التعريف بالتفريق القضائي للهجر فقها وقانوناً
المؤلف:
حسن قحطان عبد الأمير صادق
المصدر:
التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة
الجزء والصفحة:
ص 16-20
2026-10-21
13
تتباين التشريعات في تعريف وتحديد مفهوم التفريق القضائي للهجر، حيث إن وضع تعريف محدد لهذا المفهوم في مواد قانونية محددة يكسب اهمية كبيرة ، وذلك لتحديد ما يقصد بالهجر وعدم التوسع أو التضييق في تحديد اثره وحدوده والحكم به من قبل المحاكم المختصة.
بالنسبة للمشرع العراقي فلم بورد في قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لسنة 1959 المعدل، تعريفا محددا للتفريق القضائي ككل وإنما أشار إلى مشروعية ووجوب الحكم به وعلى حالات تحققه في المواد ( 40-45)منه فالضرر من الناحية القانونية هو اتيان أحد الزوجين بفعل أو تصرف يلحق بالآخر الأذى سواء أكان هذا الاذى مادياً أم معنوياً يجعل من الحياة الزوجية غير قابلة للاستمرار بأي شكل من الاشكال (1).
حيث نص القانون العراقي على حالات يحق فيها لكلا الزوجين طلب التفريق وحالات أخرى يحق فيها للزوجة وحدها طلب التفريق وهي تتلخص إجمالا في حالات الضرر التي يتعذر معها استمرار الحياة الزوجية وحالات اخرى يمكن فيها للزوجة وحدها طلب التفريق ، كما في حالة الهجر والاذى وعدم التزام الزوج بالإنفاق (2) . والجدير بالذكر أن المشرع العراقي لم يحدد أنواع وأشكال الضرر الموجب للتفريق القضائي على سبيل الحصر، وإنما أشار اليها على سبيل المثال، وهذا ما يحسب له، حيث يستدل على ذلك من خلال نص المادة (40) من قانون الاحوال الشخصية العراقي والتي اشار الى الحالات التي يتحقق فيها الضرر على سبيل المثال لا الحصر، حيث اشار إلى أن لكلا الزوجين الحق في طلب التفريق عند اضرار احد الزوجين بالآخر ضررا يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية (3).
والحقيقة، إن فكرة الضرر هي فكرة نسبية تتأثر حسب الزمان والمكان أي بمعنى أن ما يعتبر من قبيل الضرر في مكان معين قد لا يعتبر كذلك في مكان آخر وكذلك كونه متباين من الناحية الزمانية ومتغير بتغير الأزمنة وتطور الاجيال فما يمكن إن كان يعتبر من قبيل الضرر في زمن سابق قد لا يعتبر من قبيل الضرر في الحاضر أو المستقبل كعمل الزوجة على سبيل المثال ، فمعيار قياس الضرر في القانون العراقي هو معيار موضوعي وفيه مرونة عالية (4) .
وبما ان اسباب وانواع الضرر متعددة ومتنوعة فلا يمكن حصرها بمفاهيم محددة أو انواع ثابتة من حيث النتائج والاسباب المكنها بالمحصلة تنتهي عند الضرر المحتم وغير القابل للإزالة .
وقد اشار المشرع العراقي إلى حق الزوجة في طلب التفريق القضائي عن زوجها بسبب قيامه بالهجر العمدي الذي لا يقترن بسبب مشروع، وقد حدد المشرع العراقي مدة (سنتين) يحق بعدها للزوجة طلب التفريق عن زوجها ، فالهجر يعد اخلالا بجوهر عقد الزواج القائم على اساس المودة والرحمة، وهو يختلف عن الغياب القسري كالسجن أو السفر (5) .
فالهجر يجب أن يتوفر فيه ركن أساسي وهو الإعراض والقصد أي بمعنى أن الهجر هو تعمد الزوج الاضرار بزوجته من خلال الابتعاد عنها بلا عذر مشروع ولا سبب يستوجب هذا البعد (6).
وقد أشار المشرع العراقي إلى حالات أخرى متعددة كالإدمان على تناول المسكرات والخيانة الزوجية والزواج بزوجة أخرى دون إذن المحكمة أو كون أحد طرفي العلاقة الزوجية كان قاصرا (7) ، عند ابرام عقد الزواج وتزوج دون موافقة المحكمة والزواج بالإكراه لمن هم دون سن الزواج القانوني (8).
ونظم المشرع العراقي حالات متعددة يحق فيها للزوجة طلب التفريق القضائي تتمثل بحبس الزوج لمدة 3 سنوات فأكثر حتى وان كان لديه مال تنفق منه، فيتم الحكم بالتفريق من قبل القاضي ويكون الاجراء القضائي هنا بمثابة الفسخ العقد الزواج حماية للزوجة وصيانة لقدسية واهمية العقد (9).
