تصدره المحكمة العليا إلى المحاكم الدنيا تطلب فيه تسليم ملف قضية معينة للنظر فيها (5).
ومن الملاحظ على الجهة المختصة بنظر منازعات الضرائب إنها تكون محكمة ضريبية مستقلة عند نظر النزاع لأول درجة ولكن في مرحلة الاستئناف والتمييز فإنها تكون محاكم عادية.
وتجدر الإشارة هنا إلى إن العرف الدستوري قد حمل المحكمة العليا الأمريكية على توجيه أمر إلى الإدارة الضريبية برد الضريبة إذا ما تبين لها إن فرضها قد تم استناداً إلى قانون غير دستوري (6).
وعلى اثر ذلك نظم المشرع الأمريكي إجراءات رد الضريبة بصورة عامة، إذ أجاز للمكلف الذي دفع مبلغ الضريبة المقدرة إلى الإدارة الضريبية المختصة إن يرفع دعوى بطلب استرداد الزيادة أمام محكمة المقاطعة District Court) وذلك بالنسبة للضريبة المفروضة من قبل الولايات، أو أمام محكمة الادعاءات (clime court) بالنسبة للضرائب المفروضة من الحكومة المركزية لان هذه الدعوى تتضمن ادعاءات ضد الحكومة الفدرالية مع العلم إن الأحكام الصادرة من محاكم المقاطعة يمكن استئنافها أمام محكمة الاستئناف المشار أليها سابقاً، أما الأحكام الصادرة من محكمة الادعاءات فإنها تستأنف أمام محكمة الاستئناف الفدرالية (7).
الفرع الثاني
القضاء الضريبي في الأردن
وفق ما جاء في التشريع الضريبي الأردني فان للمكلف الذي قدرت عليه الضريبة الحق في الطعن بذلك التقدير أمام محكمة استئناف قضايا ضريبة الدخل وهي محكمة خاصة مركزها عمان تكون ضمن ملاك وزارة العدل وتتشكل من قاض رئيس وعضوين من القضاة (8) .
وقد جاء إنشاء هذه المحكمة وفقاً لأحكام المادة (99) من الدستور الأردني لسنة 1952 والتي اعتبرت المحاكم على ثلاثة أنواع نظامية وخاصة ودينية . وأهمية كون المحكمة المذكورة محكمة خاصة ترجع إلى سببين هما:
السبب الأول : إن هذه المحكمة تختص بقضايا فنية وتحتاج إلى معرفة كافية في الأمور المحاسبية والاقتصادية والإدارية
السبب الثاني : إن هذه القضايا يجب إن تعطى صفة الاستعجال (9).
وكقاعدة عامة تكون قرارات محكمة قضايا ضريبة الدخل نهائية وغير قابلة للتمييز إذا كان مبلغ الضريبة المقدر من قبل المقدر أو الوزير أو الموظف المفوض من قبله لا يتجاوز (1000) دينار (10). أما إذا زاد عن ذلك فيجوز الطعن بها أمام محكمة التمييز .وخروجاً عن هذه القاعدة بإمكان صاحب المصلحة الطعن بقرار محكمة استئناف قضايا ضريبة الدخل أمام محكمة التمييز حتى لو كان مقدار ضريبة الدخل المقدر اقل من (1000) دينار ولكن بشرط الحصول على إذن من المحكمة الأولى ) محكمة استئناف قضايا ضريبة الدخل )
ويعطي الإذن عادة إذا كان الخلاف حول مسألة قانونية أو على جانب كبير من التعقيد. وتجدر الإشارة إلى إن محكمة التمييز عندما تنظر في النزاع الضريبي فإنها تنظره باعتبارها محكمة موضوع أي إن لها إلغاء الحكم المطعون فيه لمخالفته للقانون وذلك بهدف تحقيق الصالح العام وليس مصلحة الخصوم (11) .
الفرع الثالث
القضاء الضريبي في اليمن
يعد اليمن من الدول التي أوكلت الاختصاص بنظر منازعات الضرائب إلى محكمة خاصة أنشئت لهذا الغرض.
فبين التشريع الضريبي اليمني إمكانية قيام المكلف بالطعن أولا بالقرار الصادر من الإدارة الضريبية المختصة أمام لجنة طعن إدارية . (12) تم أتاح له وللإدارة الضريبية الطعن بقرار تلك اللجنة أمام محكمة قضايا ضريبة الدخل وذلك في مدة واحد وعشرين يوماً من تاريخ استلام قرار لجنة الطعن (13).
