توقّف رسول الله صلّى الله عليه وآله في الأبطح شرقيّ مكّة أيّاماً قبل حلول الحجّ مع جميع من يخصّه من أهل بيته ولا سيّما بضعته الكريمة فاطمة الزهراء عليها السلام سيّدة نساء العالمين وأولادها الصغار الذين رافقوها في تلك السفرة: الإمام الحسن، والإمام الحسين، وزينب، وامّ كلثوم عليهم السلام وكانت أعمارهم تتراوح بين والثامنة والرابعة، أو أقل. وكانت حاملًا بالمحسن عليه السلام كما تفيد القرائن.
وفي ضوء ما قيل أنّه دخل مكّه في يوم الأحد الرابع من ذي الحجّة، فإنّه توقّف أربع ليال اخرى في مكّة؛ وخطب في اليوم السابع الذي يسمّونه: يَوْم الزِّينَةِ، لأنّه يزيّن فيه البدن بالجلال،[1] وخطب في اليوم الثامن وهو يوم التَّرْويَة وأخبرهم بمناسكهم.[2] وتوجّه إلى منى يوم الخميس، وهو يوم التروية، قبل الزوال وقيل بعده، وأمر المتمتّعين في ذلك اليوم أن يحرموا من مكّة ويلبّوا [متّجهين إلى منى].[3]
وفي ضوء ذلك، فإنّ جميع المتمتّعين الذين أحلّوا من إحرامهم بأمره منذ اليوم الرابع، بقوا محلّين حتّى اليوم الثامن (التروية) ما عدا الرسول الأعظم وأمير المؤمنين عليهما السلام ومن ساق معه الهَدْي. ثمّ أحرموا في ذلك اليوم وتوجّهوا إلى منى: جاء رسول الله إلى منى، وصلّى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء فيها، ثمّ مكث حتّى الصباح؛ فصلّى الفجر فيها أيضاً وذلك يوم التاسع، وهو يوم عرفة. ثمّ توجّه إلى عرفات. ولا خلاف في أنّ رسول الله صلّى هذه الصلوات الخمس في منى. وحتّى الذين قالوا إنّه تحرّك يوم التروية بعد زوال الشمس، صرّحوا بأنّه صلّى الظهر بمنى.[4]
وعلى هذا الأساس، وبناءً على أصل الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام فإنّ من المستحبّ المؤكّد هو أنّ على الحجّاج أن لا يذهبوا من مكّة إلى عرفات مباشرة، بل عليهم أن يبيتوا ليلة عرفة بمنى، ويتوجّهوا إلى عرفات صبيحة يوم عرفة.
وقد تحرّك صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عَرَفَات صبيحة يوم عرفة بعد طلوع الشمس، وأمر أن يضربوا قبابهم بنَمِرَة.[5]
ولأنّ قريش كانوا يرون أنّهم أهل الحرم، لذا فقد كانوا لا يخرجون من المشعر الحرام الذي هو داخل الحرم أثناء الحجّ، ويجعلون وقوفهم عند المشعر. وكانوا يقولون: إنّ الوقوف في عرفات، وهي خارج الحرم لغير قريش. ومن هذا المنطلق فإنّ رسول الله لمّا تحرّك من منى، لم تشكّ قريش- وهو منها- أنّه سيقف في المشعر؛ إلّا أنّ ظنّها لم يصدق، إذ إنّه توجّه من منى إلى عرفات ونزل قبّة قد ضربت له بنَمِرَة.[6] ووفقاً لقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.[7] فإنّه جعل الوقوف في عرفات. وتحرّك من هناك إلى المشعر الحرام، ثمّ إلى منى لأداء مناسك منى.
أجل، كان رسول الله في قبّته بعرفات حتّى إذا زالت الشمس أمر بناقته القَصْواءِ،[8] فرحلت، ثمّ أتى بطن الوادي، فخطب الناس قائلًا: "إن دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا؛ في شَهْرِكُمْ هَذَا؛ في بَلَدِكُمْ هَذَا؛ ألَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي؛ ودِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ؛ وإنَّ أوَّلَ دَمٍ أضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- وكَانَ مُسْتَرْضِعاً في «بَنِي سَعْدٍ» فَقَتَلَهُ «هُذَيْلٌ» .
وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وأوَّلُ رِباً أضَعُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَإنَّهُ مُوْضُوعٌ كُلُّهُ".[9]
وَاتَّقُوا اللهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذتُموهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ؛ ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَداً تَكْرَهُونَهُ؛ فَإن فَعلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ![10] ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ![11]
وَأنْتُمْ تُسْألُونَ عَنِّي فَمَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟! قَالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونَصَحْتَ! فَقَالَ بِإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ ويَنْكُتُهَا على النَّاسِ: اللَهُمَّ اشْهَد! اللَهُمَّ اشْهَدْ! اللَهُمَّ اشْهَدْ! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ".[12]
يقول عمرو بن خارِجة: بعثني عَتّاب بن اسَيْد إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حاجة، ورسول الله واقف بعرفة، فبلغته ثمّ وقفت تحت ناقته وأنّ لعابها ليقع على رأسي، فسمعته يقول: "أيُّهَا النَّاسُ: إنَّ اللهَ أدَّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وأنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ؛[13] والْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ؛ ولِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ؛ ومَنِ ادَّعَى إلى غَيْرِ أبِيهِ، أوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والْمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ صَرْفاً ولَا عَدْلًا".[14]
كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ينشئ هذه الخطبة وربيعة بن امَيَّة بن خَلَف، وهو جَهْوَرِيّ الصوت، يُنادي بها في الناس، ورسول الله يقول له: قل: أيّها الناس! أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: ...[15]
وبعد خطبة رسول الله، أذّن بِلَال، ثمّ أقام، فصلّى الظهر، ثمّ أقام [بلال]، فصلّى العصر.
[1] «البداية والنهاية» ج 5، ص 166، الطبعة الاولي، سنة 1351 هـ، مطبعة السعادة- مصر.
[2] «نفس المصدر السابق» و«الطبقات» لابن سعد، ج 2، ص 173.
[3] «البداية والنهاية» ج 5، ص 169.
[4] «نفس المصدر السابق»
[5] نَمِرَة- بفتح النون وكسر الميم- ناحية بعرفة نزل بها النبيّ صلّى الله عليه وآله. وقيل: الحرم من طريق الطائف على طرف عرفة من نمرة على أحد عشر ميلًا.( «معجم البلدان» ج 8، باب النون والميم).
[6] «البداية والنهاية» ج 5، ص 170؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 289؛ و«الوفاء بأحوال المصطفى» ج 1، ص 211.
[7] نقل في «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 289، عن ابن الجوزيّ قوله: حجّ [رسول الله] صلّى الله عليه [و آله] وسلّم قبل النبوّة وبعدها حججاً لا يُعلم عددها. أي: وكان قبل النبوّة يقف بعرفات ويفيض منها إلى مزدلفة مخالفاً لقريش توفيقاً له من الله، فإنّهم كانوا لا يخرجون من الحرم. فإنّهم قالوا: نحن بنو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهل الحرم وولاة البيت وعاكفو مكّة. فليس لأحد من العرب منزلتنا، فلا تعظّموا شيئاً من الحلّ. أي: كما تعظّمون الحرم، فإنّكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظّموا من الحلّ مثل ما عظّموا من الحرم. فليس لنا أن نخرج من الحرم. نحن الحمس. فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منه إلى المزدلفة، ويرون ذلك لسائر العرب. والآية المذكورة هي الآية 199، من السورة 2: البقرة.
[8] القَصواء، بفتح القاف والمدّ. وقيل: بضمّ القاف والقصر: قُصْوى وهو خطأ. وهذه الناقة غير العَضْباء والجَدْعاء. وما قيل إنّها أسماء لناقة واحدة فهو خطأ أيضاً.( «السيرة الحلبيّة» 298: 3).
[9] نقل ابن الأثير أكثر فقرات هذه الخطبة في «الكامل» ج 2، ص 302.
[10] ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحِ: بَرَّحَ بِهِ الأمْرُ: أتعبه وجهده وآذاه أذى شديداً.
[11] جاء في «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 1023: كتاب الله وسنّة نبيّه. وجاء في «تاريخ اليعقوبيّ» طبعة بيروت 1379 هـ، ج 2، ص 111: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. وفي ضوء ذلك، فإنّ الظنّ يغلب على أنّ الروايات كلّها ذكرت قوله: وعترتي أهل بيتي. غاية الأمر أنّ هذه العبارة قد حذفت في الكتب المذكورة. وحرّفت في «سيرة ابن هشام» إذ استبدلت بها عبارة: وسنّة نبيّه.
[12] «البداية والنهاية» ج 5، ص 170؛ و«سيرة ابن هشام» ج 4، ص 1022 و1023؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 298 و299؛ و«بحار الأنوار» طبعة كمباني ج 6، ص 668 عن كتاب «المنتقى»؛ و«روضة الصفا» ج 2، حجّة الوداع؛ و«تاريخ الطبريّ» ج 3، ص 150 و151 من الطبعة الثانية لدار المعارف؛ و«الوفاء في أحوال المصطفى» ج 1، ص 212؛ و«الكامل في التاريخ» ج 2، ص 302؛ ومحمّد حسنين هيكل في كتاب «حياة محمّد» ص 461 إلى 463.
[13] الشاهد على ذلك ما جاء في «الطبقات» لابن سعد، ج 2، ص 183 أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في هذه الخطبة: "إنَّ اللهَ قَسَّمَ لِكُلِّ إنسانٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيرَاثِ، فَلَا يَجُوزُ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ. وأمَّا الوَصِيَّةُ التي لَا تضيّع حَقَّهم كَمَا في الوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ المُجَازِ فِيهِ، فَلَا إشْكَالٌ فِيهَا".
[14] «البداية والنهاية» ج 5، ص 171، رواه [عن محمّد بن إسحاق] الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 300؛ و«الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 183.
[15] «البداية والنهاية» ج 5، ص 171؛ «السيرة الحلبيّة» ج 2، ص 299.