وأشار المشرع العراقي إلى الهجر وامكانية طلب الزوجة التفريق بسببه في الفقرة الثانية من المادة (43) حيث ان للزوجة الحق بطلب التفريق القضائي في حالة هجر الزوج لها بلا عذر وبقصد الاضرار، فإذا هجر الزوج زوجته مدة سنتين فأكثر بلا عذر مشروع، حتى وإن كان الزوج معلوم محل الاقامة وللزوجة مال تنفق منه فيحكم القاضي هنا بالتفريق بعد التثبت من تحقق الضرر الناتج عن الهجر (10) .
فالمشرع العراقي كما نلاحظ ، لم يورد تعريفا محددا للهجر ولكننا نجد إنه قد نظمه بصورة متوازنة من الناحيتين المادية والمعنوية ، حيث إن الضرر الناتج عن الهجر هنا يعد متحققا حتى وإن كان للزوجة مال تنفق منه بغياب زوجها وبالتالي فان للمحكمة الحكم بالتفريق لعدم الانفاق تارة وللهجر مع الاستمرار بالإنفاق تارة اخرى، واشار ايضا الى امكانية التفريق حتى ولو كان الزوج معلوم محل الاقامة اي بمعنى ان المشرع العراقي هنا يشير الى الهجر الارادي غير المبرر. ومن جانب آخر فإننا نجد أن المشرع العراقي قد فرق بشكل واضح بين التفريق للهجر وبين التفريق لعدم الانفاق ووازن بينهما كلا على حدة في امكانية طلب التفريق ، فالهجر مع الانفاق بعد ضرراً ، كما ان الوصل بلا انفاق ايضا يعد ضرراً.
حيث يمكننا القول إن التفريق القضائي للهجر كما يعبر عنه المشرع العراقي في قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل هو ، طلب الزوجة من المحكمة التفريق بينها وبين زوجها بناء تحقق هجر زوجها لها لسنتين فأكثر وبلا عذر مشروع ، مع توفر القصد لدى الزوج بالإضرار بالزوجة حتى لو كان زوجها معلوم محل الاقامة ومستمراً بالإنفاق عليها.
أما بالنسبة إلى مدونة الاحكام الشرعية العراقية للفقه الجعفري فأنها تشير في المادة (67) على أن "هجر الزوج لزوجته يعتبر اخلالاً بواجبات الزوج بتأدية حقوق الزوجة (11) .
وتجيز مدونة الاحكام الشرعية للقاضي التفريق بين الزوجين وايقاع الطلاق بين الزوجين بشروط محددة بسبب الهجر التام بعد استنفاد كافة سبل الارجاع والتوفيق بين الزوجين بإقناع الزوج بالعدول عن الهجر غير المبرر فيخير بين الرجوع عن الهجر أو تسريح الزوجة بالطلاق فأن امتنع عن كلا الحالتين جاز للقاضي الحكم بالتفريق بعد أخذ موافقة المرجع الديني (12).
والجدير بالذكر هنا أن على المحكمة ، وفق مدونة الفقه الجعفري بعد تخيير الزوج وفي حال امتناعه عن ترك الهجر، أن تقوم بمفاتحة المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي للحصول على موافقة المرجع الديني للحكم بالتفريق ، ويكون قراره ملزما للقاضي عملا بأحكام المادة (74 / ثالثا) من المدونة الفقهية (13).
فالتفريق القضائي للهجر في مدونة الفقه الجعفري يراد به الطلاق الذي يقوم به القاضي بعد أخذ موافقة المرجع الديني بناء على طلب الزوجة، لتعذر استمرار الحياة الزوجية بسبب قيام الزوج بهجرها لأكثر من أربعة أشهر، وبشكل قطعي مع استمرار هذا الضرر بعد أن تستنفد المحكمة كافة سبل الاصلاح و الأساليب والطرق التي من شأنها ازالة هذا الضرر.
أما بالنسبة للمشرع المصري، فيجيز للزوجة طلب التفريق القضائي عن زوجها إذا اثبتت تضررها الفعلي من قبل الزوج ، فان إيذاء الزوجة بالقول أو الفعل يعتبر من قبيل الضرر (14).
ويشير القانون المصري ايضا إلى اعتبار أن غيبة الزوج الطويلة عن زوجته بلا عذر مشروع تعتبر سببا من اسباب التفريق القضائي ، حيث أشار إلى أن غيبة الزوج عن زوجته لأكثر من سنة بلا عذر مقبول ، يجيز للقاضي التفريق بينها وبين زوجها إذا تبين له إنها قد تضررت من جراء هذا الهجر (15).
وهناك حالات متعددة يمكن فيها للقاضي التفريق القضائي او (التطليق) (16) ، ومنها التفريق للضرر والتفريق للإيلاء والتفريق لعدم الانفاق وغيرها من الحالات التي تجيز للقاضي المصري التفريق بين الزوجين بعد استحصال الاثبات الكافي للأسباب الموجبة للتفريق من خلال اثبات الضرر.
فقد أولى المشرع المصري اهمية خاصة لحالات هجر وغياب الزوج عن زوجته في كونه سببا من أسباب التفريق القضائي، حيث يشير القانون المصري أنه إذا غاب الزوج عن زوجته سنة فأكثر جاز للزوجة طلب التفريق القضائي عن زوجها، إذا تسبب الهجر بضرر على الزوجة وتم اثباته أمام القضاء (17).
