رقابة السلطة التشريعية على الموازنة العامة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص123-126
2026-08-25
53
تعد مسؤولية الحكومة أمام البرلمان المبدأ الأساسي في الأنظمة البرلمانية، إذ يمارس البرلمان هذا الدور الرقابي للتأكد والتحقق من أداء الحكومة في تنفيذها للنصوص القانون بصورة سليمة ومطابقة للدستور، عن طريق مساءلة الوزراء منفردين أو مجتمعين عن كافة التصرفات التي تصدر عن تلك الحكومة، لذا فقد تضمنت أغلب الدساتير نصوصاً تتعلق بوسائل رقابة البرلمان على أعمال الحكومة، وهذه الوسائل تمثل أدوات الرقابة البرلمانية، والتي تتمثل بالسؤال البرلماني وطرح موضوع عام للمناقشة والاستجواب، وسنتطرق اليها تباعا وكما يأتي:
اولاً: السؤال البرلماني:
يعد السؤال البرلماني من الامتيازات التي يمتلكها البرلمان في مواجهة الحكومة، فلكل عضو من أعضاء البرلمان أن يقدم سؤالا للحصول على معلومات عن امر يجهله، أو التحقيق عن الأنشطة التي تقوم بها الدولة أو ما تنوي القيام به (1)، وقد نص دستور فرنسا لعام 1958 على حق أعضاء البرلمان بمجلسيه " النواب والشيوخ توجيه الأسئلة الى الوزراء، إذ تخصص جلسه واحدة في الأسبوع الى هذه الوسيلة البرلمانية (2) ، كما أشار الدستور المصري لعام 2014 إلى حق البرلمان في توجيه الأسئلة إلى أعضاء الحكومة في أي أمر يدخل ضمن اختصاصها، وعليها الإجابة عن تلك الأسئلة في دور الانعقاد ذاته. ويجوز للعضو سحب السؤال في أي وقت (3)، وقد اكدت الأمر نفسه المادة (198) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري رقم (1) لسنة 2016.
وأما في العراق فقد أشار الدستور العراقي لعام 2005 إلى السؤال البرلماني بوصفه إحدى الوسائل الرقابية التي يمارسها مجلس النواب العراقي على أعمال الحكومة، إذ ورد في المادة (61) سابعا /أ) منه بأنه ( لعضو مجلس النواب أن يوجه الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم، ولكل منهم الإجابة عن أسئلة الأعضاء، وللسائل وحده حق التعقيب على الإجابة)، كما نظم النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي رقم (1) لسنة 2022 السؤال البرلماني في خمس مواد (4) ، ويمكن تحويل السؤال الاستجواب إذا لم يقتنع السائل بأجوبة الوزير أو الوزراء، لذا تعد هذه الوسيلة فعالة في تسليط رقابة البرلمان على جميع تصرفات الحكومة.
ثانياً: طرح موضوع عام للمناقشة:
يعد طلب طرح موضوع عام للمناقشة أحد الوسائل الرقابية التي يلجا اليها البرلمان، وقد أشار الدستور الفرنسي لعام 1958 الى ذلك في المادة (50/1) التي أعطت لمجموعة من أعضاء البرلمان تقديم بياناً حول موضوع معين متبوعاً بمناقشة امام أي من المجلسين " الجمعية الوطنية او مجلس الشيوخ، كما نص الدستور المصري لعام 2014 إلى طرح موضوع عام للمناقشة، إذ نصت المادة (132) منه على أنه (يجوز لعشرين عضواً من مجلس النواب على الأقل طلب مناقشة موضوع عام لاستيضاح سياسة الحكومة بشأنه).
وقد أشار دستور العراق لعام 2005 إلى طرح موضوع عام للمناقشة كوسيلة رقابية في المادة (61/ سابعاً . ب) إذ نص على أنه (يجوز لخمسة وعشرين عضواً في الأقل من أعضاء مجلس النواب، طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة وأداء مجلس الوزراء، أو أحدى الوزارات، ويقدم الى رئيس مجلس النواب، ويحدد رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء موعداً للحضور امام مجلس النواب لمناقشته)، وقد أكد النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي هذه الوسيلة ايضاً (5). ويترتب على هذه الوسيلة الرقابية في العراق بقفل باب المناقشة والنقل إلى جدول الاعمال أو شكر الحكومة بقرار، وفي اشد الحالات يصدر قرار برغبة المجلس بأمر معين، دون أن يترتب عليها سحب الثقة من الحكومة. اما في مصر فأن النتيجة تختلف عما هو متبع في العراق، إذ أنه قد تنتهي المناقشة بأن يقرر المجلس إحالة الموضوع الى لجانه لبحثه ثم تقديم تقرير عنه، ولا يجري التصويت على هذه الاقتراحات إلا بعد أن يعرض على المجلس رأي اللجنة حول الموضوع (6).
ثالثاً: الاستجواب:
هو وسيلة رقابية برلمانية، لا يقتصر على مجرد نقد الحكومة أو مراقبة سياستها، بل يحمل في طياته عنصر الاتهام، وقد يتمخض عن ذلك تحريك المسؤولية السياسية وسحب الثقة من الحكومة. وفي فرنسا نجد أن دستورها لعام 1958، وقد اهمل استخدام هذه الوسيلة بسبب المبالغة في توظيفها أدى إلى سقوط الحكومات بصورة متتالية، لذا لجأت الجمعية الوطنية إلى التشديد في استخدام تلك الوسيلة، الأمر الذي أدى إلى انحسارها إلى أن اهملت تماماً فيما بعد (7). ولكن هناك إجراء شبيه بالاستجواب يسمى بـ اقتراح توجيه اللوم إذ توجه الجمعية الوطنية ذلك الاجراء إلى الحكومة من أجل تحريك مسؤوليتها (8)، وفي مصر قد نص الدستور المصري لسنة 2014 على حق مجلس النواب بالاستجواب أعضاء الحكومة لمحاسبتهم عن الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم (9)، بالإضافة الى ان اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري أكدت على حق الاستجواب كوسيلة رقابية للأعضاء مجلس النواب في المادة (216) منها (10).
كما قد منح الدستور العراقي لسنة 2005 الحق لعضو مجلس النواب وبموافقة (25) عضوا توجيه استجواب الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم، ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد سبعة الأيام في الأقل من تقديمة (11)، وقد أكد على ذلك أيضا النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي رقم (1) لسنة 2022 في المادة (56) منه. وبذلك يعد الاستجواب وسيلة رقابية فعالة لحماية حقوق الافراد وحرياتهم عن طريق الرقابة التي تمارسها السيادة الشعبية الممثلة داخل المجالس النيابية، من شأن ذلك بطبيعة الحال أن يعمل على زيادة الثقة في المالية العامة للدولة (12) .
يتضح لنا مما تقدم بأن الوسائل الرقابية التي تمارسها السلطة التشريعية على تنفيذ الموازنة العامة، بوصفها أداة فعالة ووسيلة تستطيع بها الدولة التأثير في مختلف الأنشطة الاقتصادية، يكون لها أهمية كبيرة في حماية الحالة المالية للدولة، وتحسين صورتها، وإشاعة الثقة فيها، مما يشجع على تنمية الاقتصاد الوطني، والمحافظة على الأموال العامة من التلاعب والسرقة والإهمال أو التقصير في تحصيلها.
___________
1- ينظر : محمد رعد تحسين الدراجي، الاختصاصات المالية للبرلمان (دراسة مقارنة)، المكتب الجامعي الحديث، دار الكتب والوثائق القومية، ط 1، 2016، ص 354.
2- ينظر : (48) من دستور فرنسا لعام 1958 ، كذلك حدد النظام الداخلي للجمعية الوطنية في المادة (134) ظهر يوم الجمعة موعداً لتوجيه الأسئلة البرلمانية على أعضاء الحكومة وان تنشر الأسئلة التحريرية في الجريدة الرسمية.
3- ينظر : المادة (129) من الدستور المصري لعام 2014.
4- ينظر : المواد (5450) من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي رقم (1) لسنة 2022.
5- ينظر : المادة (55) من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي رقم (1) لسنة 2022.
6- ينظر : محمد رعد تحسين الدراجي، الاختصاصات المالية للبرلمان ( دراسة مقارنة) المرجع السابق، ص399.
7- ينظر : ميلود ذبيح رقابة البرلمان على الحكومة بآلية الاستجواب مقاربة تحليلية، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة الوادي كلية الحقوق والعلوم السياسية، العدد 5، 2012، ص 233.
8- ينظر : كريم لفته مشاري الجراحي، رافع خضر صالح شبر إجراءات تقرير المسؤولية السياسية للوزارة واثارها في النظام البرلماني (دراسة مقارنة)، بحث منشور في مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، جامعة بابل كلية القانون المجلد 7، العدد 14، 2015، ص 18.
9- ينظر : المادة (130) من الدستور المصري لعام 2014.
10- ينظر : المادة (216) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري رقم 1 لسنة 2016.
11- ينظر : المادة (61/ سابعا / ج) من الدستور جمهورية العراق لعام 2005 المعدل.
12- ينظر : د. سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي، طه ، دار الفكر العربي، القاهرة، 1986، ص 47.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة