دور القضاء الضريبي في الحفاظ على مبدأ المشروعية
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص22-23
2026-08-29
38
تنبع أهمية القضاء الضريبي من أهمية القضاء بصورة عامة ففي ظل الحكومات القانونية التي تخضع فيها تصرفات الحاكم والمحكوم على حد سواء لحكم القانون فأنه لا يجوز لها مزاولة أي نشاط سواء اكان عاماً ام خاصاً ألا على مقتضى قواعد سبق وضعها ووفقاً للاوضاع والشروط المقررة لذلك، وهو ما يطلق عليه اصطلاحاً مبداً المشروعية (Legalite). ولا يترتب على تقرير القاعدة القانونية من جانب السلطة المختصة الابقاء عليها دون تعديل أو تبديل وانما ينالها ذلك التعديل أو التبديل عندما تتغير الظروف الإقتصادية والاجتماعية والسياسية الخاصة بالدولة ألا انه ينبغي أن يكون هذا من خلال الاوضاع التي يقررها القانون للحفاظ على المبدأ المذكور، وعليه ولكي يكون هنالك من الضمانات الكافية للحيلولة دون انتهاك هذا المبدأ وإتيان أي عمل يخالفه ينبغي أن يعهد بالرقابة عليه والسهر على حمايته لجهة قضائية مستقلة (1). والتي تتكون من رجال - وكما وصفهم الأستاذ السنهوري – ( تشربت نفوسهم باحترام القانون وانغرس في قلوبهم حب العدل وهم بطبيعتهم يؤمنون بمبدأ المشروعية) . (2) وتتحقق هذه الرقابة من خلال العمل بمبدأ تدرج القواعد القانونية من حيث المصدر ومقتضى ذلك انه اذا ما طعن في اي عمل اداري امام القضاء يتطلب الفصل فيه الرجوع إلى نص قانون عادي وآخر دستوري وتعذر على القضاء تطبيق هذين النصين لتعارض أحكامهما فانه يجب عليه ان يطرح جانباً القانون العادي ويعمل على تطبيق النص الدستوري باعتباره القانون الاعلى. (3)
وعلى هذا الأساس اتت أهمية القضاء الضريبي باعتبار أن دوره يتمثل في أن يطرح جانبا كل ما يتعارض مع مبدأ المشروعية أو يعد خروجاً عليه. فإذا اصدرت الإدارة الضريبة تعليمات مخالفة للدستور أو لا تستند إلى القانون سارع هذا القضاء إلى عدم الاقرار بمشروعيتها من خلال الامتناع عن تطبيقها، وبالمثل ايضا فان سن السلطة التشريعية قانوناً لا يتوافق مع ما جاء به الدستور من أحكام وبما يعد خرقاً لمبدأ المشروعية صار لزاما على قاضي الضريبة، باعتباره الحامي لهذا المبدأ، أن لا يدخر جهداً في رفض العمل به أو الامتناع عن الأخذ بالنصوص التي وردت فيه على اعتبار انها غير دستورية. وحري بالإشارة هنا إلى أن حماية مبدأ المشروعية لا يتحقق فقط من خلال حرص القاضي الضريبي على عدم تطبيق نص قانوني مكتوب لتعارضه مع نص مكتوب آخر، وانما يتحقق أيضاً عندما لا يطبق نص قانوني مكتوب لتعارضه مع نص غير مكتوب يرتقي مرتبة أعلى منه في سلم الهرم القانوني ومن ذلك مثلاً المبادئ العامة للقانون التي سكت المشرع عن النص عليها والتي كان للقضاء الدور الأكبر في استخلاصها فأحتلت قيمة عليا لا ينبغي اتيان أي عمل أقل منها مرتبة بما يخالفها أو يناقضها باعتبار أن ذلك يعد تجاوزاً على مبدأ المشروعية.
ولعل من أبرز المبادئ القانونية العامة في إطار القانون الضريبي هي تلك التي كانت مستخلصة من أحكام مجلس الدولة الفرنسي والمجلس الدستوري ومنها مبدأ المساراة امام الاعباء العامة الذي يقصد به - وحسب ما بينه مجلس الدولة – تطبيق نفس النظام القانوني على كل الاشخاص الذين يوجدون في اوضاع مماثلة ولا يتعارض مع هذا المبدأ اختلاف النصوص المطبقة على الاشخاص الذين يوجدون في اوضاع مختلفة. وفي حكم للمجلس الدستوري بين فيه (وفقاً لمبدأ المساراة امام الضريبة لا ينبغي معاملة المكلفين الذين يوجدون في اوضاع أو ظروف مماثلة معاملة مختلفة امام القانون الضريبي) (4). ومن المبادئ القانونية العامة ايضاً هو عدم رجعية الضريبة أو سريان قانون الضريبية بأثر مباشر وفوري، ومبدأ المواجهة في الاجراءات عند الفصل في الدعوى الضريبة (5) . وغيرها من المبادئ التي تشكل جزءا في الهيكل العام لمبدأ المشروعية والذي لا يمكن المحافظة عليه إلا من خلال اكالة الأمر إلى القضاء باعتبار الحامي لهذا المبدأ أو الكافل لبنيانه من كل تصدع أو تهدم.
_________________
1- د. فؤاد العطار، رقابة القضاء لأعمال الإدارة ، ط 2 ، القاهرة، دار الكتاب العربي، 1960 - 1961، ص 89- 90 .
2- مقال العميد د. عبد الرزاق السنهوري، مجلة مجلس الدولة، س3، ص2. أشار إليه د. فؤاد العطار، مصدر سابق، ص 83.
3- د. فؤاد العطار، كفالة حق التقاضي، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، ع1، س1، 1955، ص638.
4- G. Ripert et autres, Traité de droit commercial, Tome, droit fiscale des affaire, o ed., Paris, L.G.D.J., 1991 PE0-1.
5- Ibid, p42.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة