قصّة مقتل رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على ما نقله محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب «الكافي» فهي كما يأتي: روى بسنده عن يزيد بن خليفة الحاربيّ أنّه قال: سأل عيسى بن عبد الله أبا عبد الله عليه السلام الإمام الصادق وأنا حاضر فقال: تخرج النساء إلى الجنازة؟!
وكان متّكئاً فاستوى جالساً، ثمّ قال: إنّ الفاسق عليه لعنة الله[1] آوى
ابن عمّه معاوية بن المغيرة بن أبي العاص وكان ممّن هدر رسول الله دمه. فقال لابنة رسول الله: لا تخبري أباكِ بمكانه! كأنّه لا يوقن أنّ الوحي يأتي محمّداً.
فقالت رقيّة: ما كنتُ لأكتم رسول الله صلى الله عليه وآله عدوّه. فجعله بين مشجب له ولحفه بقطيفة. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله الوحيُ فأخبره بمكانه. فبعث إليه عليّاً عليه السلام، وقال: اشتمل على سيفك وائت بيت ابنة عمّك، فإن ظفرتَ بالمغيرة فاقتله. فأتى أمير المؤمنين عليه السلام البيت فجال فيه، فلم يظفر به، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره. فقال: يا رسول الله! لم أره. فقال رسول الله: إنّ الوحي قد أتاني فأخبرني أنّه في المشجب. ودخل عثمان بعد خروج عليّ عليه السلام فأخذ بِيَدِ ابن عمّه، فأتى به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم. فلمّا رآه أكبّ ولم يلتفت إليه. وكان نبيّ الله صلى الله عليه وآله حيّياً كريماً.
فقال عثمان: يا رسول الله هذا ابن عميّ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، والذي بعثك بالحقّ ما آمنُه. فأعادها ثلاثاً.
وأعادها أبو عبد الله عليه السلام ثلاثاً: كذب عثمان، والذي بعثه بالحقّ نبيّاً. كان عثمان يأتي عن يمين رسول الله، ثمّ يأتي عن يساره. فلمّا كان في الرابعة، رفع رأسه إليه فقال: قد جعلت لك ثلاثاً، فإن قدرتُ عليه بعد ثلاثة، قتلتُه.
فلمّا أدبر وتولّى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللَهُمَّ العَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ المُغيرةِ والعَنْ مَنْ يُؤْوِيهِ، والعَنْ مَنْ يَحْمِلُهُ، والعَنْ مَنْ يُطْعِمُهُ، وَالعَنْ مَنْ يَسْقِيهِ، والعَنْ مَنْ يُجَهِّزُهُ، والعَنْ مَنْ يُعْطِيهِ سِقَاءً أو حِذَاءً أو رِشَاءً أو وِعَاءً!
وهو يعدّهنّ بيمينه. وانطلق به عثمان وآواه وأطعمه وسقاه وحمله وجهّزه حتى فعل جميع ما لعن عليه النبيّ صلى الله عليه وآله من يفعله به. ثمّ أخرجه في اليوم الرابع يسوقه.
فلم يخرج من أبيات المدينة حتى أعطب الله راحلته ونقب حذاءه ودميت قدماه، فاستعان بيده وركبته، وأثقله جهازه حتى وجّر به، فأتى سُمرة فاستظلّ بها. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله الوحي فأخبره بذلك، فدعا عليّاً عليه السلام فقال: خذ سيفك فانطلق أنت وعمّار وثالث لهم، فإنّ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص تحت شجرة كذا. فأتاه أمير المؤمنين عليه السلام، فقتله.[2]
فضرب عثمان بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بخشبة المحمل ضرباً كثيراً وقال: أنتِ أخبرتِ أباكِ بمكانه. فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تشكو ما لقيت. فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله: اقْنِي حَيَاءَكِ، فَمَا أقْبَحَ بِالمَرْأةِ ذَاتِ حَسَبٍ ودِينٍ في كُلِّ يَوْمٍ تَشْكُو زَوْجَهَا. فأرسلت إليه مرّات، كلّ مرّة يقول لهأ ذلك و يأمرها بالصبر والتحمّل. فلمّا كان في الرابعة، دعا عليّاً وقال: خذ سيفك واشتمل عليه ثمّ ائت بنت ابن عمّك فخذ بيدها فإن حال بينك وبينها فأحطمه بالسيف فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله كالواله من منزله إلى دار عثمان. فأخرج عليّ عليه السلام ابنة رسول الله. فلمّا نظرت إليه، رفعت صوتها بالبكاء. واستعبر رسول الله وبكى، ثمّ أدخلها منزله. وكشفت عن ظهرها. فلمّا أن رأى ما بظهرها قال ثلاث مرّات: قَتَلكِ قَتَلَهُ اللهُ. وكان ذلك يوم الأحد. وبات عثمان متلحّفاً بجاريتها. فمكثت الاثنين والثلاثاء وماتت في يوم الأربعاء. فلمّا حضر أن يخرج بها، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فخرجت ونساء المؤمنين معها.
وخرج عثمان يشيّع جنازتها. فلمّا نظر إليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم قال: من أطاف البارحة بأهله أو بفتاته فلا يتّبعن جنازتها. فلم يخرج عثمان، وخرجت فاطمة عليه السلام ونساء المؤمنين والمهاجرين فصلّين على الجنازة.[3]
ونطالع في كتاب «الغدير» للعلّامة الأمينيّ ردّاً على كتاب «حياة محمّد» للمستشرق أميل درمنغم، وقد ترجمه الاستاذ الفلسطينيّ مُحَمَّد عَادِل زُعَيْتِر، إذ انتقد العلّامة أصل الكتاب ومترجمه بشدّة. ذلك أنّ مؤلّفه يقول فيه: وكان صهرا النبيّ الأمويّان (عثمان وأبو العاص) أكثر مداراة للنبيّ من عليّ. فقال العلّامة في سياق جوابه عن هذا الموضوع: وإنّي لا يسعني المجال لتحليل كلمة الرجل: وكان صهرا النبيّ الأمويّان: وحسبك في مداراة عثمان حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله لمّا شهد دفن رقيّة ابنته العزيزة وقعد على قبرها ودمعت عيناه فقال: أيّكم لم يقارف الليلة أهله؟! فقال أبو طلحة الأنصاريّ[4]: أنا. فأمره أن ينزل في قبرها.
قال ابن بَطّال: أراد النبيّ صلى الله عليه وآله أن يحرم عثمان النزول في قبرها. وقد كان أحقّ الناس بذلك، لأنّه كان بعلها وفقد منها علقاً لا عوض منه. لأنّه حين قال صلى الله عليه وآله: أيّكم لم يقارف الليلة أهله؟ سكت عثمان ولم يقل: أنا، لأنّه قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهمّ بالمصيبة وانقطاع صهره من النبيّ صلى الله عليه وآله عن المقارفة. فحرم بذلك ما كان حقّاً له. وكان أولى به من أبي طلحة وغيره.
وهذا بيّن في معنى الحديث. ولعلّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد كان علم ذلك بالوحي، فلم يقل له شيئاً لأنّه فعل فعلًا حلالًا غير أنّ المصيبة لم تبلغ منه مبلغاً يشغله حتى حرّم ما حرّم من ذلك بتعريض غير صريح. («الروض الانُف» ج 2، ص 107).[5]
[1] المراد عثمان. وجاء في الرواية: عمّه المغيرة. ولعلّها من إسقاط النسّاخ، ونحن ذكرنا في النصّ أعلاه: ابن عمّه معاوية بن المغيرة.
[2] روى المجلسيّ رضي الله عنه في «بحار الأنوار» ج 6، ص 516 عن الكازرونيّ في «المنتقى»، عن ربيعة بن الحارث في غزوة حمراء الأسد قال: وظفر رسول الله صلى الله عليه وآله في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص وبأبي غِرَّة الجمحيّ. وكان أبو غِرَّة اسر يوم بدر فأطلقه النبيّ صلى الله عليه وآله لأنّه شكى إليه فقراً وكثرة العيال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليه العهود أن لا يقاتله ولا يعين على قتاله. فخرج معهم يوم احد وحرّض على المسلمين. فلمّا اتى به رسول الله قال: يَا مُحَمَّد! امْنُنْ عَلَيّ. قال: المُؤمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ. وأمر به فقتله. وأمّا معاوية وهو الذي جدع أنف حمزة ومثّل به مع من مثّل به، وكان قد أخطأ الطريق [في رجوعه إلى مكّة]، فلمّا أصبح أتى دار عثمان بن عفّان. فلمّا رآه، قال له عثمان: أهْلَكْتَنِي وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ. فقال: أنت أقربهم منّي رحماً وقد جئتك لتجيرني. فأدخله عثمان داره وصَيّره في ناحية منها. وعرض المجلسيّ هذا الموضوع عن الكازرونيّ مفصّلًا بالصورة التي نقلناها عن الواقديّ. وقال في آخره: وروى هذا الخبر ابن أبي الحديد أيضاً وأكثر اللفظ له. ثمّ قال: ويقال: إنّه ادرك على ثمانية أميال من المدينة. فلم يزل زيد وعمّار يرميانه بالنبل حتى مات. وهذا كان جدّ عبد الملك ابن مروان لُامّه - انتهى كلام الكازرونيّ. قال المجلسيّ: هذه القصّة كانت سبب قتل عثمان ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، كما سيأتي شرحه إن شاء الله في مثالبه، وباب أحوال أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله - انتهى كلام المجلسيّ. وأنا أقول: لم تقتصر جرائم عثمان على إيوائه معاوية. قال المسعوديّ في «التنبيه والإشراف» ص 232 و233: وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله [في فتح مكّة] بقتل ابن الأخطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، ومِقْيَس بن حبابة. وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان لُامّه وأحد كتّاب الوحي فارتدّ مشركاً ولحق بمكّة. فلمّا أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم بقتله أخفاه عثمان ثمّ أتى به النبيّ صلى الله عليه وآله سائلًا فيه. فصمت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم طويلًا ثمّ قال: نعم! فلمّا انصرف به عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لمن حضره من أصحابه: أمَا والله لقد صمتُّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: فهلّا أو ماتَ يا رسول الله؟ فقال: إنَّ النَّبِيّ لا يَقْتُلُ بِالإشَارَةِ. ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أيضاً حرمة الاغتيال في الإسلام. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح هذا هو الذي عزّزه عثمان وكرّمه أيّام حكومته الغاصبة ثمّ ولّاه على مصر.
[3] ذكر المرحوم المجلسيّ هذا الحديث في «بحار الأنوار» ج 6، ص 709 و710، طبعة الكمبانيّ، في باب أحوال أولاد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، نقلًا عن الكلينيّ. وكذلك أورد في الكتاب نفسه وفي هذا الموضع، وأيضاً في ج 8، ص 215، باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم، رواية قريبة من هذا المضمون عن «الخرائج والجرائح» للراونديّ.
[4] جاء في «أسد الغابة» عند ترجمة أبي طلحة، ج 6، ص 181، رقم 6029: هو زيد ابن سهيل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ. شهد بدراً وله يوم احد مقام مشهود وكان يقي رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه، ويرمي بين يديه ويتطاول بصدره ليقي رسول الله ويقول: نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ ونَفْسِي دُونَ نَفْسِكَ. وكان رسول الله يقول: صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل. آخى رسول الله بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح وشهد المشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وكان زوج امّ سليم امّ أنس بن مالك.
[5] «الغدير» ج 3، ص 24.