وقد خول المشرع هذه المحكمة النظر في الطعون المتعلقة بالقضايا الضريبية والمخالفات، ويكون تشكيلها وفقاً لأحكام قانون السلطة القضائية على إن يكون أعضاؤها من ذوي الخبرة في المجالين المالي والتشريعي. (14) أي إن هذه المحكمة لا تنظر فقط في المنازعات التي تثور بين المكلف والإدارة الضريبية حول تقدير الضريبة. بل أيضا تبت في جميع الدعاوى التي ترفعها الإدارة الضريبية ضد المكلف وتتعلق بالمخالفات الضريبية وجرائم التهرب الضريبي وهذا الأمر من النادر ملاحظته حتى في الدول التي تبنت نظام المحاكم المستقلة .
وعلى العموم فانه يمكن استئناف قرار تلك المحكمة أمام شعبة نوعية من شعب الاستئناف بعواصم المحافظات ويكون حكم المحكمة الاستئنافية نهائياً وغير قابل للطعن به بأي طريق من طرق الطعن (15).
ولا بد من القول إن ثمت تضارباً في الآراء حول إحالة المنازعات الضريبية إلى قضاء متخصص فمنهم من أيد هذا الاتجاه ومنهم من عارضه.
فالمؤيدون استندوا إلى حجج معينة أهمها ما يلي :
الحجة الأولى: إن إيجاد قضاء متخصص يفصل في المنازعات الضريبية أمر تقتضيه الطبيعة الفنية التي يتميز بها القانون الضريبي وكذلك استقلاليته عمن سواه من القوانين(16).
الحجة الثانية : لما كان من غير المتصور أن تقوم محكمة أخرى غير المحكمة الجنائية بفرض عقوبات سالبة للحرية، فكذلك لا يوجد ما يدعو لمطالبة القضاء المدني أو الإداري بالفصل في مسائل بعيدة عن القانون المدني أو القانون الإداري (التقليدي) كالمنازعات الضريبية، بل إن إنشاء محكمة ضريبية متخصصة يحقق مزايا تفوق تلك التي تحققها محاكم أخرى متخصصة في مجال اختصاصها كالمحاكم العسكرية (17).
الحجة الثالثة : إن إنشاء قضاء ضريبي متخصص أمر ضروري للعمل على تأصيل مبادئ القانون الضريبي وتوحيد أحكامه وبذلك يمكن تفادي الأحكام المتناقضة التي طبقت تارة قواعد القانون الخاص وتارة أخرى قواعد القانون العام متجاهلة ما يتمتع به القانون الضريبي من ذاتية (18).
أما المعارضون فانهم سلطوا سهام نقدهم على هذا الاتجاه فمنهم من ذهب إلى إن تعدد جهات القضاء داخل الدولة يثير مسائل تتعلق بتنازع الاختصاص ويزيد من تعقيد النظام الضريبي بصورة غير مرغوب فيها فضلاً على إن إنشاء مثل هذه المحاكم لا يوحي إلى المكلف بالثقة التي تبعثها المحاكم العادية، إذ يخشى إن تقف المحاكم المختصة إلى جانب الخزانة العامة (19) . في حين أضاف بعض آخر إن المنازعات الضريبية ليست وحدها التي تثير أمام القضاء مسائل فنية معقدة، إذ الأمر كذلك عند نظر المنازعات ذات العلاقة بالمسائل الاقتصادية أو الطبية وغيرها. ومن ثم يمكن الرجوع بشأنها إلى الخبرة، كما انه يمكن في نطاق المحاكم العادية إنشاء دائرة أو قسم متخصص في المسائل الضريبية(20).
ومن جانبنا فإننا نرى أولوية انتزاع القضايا الضريبية من المحاكم العادية أو الإدارية وإسنادها إلى جهة قضائية متخصصة، وقوام هذا الرأي اعتبارات عدة أبرزها:
الاعتبار الأول : لا غرو إن ذاتية القانون الضريبي واستقلاليته والمسائل الفنية التي تنطوي عليها أحكامه كانت وراء ابتكار إجراءات خاصة يقتضي الالتزام بها عند البت في القضايا الضريبية ولذلك فان تلكم المسائل لا شك انها تكون أدعى لإيجاد قضاء متخصص بنظرتلك القضايا يضم بين ثناياه قضاة قد تشربت عقليتهم بخصوصية القانون الضريبي ووعوا قواعده وأسسه وتجلت لديهم تفصيلاته وجزئياته بحيث لا يتأثرون بما يدور في رحى القانون العام أو الخاص من أحكام سوى تلك التي تنسجم أو تتلاءم مع القانون الضريبي ومبادئه.
