أعتقد أننا نستطيع أن نطبِّق بنجاح بعض التعريفات والمناقشات الواردة في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنيَّة بتغيُّر المناخ لعام 2012 حول «إدارة مخاطر الظواهر المُتطرفة والكوارث» على التفاصيل التاريخية والأثرية التي تأمَّلناها من القرون التي أعقبَت انهيارَ العصر البرونزي. ورغم أنَّ هذا سيكون بالضرورة خاضعًا لمنظورٍ ذاتي؛ فللمرء أن يزعم، مثلًا، أنَّ الآشوريين والبابليين والمصريين كانوا يتمتعون ﺑ «القدرة على الاستيعاب»، إذا ما استخدمنا لغةَ مؤلفي الهيئة الحكومية الدولية المَعنية بتغيُّر المناخ؛ لأنهم كانوا قادرين على التأقلُم مع الموقف والاستمرار، رغم أن المصريين لم يكونوا ناجحين تمامًا مثل الاثنَين الآخَرين. من ناحيةٍ أخرى، يبدو أن الفينيقيين والقبارصة لم يتمكنوا فقط من المُضيِّ قدمًا والتأقلم مع الموقف، بل ذهبا في الواقع إلى خطوتَين أبعدَ من ذلك، و«تحوَّلا»؛ لأنه يبدو أنهما كانا يتمتعان ﺑ «القدرة على التغيير والتعديل» (مرةً أخرى باستخدام لغة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ)، وكانا قادرَين على إعادة التنظيم بطُرقٍ جديدة بعد الاضطراب.
وعلاوةً على ذلك، فيما يتصل بالقبارصة والفينيقيين، ينبغي لنا أن نلاحظ أن مؤلفي تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لعام 2012 يُشيرون إلى أن القدرة على التكيف، ومن ثَم التحول، يمكن وصْفُها أيضًا بالقدرة على الابتكار وتوقُّع مواقفَ مُستقبَلية. ويقولون إن مثل هذه الابتكارات يمكن أن تكون اجتماعيةً وتكنولوجية، وتدريجية أو جذرية، كما ذكرنا (1). وأودُّ أن أُشير إلى اعتماد كلٍّ من الحديد والأبجدية، وانتشارهما باعتبارهما اثنَين فقط من الابتكارات الأوضح خلال هذه القرون.
يمكننا أيضًا أن نحاول تلخيص ملاحظاتنا من زاويةٍ مختلفة، أي من خلال تقسيم المجتمعات المختلفة التي عانت من الانهيار إلى فئاتٍ وتصنيفها، استنادًا إلى مفاهيم المرونة وشدة التأثر والهشاشة، والتعريفات الإضافية للتأقلم والتكيُّف والتحول، لمعرفة إن كانت تلك الممارسة ستُسفر عن أي شيء مفيد.
ولكنني أودُّ أن أؤكِّد في البداية أنني لا أمنح الدول (أو الممالك أو الإمبراطوريات) امتيازًا باعتبارها الوحدة المرغوبة للتنظيم الاجتماعي السياسي، بل إنني ببساطة أعمل انطلاقًا من الملاحظة التي مفادها أن الممالك والإمبراطوريات التي شكَّلَت شبكة أواخر العصر البرونزي العالمية تحولَت لاحقًا إلى — أو خلفت — ممالك ودويلات مدن في العصر الحديدي، أصغر حجمًا وتقع في المناطق نفسها. ويتلخص هدفنا في تفسير كيفية انتقالنا من وضعٍ إلى آخَر خلال القرون التي أعقبَت انهيار أواخر العصر البرونزي، وهذا ما أظنُّ أنه يُمكننا فعلُه بناءً على المواد التي عُرِضَت في الصفحات أعلاه.
أودُّ أيضًا أن أؤكِّد أن اقتراحاتي غير نهائية بالطبع؛ ويرجع ذلك، من ناحية، إلى الطبيعة المُجزأة وغير المكتملة لأدلتنا، ومن ناحية أخرى لأنَّ بعضها ينطوي على حكمٍ أو وسمِ شيءٍ قد يكون من الصعب تصنيفه تصنيفًا صحيحًا. كما أشير إلى أن عددًا من المجتمعات أو المناطق تقلَّبَت في درجاتِ مرونتها على مرِّ القرون؛ مما يعني أننا بحاجةٍ إلى وضع الفروق الدقيقة وكذلك الصورة الشاملة الواسعة في الاعتبار. ولذلك، ومع عِلمي بأن البعض قد يُفضِّل تصنيفَ مجتمعاتٍ مُعينة في فئاتٍ مختلفة عمَّا فعلتُه هنا؛ فإنني أقترح مبدئيًّا البيانات والملاحظات الموجزة التالية، المدرجة وفقًا لترتيب المرونة.
جدول: الفئات العامة للمرونة لمختلف المناطق/المجتمعات في القرون التي أعقبَت الانهيار.
|
الفئة
|
الأساس المنطقي
|
المنطقة/المجتمع
|
|
1
|
مجتمعات ليست مرنة فحسب، بل ربما حتى مضادة للهشاشة
|
الكنعانيون الأوسطيُّون (الفينيقيون)؛ قبرص
|
|
2
|
مجتمعات مرنة جدًّا (بدرجات متفاوتة)؛ تتكيَّف، وربما تتحوَّل
|
مملكة آشور؛ بلاد بابل؛ الحيثيون الجُدد؛ الكنعانيون الشماليون
|
|
3
|
مجتمعات مرنة ولكنْ بصعوبة؛ تتأقلم ولكنَّها لا تتكيَّف بالضرورة
|
مصر
|
|
4
|
مجتمعات غير مرِنة، ولكنْ مع بعض الاستمرارية لخلفائها، الذين انتعشوا في النهاية
|
البر الرئيسي لليونان (الميسينيون)؛ كريت (المينويون)
|
|
5
|
مجتمعات غير مرنة؛ إما اختفت أو استُوعِبت
|
الحيثيون؛ الكنعانيون الجنوبيون
|
..................................................
(1) See again Lavell et al. 2012: 53-54; K. O’Brien et al. 2012: 443, 468, with references.