إنّ رسول الله خطب بعد حلول وقت الظهر، ثمّ جمع بين الظهر والعصر؛ وهل كانت صلاة الظهر هذه هي صلاة الجمعة إذ صلّى ركعتين وخطب قبلهما؛ أو كانت صلاة الظهر دون كيفيّة صلاة الجمعة، كلّ ما في الأمر أنّ خطبة قد القيت قبلها؟ ولمّا كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد جمع بين الظهر والعصر، وخطب قبل الصلاة، فيمكن أن نقول: إنّ الصلاة كانت صلاة الجمعة. لا سيّما وأنّ الرواية المأثورة عن الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه، عن جابر في حِجَّة الوَداع تعضد ذلك.
قال جابر: «راح النبيّ إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الاولى، ثمّ أذّن بلال؛ ثمّ أخذ النبيّ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان؛ ثمّ أقام بلال، فصلّى الظهر؛ ثمّ أقام، فصلّى العصر»؛[1] وبنوا على صلاة الجمعة من الخطبتين اللتين كانتا بعد زوال الشمس، ومن الجمع بين صلاتي الظهر والعصر.
ولمّا كان رسول الله مسافراً، وصلاة الجمعة لا تجب على المسافر، وكانت الخطبة بعد الزوال لتهيئة المسلمين للعبادة، كما أنّ الجمع بين الظهر والعصر كان لهذا الغرض، ولم تثبت الخطبتان عن النبيّ، خصوصاً وقد صلّى الظهر إخفاتا لا جهراً كما يفيده بحث مالك مع أبي يوسف بحضور هارون الرشيد، فيمكننا أن نستنتج من ذلك كلّه أنّه لم يصلّ الظهر على صورة الجمعة.[2]
وبعد الصلاة ركب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم راحلته، إلى أن أتى الموقف؛ فاستقبل القبلة، ولم يزل واقفاً للدعاء من الزوال إلى الغروب. وفي الحديث: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي، أي في يوم عرفة: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
واستمرّ يدعو حتّى غربت الشمس. وجاءه جماعة من نجد، فسألوه عن صورة الحجّ، فأمر منادياً ينادي "الْحَجُّ عَرَفَةٌ؛ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ- أي: الْمُزْدَلِفَةَ- قَبْلَ طُلُوعٍ الْفَجْرِ، فَقَدْ أدْرَكَ الْحَجَّ".[3]
وكان رسول الله راكباً على ناقته العَضْبَاء؛ ولمّا غربت الشمس، أردف اسامة بن زيد خلفه، وتوجّه إلى المُزْدَلَفَة، وهو يأمر الناس بالسكينة في السير. ولمّا كان في الطريق عند الشِّعْب الأبْتَر، نزل فيه فبال وتوضّأ وضوءاً خفيفاً.[4]
وجاء بلا تأخير، حتّى وصل المُزْدَلَفَة، فصلّى المغرب والعشاء جامعاً بينهما بأذان واحد وإقامتين؛[5] واضطجع بعد ذلك. وأذن للنساء والضعفة من الصبيان أن يذهبوا إلى مِنَى بعد منتصف الليل. ويقول ابن عبّاس: أرسلني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع ضعفة أهله لآتى بهم إلى مِنى بعد نصف الليل. وأوصى أن لا يرموا جَمْرَة العقبة حتّى تطلع الشمس.
فلمّا كان وقت الفجر، قام صلّى الله عليه وآله وسلّم وصلّى بالناس الصبح بمزدلفة مغلساً. ثمّ أتى المَشْعَرَ الْحَرَام فوقف به، وهو راكب ناقته، واستقبل القبلة، ودعا الله، وكبّر، وهلّل، ووحّد، حتّى أسفر الصبح.[6]
وتوجّه إلى مِنى راكباً، وأردف خلفه الفَضْل بن العَبَّاس. فلمّا وصل وادي مُحَسَّر، حرّك ناقته قليلًا، وسلك الطريق التي تسلك على جَمْرَة العَقَبَة، فرمى بها من أسفلها سبع حصيّات التقطها له عبد الله بن عبّاس. وصار يكبّر عند رمي كلّ حصاة.
[1] «المصدر السابق» ص 172.
[2] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 300؛ «و البداية والنهاية» ج 5، ص 173 إلي 175.
[3] «نفس المصدر السابق»
[4] «المصدر السابق» ص 301. وكان هذا التبوّل بسبب نحت الأصنام في الجاهليّة من ذلك الجبل.
[5] «البداية والنهاية» ج 5، ص 180.
[6] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 301، طبعة مصر، سنة 1353 هـ.