الاعتبار الثاني : إن التشريعات الضريبية في معظم الدول لا تحكمها مدونة واحدة بل نجدها متناثرة في قوانين عدة ، كما انه تطرأ عليها تعديلات مستمرة ودورية لكون تلكم القوانين تحكم مسائل اكثر مساساً بالحياة العملية والظروف الاقتصادية التي تعيشها الدولة والتي هي أساس كل تغيير في توجهات الدولة ونظامها القانوني ولهذا فانه من الصعب إلقاء عبء استلهام روح تلك القوانين وتفهم أحكامها وأدراك تفصيلاتها على كاهل قضاء يكون في الأصل محملاً بقضايا متشعبة ومتنوعة سواء أكان قضاء إداريا أم عادياً. ولذلك تبدو مسألة إنشاء قضاء متخصص تفرض نفسها في مثل وضع كهذا إذ يساهم من ناحية في التخفيف عن كاهل الجهات القضائية الأخرى، ومن ناحية أخرى يساعد على الإلمام بما تثيره القضايا الضريبية من مسائل معقدة ومتشابكة وذات طبيعة فنية ومالية وقانونية. الاعتبار الثالث : من الخطأ التصور إن التشابه معقود بين المنازعات الضريبية وغيرها من المنازعات التي تثير مسائل فنية كالاقتصادية والطبية لأن الأخيرة لا تحكمها تشريعات مختلفة وعرة المسالك ومترامية الأطراف كتلك التي تحكم المنازعات الضريبية .كما إن القضايا الاقتصادية أو الطبية المعروضة على القاضي لا تكون بذات العدد والمقدار لتلك التي تعرض في إطار الضرائب. ويضاف إلى ذلك إن إلمام القاضي بالمسائل الفنية والحسابية الخاصة بالضرائب أمر لا بد منه لكي يقيم حكمه على أساس قانوني سليم لأن الكثير من المنازعات تتفاعل وتتداخل فيها المسائل القانونية والفنية بحيث يصعب الاعتماد على الخبرة وحدها في بناء الحكم القانوني السديد والصحيح.
______________
1-H.M.Groves, Finances Government, fifth edition, Newyork, 1958, P171
وكذلك د. عماد الدين ناصر ، التشريعات الضريبية في الجمهورية العربية المتحدة واثر القوانين الاشتراكية عليها، بلا مكان نشر 1966، ص 186.
2- موفق سمور علي المحاميد الطبيعة القانونية لقرارات تقدير ضريبة الدخل دراسة مقارنة ، عمان، الدار العلمية الدولية، 2000، ص 48.
3 - د . عماد الدين ناصر، مصدر سابق، ص 186.
4- L.Mehl, opcit., P..
5- آلان فارنسوبرت المدخل إلى النظام القضائي في الولايات المتحدة، ترجمة د .محمد لبيب شئب، بلا مكان طبع، دار النهضة العربية، 1957، ص 59.
6 – د . سعد عبد الجبار العلوش القانون الدستوري محاضرات ألقيت على طلبة الصف الثاني في كلية الحقوق / جامعة النهرين غير مطبوعة، 1993-1994.
7- آلان فارنسوبرت المدخل إلى النظام القضائي في الولايات المتحدة، ترجمة د .محمد لبيب شئب، بلا مكان طبع، دار النهضة العربية، 1957 ص 213 ، وكذلك موفق سمور علي المحاميد الطبيعة القانونية لقرارات تقدير ضريبة الدخل دراسة مقارنة ، عمان، الدار العلمية الدولية، 2000 ص 92-93
8- انظر ف (أ) م (34) من قانون ضريبة الدخل الأردني النافذ.
9- د.جهاد خصاونة، المالية العامة والتشريع المالي، ط 1 ، عمان، دار وائل للطباعة والنشر، 1999، ص 434.
10- انظر ف (ز) م (34) من قانون ضريبة الدخل الأردني النافذ.
11- انظر في تفصيل ذلك : د جهاد خصاونة، مصدر سابق، ص 445441 وكذلك موفق سمور علي المحاميد مصدر سابق، ص 112-114.
12- انظر المواد (74-75) من قانون ضريبة الدخل اليمني النافذ.
13- انظر م (78) من القانون السالف ذكره.
14- انظر م (79) وفا، (ب) من م (80)ن القانون السالف ذكره.
15- انظر م (81) من قانون ضريبة الدخل اليمني النافذ.
16-P.M.Gaudemet, Précis de finances pupliqes, op.cit., PYYA,
17- وهو الرأي الذي قال به الفقيه (Maestre) وأشار أليه د زكريا محمد بيومي، الطعون الضريبية في ربط الضرائب على الدخل، القاهرة، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1984 ، ص9.
18- د قدري نقولا عطية ذاتية القانون الضريبي واهم تطبيقاتها، اسكندرية بلا دار نشر، 1960، ص 155.
19- P.M.Gaudemet, Finances publiques, opcit, P 308-309
20- L.Mehl, opcit., P745.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة