أنظمة تجعل الاختصاص للقضاء العادي
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص 64-70
2026-08-31
21
القضاء العادي هو الجهة المختصة بنظر المنازعات التي تقوم بين الأفراد وأنفسهم أو بينهم وبين السلطات العامة عندما تتعامل معهم كشخص من أشخاص القانون الخاص (1). وقد عهدت بعض الدول الى هذا القضاء اختصاص الفصل في المنازعات الضريبية كما هو الحال في بريطانيا والسودان ومصر وسنتعرض الى ذلك في فروع ثلاثة متتالية:
الفرع الأول
القضاء الضريبي في بريطانيا
يوجد في بريطانيا مرحلتان للطعن في تقدير الضريبة :
أولاهما المرحلة الإدارية وتكون أمام مفتش الضرائب ( Ispectors of Tax) ثم بعد ذلك أمام هيئة المفوضين العامة ( General Commissioners) أو هيئة المفوضين الخاصة ( special commissioners ويدور هذا الطعن حول المسائل الواقعية والقانونية على حد سواء إلا انه عادة ما يتم إثارة المسائل الواقعية امام هيئة المفوضين العامة اما المسائل القانونية فأنها تثار أمام هيئة المفوضين الخاصة (2) .
أما ثانيهما فهي المرحلة القضائية، وتكون على ثلاث درجات، اذ بامكان كل من المكلف ومفتش الضرائب الطعن بقرار هيئة المفوضين العامة أو الخاصة امام المحكمة العليا (High Court ) كدرجة أولى للتقاضي وهذه المحكمة لا تختص ألا في القانونية دون الواقعية أي أن قرار هيئات المفوضين تلك يكون قطعياً في المسائل الواقعية (3).
إلا انه في الحالات التي يكون فيها من الصعب تحديد ما اذا كانت مسألة ما تعد من مسائل الواقع أم القانون فان المحكمة العليا تقبل الطعن فيها على أن تقرر اولاً ما اذا كانت تلك الهيئات قد اصدرت قرارها في مسألة قانونية أم واقعية فاذا تبين انها قانونية فصلت فيها وإلا فالعكس (4).
هذا ويمكن لتلك المحكمة أن ترفض الطعن وتؤيد قرار هيئة المفوضين أو زيادة الضريبة أو تخفيضها. وحينها بامكان صاحب المصلحة الطعن استئنافاً بقرار المحكمة المذكورة امام محكمة الاستئناف Court of appeal وكمرحلة نهائية يطعن بقرار هذه الاخيرة امام محكمة اللوردات House of lords التي جرى العمل على أن تتشكل فقط من القضاة الذين تتوافر لديهم المعرفة والالمام بالمسائل القانونية والمالية . وتعد هذه المحكمة أعلى سلطة قضائية في انكلترا (5).
الفرع الثاني
القضاء الضريبي في السودان
وفق قانون ضريبة الدخل السوداني بامكان المكلف الطعن بالقرار الضريبي امام محكمة المديرية المدنية مباشرة أو بعد المرور بلجنة ضريبة الدخل.
فبامكانه أن يرفع دعواه امام محكمة المديرية المدنية مباشرة ضد قرار مدير الضرائب برفض التظلم المقدم إليه في الحالتين التاليتين:
الأولى : اذا ادعى انه لم يكن يزاول عملاً خاضعاً للضريبة
الثانية :اذا ادعى أن التقدير مخالف لإحكام القانون واللوائح الصادرة تنفيذاً له وذلك في حالة تقديم حسابات مصدق عليها. وينبغي أن تقدم تلك الدعوى خلال خمسة وأربعين يوماً من تاريخ إعلان قرار المدير.
وللمكلف في غير الحالتين السابقتين الطعن بقرار المدير امام لجنة ضريبة الدخل ثم بعد ذلك يكون من حقه كما هو من حق مدير الضرائب الطعن بقرار تلك اللجنة امام محكمة المديرية المدنية . ولا يكون هذا الطعن قائماً ما لم يكن مبنياً على خلاف في تفسير القانون أو خلاف يختلط فيه تفسير القانون بالوقائع كأن يتناول مسائل متعلقة بمدى خضوع المكلف للضريبة أو مدى تمتعه بالاعفاءات الضريبية.
ويجوز استئناف حكم محكمة المديرية المدنية امام محكمة الاستئناف أيا كانت قيمة الدعوى، ويجوز الطعن بالنقض امام المحكمة العليا (6).
الفرع الثالث
القضاء الضريبي في مصر
على الرغم من أن المشرع المصري قد بين في ظل قانون مجلس الدولة رقم (47) لسنة 1972 بأن محكمة القضاء الإداري تختص دون غيرها بالفصل في الطعون المتعلقة بالقرارات النهائية الصادرة من الجهات الإدارية في منازعات الضرائب والرسوم، نجد أن هذا النص ظل معطلاً لانه قضى في ذات القانون بان المنازعات الخاصة بالضرائب والرسوم تظل الجهات الحالية (أي المحاكم العادية مختصة بها إلى أن يصدر قانون الإجراءات الخاصة متضمناً تنظيم تلك المنازعات، وحيث أن مثل هذا القانون لم يصدر فأن نظر المنازعات المتعلقة بالضرائب مازال معقوداً للمحاكم العادية(7).
وهذا الحكم يسري على الضرائب المباشرة وغير المباشرة على حدٍ سواء :-
فبالنسبة للضرائب المباشرة اتاح قانون الضريبة الموحدة النافذ لكل من مصلحة الضرائب والمكلف الطعن امام المحكمة الابتدائية منعقدة بهيئة تجارية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الاعلان بالقرار.
وترفع الدعوى للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها المركز الرئيسي للمكلف أو محل اقامته المعتاد أو مقر المنشأة وذلك طبقاً لإحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية. كما أجاز هذا القانون الطعن في الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية امام محكمة الاستئناف أيا كانت قيمة النزاع (8).
إلا أن هذا القانون لم يحدد طريقة الطعن بالحكم الاستئنافي لذلك يتم الرجوع إلى القواعد العامة في قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تقضي بان يكون هذا الطعن امام محكمة النقض اذا ما توافرت اسبابه واحواله (9).
وهذه الإحكام هي ذاتها المطبقة على الضرائب غير المباشرة ومن بينها ضريبة التسجيل (10) التي تفرض على الثروة عند تداولها وانتقالها بطريقة غير مباشرة بين ا الأشخاص . وكذلك ضريبة الملاهي التي تفرض على كل ما يدفعه الشخص نظير دخوله الملهى إذ. تختص بنظر المنازعات المثارة بسبب فرض هذه الضرائب المحاكم العادية صاحبة الولاية العامة بالفصل في جميع المنازعات إلا ما استثني بنص خاص تطبيقاً للمادة (15) من قانون السلطة القضائية رقم (46) لسنة 1972 حيث يتم الطعن بها ابتداء أمام المحكمة الابتدائية ثم أمام محكمة الاستئناف وأخيرا أمام محكمة النقض هذا مع العلم إن الاختلاف بين منازعات الضرائب المباشرة ومنازعات الضرائب غير المباشرة يكمن في إن الأخيرة لا تعرض ابتداءً على لجنة الطعن وإنما يتم الطعن مباشرة بقرار الإدارة الضريبية أمام المحكمة المختصة بخلاف منازعات الضرائب المباشرة (11).
والسؤال الذي يثور هاهنا هل هذا الاتجاه التشريعي الذي يجعل منازعات الضرائب من اختصاص القضاء العادي لقي تجاوباً في سوح الفقه الضريبي؟
يمكن الإجابة عن ذلك إن بعض الفقه قد ساند الاتجاه التشريعي المذكور ومنهم الفقيه (Leroug) بقوله إن القضاء العادي هو المختص بتطبيق القانون المدني الذي يعد الشريعة العامة الواجبة التطبيق في كل ما لم يرد بشأنه نص وبذلك يكون اجدر من غيره في تطبيق النصوص الضريبية التي وردت استثناء من إحكام القانون العام رعاية لمصلحة الأفراد، إذ إن القاضي المدني يلتزم بالإحكام التي تكفل حقوقهم وذلك على خلاف القاضي الإداري الذي يميل إلى الدفاع عن مصالح الخزانة العامة (12).
كما أكد جانب آخر من الفقه على ضرورة إسناد قضايا الضرائب إلى هذا القضاء لأنه صاحب الولاية الطبيعية والعامة في كافة المنازعات فيما عدا الشؤون الإدارية البحتة والضرائب ليست منها، علاوة على إن القضاء المذكور يطبق إحكام القانون المدني الذي يعد الأصل الواجب الرجوع إليه بالإضافة إلى قانون المرافعات المدنية عند تفسير قوانين الضرائب. ويضاف إلى ذلك إن التزام قواعد القانون الخاص في تفسير العلاقة بين الأفراد والحكومة هي اقرب إلى حماية مصالح الأفراد والدولة من تطبيق قواعد القانون العام، هذا مع الاخذ بنظر الاعتبار إن المحاكم العادية اكثر تغلغلاً في أنحاء البلاد من المحاكم الإدارية بحيث يتاح لها الإلمام بالظروف المحلية ومعرفة العرف الجاري (13) .
وفي رأينا إن هذه الحجج قد عفا عليها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ لكونها تتجاهل الذاتية التي ينماز بها القانون الضريبي وما ينبثق عنها من استقلاليته عمن سواه من القوانين لاسيما القانون المدني الذي بالكاد ينظم العلاقة بين أشخاص متساوين في المراكز القانونية، في حين إن القانون الضريبي ينظم علاقة غير متكافئة أطرافها الإدارة الضريبية التي تعد الطرف القوي في تلك العلاقة والمكلف الذي يعد الطرف الضعيف فيها.
كما انه لو تتبعنا سير عمل القاضي الضريبي لألفينا انه ليس ملزماً بالرجوع إلى قواعد القانون المدني فحسب لإيجاد الحلول للمسائل الضريبية التي غفل عن تنظيمها التشريع الضريبي، بل انه يطبق وعلى حد سواء قواعد القانون الخاص والقانون العام التي تتلاءم مع طبيعة العلاقة القائمة بين المكلف والإدارة الضريبية وبما ينسجم مع ذاتية القانون الضريبي.
____________
1- قد تنظر هذه الجهة المنازعات التي تظهر فيها السلطات العامة كشخص من اشخاص القانون العام وذلك بالنسبة للمنازعات الادارية في الدول ذات النظام القضائي الموحد.
2- J.Wilson and S.Cormichael, Income taxe principles, fifth edition, london, publishers, 1962p59
3- L.Mehle, op.cit, P.
4- J. Lhome, L'impôt sur le revenu en Angleterre, Parise, L.G.D.J., 1938 p373.
5- Ibid , P376-375
6- انظر تفصيل ذلك لدى د. زكريا محمد بيومي، ضريبة الدخل في التشريع السوداني، اسكندرية، منشأة المعارف، 1974، ص 334-349
7- انظر في ذلك : سليمان محمد الطماوي، القضاء الاداري الكتاب الأول بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1986، ص 141.
8- انظر م (161) من قانون الضريبة الموحدة المصري رقم (157) لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم (187) لسنة 1993 النافذ.
9- د . عطية عبد الواحد شرح احكام قانون الضريبة الموحدة، ط1، القاهرة، دار النهضة العربية، 1995، ص 581-582
10- يجدر التنويه انه يطلق على هذه الضريبة خطأ اسم رسم الشهر والتوثيق نظراً لأن المشرع يفرض بجوارها رسوماً مقابل خدمة الشهر والتوثيق كالتسجيل والحفظ والتدوين والتصوير وغيره وهذا ما يؤدي إلى الوقوع في اللبس. إذ الحقيقة إن الشخص لا يعود عليه نفع خاص من المبلغ الزائد عن المبلغ المقرر كرسم توثيق وحفظ..الخ . والذي قد يختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لقيمة التصرف مع وحدة نوعه . انظر د .عبد الحميد الشواربي، موسوعة الضرائب، اسكندرية، منشأة المعارف، 1997، ص 707
11- عبد الحميد الشواربي، مصدر سابق، ص 706.
12- اشار إليه د قدري نقولا عطية ذاتية القانون الضريبي واهم تطبيقاتها، اسكندرية بلا دار نشر، 1960 ص 153
13- وهو ما قال به د . عبد العزيز الشوربجي أشار إليه د. زكريا محمد بيومي، الطعون الضريبية في ربط الضرائب على الدخل، القاهرة، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1984 ، ص 188
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة