من منظور البعض، كانت النهاية مفاجِئة؛ فقَدْ نهَبَ غزاةٌ مدينتهم، أو أسقَطَ زلزالٌ جدرانَ منزلٍ على رءوس ساكنيه. ومن منظورِ آخَرين، كانت كارثةٌ تحدُث بإيقاعٍ بطيء؛ حيث أثر الجفاف على المحاصيل وأبادَت المجاعة السكَّان. ولم ينجُ أحد في منطقة بحر إيجه أو شرق البحر الأبيض المتوسط من آثار انهيار أواخر العصر البرونزي. فقد تأثَّر الجميع تقريبًا بطريقةٍ أو بأخرى: الأغنياء والفقراء، والأرستقراطيون والفلاحون، والضحايا والناجون، وأولئك الذين تغيرَت حياتهم تغيرًا كبيرًا أو قليلًا. لقد تغيرَت الحياة التي عرفوها، والتي عرفوها منذ قرونٍ من قبل، تغيرًا لا رجعةَ فيه. كان على أولئك الذين نجَوا من كوارث ذلك العصر أن يتكيَّفوا ويُواصلوا الحياة ويجدوا طريقةً ما للمواصلة، حتى مع استمرار الجفاف، واختفاءِ طرقِ التجارة أو وقوعها فريسةً لقطَّاع الطُّرق والمُغيرين، وندرةِ الموارد الأساسية (1).
وسواءٌ نظرنا إلى هذا باعتباره انهيارًا، أو تحولًا، أو كليهما؛ فمِن الواضح أن العالَم المترابِط كما عرفه سكانه خلال أواخر العصر البرونزي لم يعُد موجودًا (2). سقط الكثير من الإمبراطوريات والممالك الكبرى التي كانت قد ازدهرَت خلال الألفية الثانية قبل الميلاد مثل أحجار الدومينو. ، فقد أدى هذا إلى إعادة تشكيل المناطق، حيث حلَّت محلَّ بعضها كيانات أصغر، منها تلك المعروفة من الكتاب المقدس العبري باسم بني إسرائيل، وأهل يهوذا، والفينيقيين، والموآبيين، والعمونيين، والأدوميين، فضلًا عن كيانات أخرى من بينها الآراميون والحيثيون الجدد. وذلك واضح ولا جدال فيه.
لقد قال عالما الآثار باتريشيا ماكاناني ونورمان يوفي إنَّ دراسة أيِّ انهيارٍ مجتمعي تُشبه مشاهدةَ صورة رقمية منخفضة الدقة: «إنها جيدة عندما تكون صغيرة ومضغوطة وتُشاهَد عن بُعد، ولكنها تتفكك إلى أجزاءٍ منفصلة عند فحصها عن قُرب.» (3). وذلك صحيحٌ بالتأكيد، لكنني أظنُّ أن الانهيار وتداعِياته يمكن أيضًا مقارنتهما بشكلٍ أكثر منطقيةً بلوحةٍ من المدرسة الانطباعية. فعند النظر إليها من مسافةٍ بعيدة، تَكون صورةُ ما حدثَ واضحة: لقد انهارَت شبكة البحر الأبيض المتوسط العالمية، وكان هناك تغيير أو انتقال دراماتيكي من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي الذي تلاه. ولكنْ، عندما نقترب أكثر، كما فعَلْنا في الفصول السابقة، تُصبح الأشياء أكثر تفصيلًا؛ تصبح البُقَع الفردية من الطلاء (أي المجتمعات) أكثر تميزًا للعين؛ تبدأ القيم المتطرِّفة والاستثناءات في الظهور؛ وتصبح الصورة الإجمالية أقلَّ توحيدًا، مع احتمالٍ لأنْ يَتيه المُشاهِد في التفاصيل ويَغفل عن الصورة الكاملة. إن ما يبدو انهيارًا لشخصٍ ينظر من مسافة بعيدة؛ يتحوَّل إلى مجرد تحوُّلات مجتمعية لمُشاهِد آخَر يقف على بُعد بوصاتٍ قليلة من المشهد. ومع ذلك، فإن كلًّا منهما مُحِقٌّ بطريقتِه الخاصة.
...........................................
(1) See Cline 2021; see also now Molloy 2022, who has discussed whether the crisis also extended up into Europe.
(2) Bavel et al. 2020: 141-42, drawing on previous work by Tainter and others, state: “Although a commonly accepted definition of societal collapse is hard to come by, many scholars agree that it represents a rapid, fundamental transformation of the social, political, and economic structures of a complex society for multiple generations.” See now Jackson et al. 2022; also Centeno et al. 2022: 63, who state: “If there is one central theme in the collapse literature it is that there is a notable disagreement about the meaning of the term ‘collapse.’”
(3) McAnany and Yoffee 2010: 5.