جاء في «البداية والنهاية» ج 5، ص 187 عن مسلم، عن يحيى بن الحصين، عن جدّته امّ الحصين، وكذلك بسند آخر عن جابر بن عبد الله، قال: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ على رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ويَقُولُ: "لِتَأخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فإنّي لَا أدْرِي لَعَلّي لَا أحُجُّ بَعْدَ حِجَّتِي هَذِهِ".
وخطب صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما بين رمي الجمرات، وهو راكب ناقة أو بغلة شهباء.[1] والناس بين قائم وقاعد يستمعون إليه.[2] وكان أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام يصيح بها في الناس بصوت عال.
وننقل فيما يلي هذه الخطبة عن «تاريخ اليعقوبيّ»: "نَضَّرَ اللهُ وَجْهَ عَبْدٍ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وحَفِظَهَا ثُمَّ بَلَّغَها مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ.
ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلّهِ؛ والنَّصِيحَةُ لأئِمَّةِ الْحَقِّ؛ واللُّزُومُ لِجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ".[3]
وبعد ذلك قال: "يا ربيعة (ربيعة بن امَيَّة بن خلف) قل: أيّها الناس! يقول رسول الله: لَعَلَّكُمْ لَا تَلْقَونَنِي على مِثْلِ حَالِي هَذِهِ وعَلَيْكُمْ هَذَا! هَلْ تَدْرُونَ أيّ بَلَدٍ هَذَا؟ وهَلْ تَدْرُونَ أيّ شَهْرٍ هَذَا؟! وهَلْ تَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ هَذَا؟! فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ! هَذَا الْبَلَدُ الْحَرَامُ والشَّهْرُ الْحَرَامُ والْيَوْمُ الْحَرَامُ! قَالَ: فَإنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا؛ وكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا؛ وكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا! ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَد! ثُمَّ قَالَ: واتَّقُوا اللهَ ولَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْيَاءَهُمْ ولَا تَعْثَوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ. فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا! ثُمَّ قَالَ: النَّاسُ في الإسلَامِ سَوَاءٌ؛ النَّاسُ طَفُّ الصَّاعِ لآدَمَ وحَوَّاءَ؛ لَا فُضِّلَ عَرَبِيّ على عَجَمَيّ؛ ولَا عَجَمِيّ على عَرَبِيّ إلَّا بِتَقْوَى اللهِ! ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: كُلُّ دَمٍ في الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي؛ وأوَّلُ دَمٍ أضَعُهُ دَمُ آدَمَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- وكَانَ آدَمُ بْنُ رَبِيعَةَ مُسْتَرْضِعاً في هُذَيلٍ فَقَتَلَهُ بَنُو سَعْدٍ بْنِ بَكْرٍ؛ وقِيلَ في بَني لَيْثٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ- ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: وكُلُّ رِباً كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي؛ وأوَّلُ رِباً أضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا النَّسِيءُ[4] زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً ويُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ. ألَا وإنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، وإنَّ عِدَة الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً في كِتَابِ اللهِ مِنْهَا أرْبعة حُرُمٌ: رَجَبُ الذي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ، يَدْعُونَهُ مُضَرَ؛ وثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذو الْقَعْدَةِ وذُو الْحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: اوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْراً؛ فَإنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ؛ لَا يَمْلِكْنَ لأنْفُسِهِنَّ شَيئاً؛ وإنَّمَا أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ؛ واسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهُنَّ بِكِتَابِ اللهِ؛ ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقُّ؛ ولَهُنَّ عَلَيْكُم حَقُّ كِسْوَتِهِنَّ ورِزْقِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛ ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فِراشَكُمْ أحَداً؛ ولَا يَأذَنَّ في بُيُوتِكُمْ إلَّا بِعِلْمِكُمْ وإذْنِكُمْ؛ فَإن فَعَلْنَ شَيئاً مِنْ ذَلِكَ فَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ! ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: فَاوصِيكُمْ بِمَنْ مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأكُلُونَ وألْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وأنْ أذْنَبُوا فَكِلُوا عُقُوبَاتِهِمْ إلَى شِرَارِكُمْ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ أخُو الْمُسْلِمِ لَا يَغُشُّهُ ولَا يَخُونُهُ ولَا يَغْتَابُهُ، ولَا يَحِلُّ لَهُ دَمُهُ ولَا شَيءٌ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسِهِ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ بَعْدَ الْيَومِ، ولَكِنْ يُطَاعُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أعْمَالِكُمُ التي تَحْتَقِرُونَ؛ فَقَدْ رَضِىَ بِهِ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: أعْدَى الأعْدَاءِ على اللهِ قَاتِلُ غَيْرِ قَاتِلِهِ، وضَارِبُ غَيْرِ ضَارِبِهِ؛ ومَنْ كَفَرَ نِعْمَةَ مَوَالِيِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أنْزَلَ اللهُ على مُحَمَّدٍ؛ ومَن أنْتَمَى إلَى غَيْرِ أبيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والْمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ. ألَا هل بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: ألَا إنّي إنَّمَا امِرتُ أنْ اقَاتِلَ النَّاسَ حتّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وإنّي رَسُولُ اللهِ؛ وإذَا قَالُوا، عَصَموا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقٍّ وحِسَابُهُم على اللهِ، ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً مُضِلِّينَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. إنّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا أنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ".[5]
نقلنا هذا الخطبة الشريفة التي خطبها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مِنى من «تاريخ اليعقوبيّ» لأنّها جاءت فيه تامّة. وذكرت في غيره من الكتب متفرّقة ومجزَّأة. وكلّ جزء ومقطع منها نقله بعض الرواة؛ كما أشرنا إلى عدد من الكتب التي ذكرت فقراتها بنحو تجزيئيّ، وذلك في الهامش المتقدّم.
وهذه الخطبة في غاية البلاغة والبيان. وتضمّ مواضيع هامّة، وقوانين سياسيّة واجتماعيّة عظيمة، وتعاليم أخلاقيّة وفقهيّة. ويمكن التعويل عليها حقّاً من حيث الرصانة والمتانة والقوّة كالآيات القرآنيّة. وما كان أروع لو كتب لها شرح مفصّل؛ وطبّقت مواضيعها وفقراتها على الآيات القرآنيّة وسائر الأحاديث والاصول المسلّمة للسنّة النبويّة، ومنهاج الآل الطاهرين من سلالته صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكشف عمّا تضمّه من معارف. ولكن سنتحدّث هنا بشكل موسّع عن فقرة من فقراتها وذلك بغية إيضاحها فلعلّها تحتاج إلى شرح وتوضيح أكثر، ونرجو الله المنّان أن يمنّ علينا بالتوفيق، وعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ انِيبُ.
وتتمثّل هذه الفقرة في قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ}، إلى آخر ما قاله في هذا المجال. وكلامه هنا شرح وتوضيح لموضوع جاء في آيتين من القرآن الكريم هما: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}.[6]
وفي ضوء هاتين الآيتين الشريفتين حرّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم التأخير والنسيء في الشهور وأكّد موضّحاً أنّ أعمال كلّ شهر خاصّة بالشهر نفسه، فينبغي أن تقام فيه لا في غيره.
[1] البغلة الشهباء وهي التي فيها بياض يتخلّله سواد.
[2] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 302.
[3] «البداية والنهاية» ج 5، ص 199. وكذلك في حديث آخر جاء في ص 198.
[4] النسيء هو تأخير العمل بالأحكام والتكاليف المقرّرة في شهر معيّن إلي شهر آخر ووقت آخر.
[5] «تاريخ اليعقوبيّ» طبعة بيروت 1379 هـ، ج 2، ص 209 إلى 212. وروى السيوطيّ هذه الخطبة باختلاف يسير في عباراتها في تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 234 و235 بتخريج أحمد بن حنبل، والباورديّ، وابن مردويه، عن أبى حمزة الرقاشيّ، عن عمّه الذي كان من الصحابة، وكان زمام ناقة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بيده. وجاء أصل هذه الرواية في «مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 72 و73. ورواها المجلسيّ في «بحار الأنوار» طبعة كمباني ج 6، ص 662 و663 عن «الكافي». وذكرها ابن هشام في سيرته، ج 4، ص 1022 إلى 1024، إلّا أنّ تحريفاً قد حصل في قوله: كتاب الله وعترة نبيّه، فتغيّر إلى عبارة: كتاب الله وسنّة نبيّه. وذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية» ج 5 بأسناد متعدّدة، من ص 194 إلى 201. ونقلها البيهقيّ أيضاً في «السنن» ج 5، ص 140 كتاب الحجّ. وذكرها كذلك ابن الجوزيّ في كتاب «الوفاء بأحوال المصطفى» ج 1، ص 207 و208. وذكرها أيضاً ابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 183 إلى 187. وذكرها صاحب «روضة الصفا» ج 2، باب حجّة الوداع. وكذلك ذكرها عليّ بن إبراهيم في تفسيره، في ذيل الآية: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، ص 159 إلى 161. وذكرها الطبريّ أيضاً في «تاريخ الامم والملوك» ج 3، ص 150 إلى 152. وأوردها الجاحظ في «البيان والتبيين» طبعة القاهرة، سنة 1367 هـ، ج 2، من ص 31 إلى ص 33.
[6] الآيتان 36 و37، من السورة 9: التوبة.