كما أن بقاء الزوج مع زوجته في دار واحدة ، مع اقتران المعاشرة بالبعد والاعراض وترك الفراش ، هو ايذاء لكرامة الزوجة وقد يكون فوات لحقها في الاحصان ، فبالتالي هو محتم على الزوجة ومتحقق ويوجب الحكم بالتطليق(18). وأن مدة الهجر الموجب للتفريق تكون في القانون المصري سنة واحدة بخلاف القانون العراقي، فالقانون المصري يجيز للزوجة طلب التطليق إذا تم هجرها من زوجها مدة سنة فأكثر بلا عذر مشروع (19)، كما أن الهدف من تشريع التطليق هو مراعاة لمصلحة الزوجة ورفع الضرر عنها بأسرع ما يمكن (20) .
فالتفريق للهجر في القانون المصري يراد به التطليق الذي تقوم به المحكمة، بناء على طلب الزوجة، بعد اثباتها لواقعة الهجر الحاصل عليها والضرر الناتج عنه بصورة متعمدة بلا عذر مشروع، سواء كان هجرا مادياً أم معنوياً لمدة سنة واحدة فأكثر، فيقوم القاضي بالحكم بالتطليق بعد التثبت من تحقق الضرر ومدة الهجر واستنفاد سبل الارجاع والتواصل.
وخلاصة ما تقدم، نجد أن التفريق للهجر يعرف على أنه التفريق الذي تحكم به المحكمة بين الزوجين بناء على طلب الزوجة بعد التثبت من حصول حالة الهجر المستمر الذي لا يقترن بعذر مشروع، فيكون الهدف من التفريق دفع الضرر الحاصل على الزوجة من جراء الهجر الطويل ، ويكون بضوابط ومدد محددة تبعا لكل تشريع قانوني .
______________
1- د. أحمد الكبيسي شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي (الزواج والطلاق وآثارهما)، ج 1، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1970، ص 215 .
2- اشار اليها المشرع العراقي في المادة (40) من قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
3- يشير المشرع العراقي إلى حالات تحقق الضرر على الزوجة من قبل الزوج على سبيل المثال لا الحصر، حيث تنص المادة ( 1/40) على أن الضرر الموجب للتفريق هو الضرر الذي يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية مع ذكره امثلة عن الضرر، وترك تحديد نوع ومستوى جسامة الضرر الى السلطة التقديرية للقاضي.
4- د. مصطفى إبراهيم الزلمي، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة والقانون مطبعة أسعد، بغداد، 1982، ص 184.
5- علي ،مرزه، قضاء الأحوال الشخصية في العراق (دراسة تحليلية)، المكتبة القانونية، بغداد، ص 94.
6- د. أحمد الكبيسي شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي (الزواج والطلاق وآثارهما)، ج 1، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1970 ص 228
7- يطلق مصطلح (القاصر ) في القانون العراقي على الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد أي لم يتم الثامنة عشر من عمره ،ويعتبر من أكمل الخامسة عشر من عمره وتزوج بإذن المحكمة كامل الاهلية، بموجب الفقرة (1) من المادة (3) من قانون رعاية القاصرين العراقي رقم 78 لسنة 1980.
8- ينظر، نص المادة (40) من قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959 المعدل.
9- مصطفى الزلمي، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، جامعة بغداد، كلية القانون، 1977، ص 201
10- ينظر، نص المادة (2/43) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
11- - ينظر ، (المادة 67) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري ، والمقررة بموجب القانون رقم 1 لسنة 2025 (ملحق لقانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل) ،
12- ينظر المادة (71) والمادة (73)، من مدونة الاحكام الشرعية في مسائل الاحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري.
13- قرار محكمة التمييز الاتحادية العراقية هيئة الأحوال والمواد الشخصية بالعدد 17202 تسلسل ،17111، بتاريخ 2025/1/14، وايضا اشار اليه قرار محكمة التمييز الاتحادية بتاريخ (14/12/2025) الصادر عن هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
14- محمد ابو زهرة، محاضرات في عقد الزواج وآثاره، دار الفكر العربي القاهرة، 1958، ص 342.
15- ينظر نص المادة (12) من قانون الأحوال الشخصية المصري رقم (25) لسنة 1929 المعدل.
16- (التطليق) هو التسمية التي تطلق على التفريق القضائي في القانون المصري، وهو الطلاق الذي يكون بواسطة المحكمة أو الحاكم الشرعي دون الحاجة الى ايقاعه من قبل الزوج بذاته.
17- قانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بقانون رقم 100 لسنة 1989، منشور في الجريدة الرسمية المصرية العدد 59 بتاريخ 1989م
18- د. جابر عبد الرحمن، أحكام الأسرة في القانون المصري، مطبعة جامعة القاهرة، ص 194.
19- أ.د محمد عزمي البكري، موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، ج2، القاهرة، ص 542.
20- د. عبد الفتاح حسن الوسيط في شرح قانون الاحوال الشخصية المصري ، ط3، دار الفكر العربي ، القاهرة، 2005، ص 311 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة