في تسعينيات القرن العشرين، اقترح هيكتور كاتلينج، المدير السابق للمعهد البريطاني للآثار في أثينا والمعروف بعمله في الأواني البرونزية القديمة، أنَّ ما يُسمَّى بقبور المحاربين التي عُثر عليها في قبرص وفي أجزاء مختلفة من منطقة بحر إيجه في سياقات القرنَين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد (المذكورة في الفصل الثالث)، يجب أن تكون «مرتبطةً بعودة أبطالٍ «هومريين» من طروادة»، من ناحيةٍ، لتفسير الأغراض القبرصية التي عُثِر عليها في كريت في هذه السياقات. على سبيل المثال، تم التعرُّف على رجُلٍ مدفون في القبر رقم 186 داخل المقبرة الشمالية في كنوسوس على أنه «رجُل مسلَّح، مزوَّد برُمحٍ برونزي وخنجر حديدي وسكين حديدي وحجرَين لشحذ شفراته.» وأشار كاتلينج تحديدًا إلى الخنجر والسكين الحديديَّين، فضلًا عن حجرَي الشحذ، على أنهم على الأرجح من قبرص، مستشهدًا بأغراضٍ شبيهة من القبور في باليبافوس-سكاليس (1).
في قبر آخر (القبر رقم 201) داخل المقبرة نفسها في كنوسوس، عُثِر على رفات محروقة لشخصَين بالغَين (ذكر وأنثى) وربما طفل أيضًا. تضمَّنَت الأغراض الجنائزية شظايا من حاملٍ ثلاثي القوائم من البرونز، حُدِّد أنه قادمٌ من قبرص؛ وعدد من الأسلحة، إضافةً إلى أشياءَ أخرى. حدَّد كاتلينج قبر الذَّكَر على أنه لمُحارب «كان مسلحًا بالكامل بسيفٍ ورمح ورءوس أسْهُم ضخمة.» إلى جانب السيف والرمح، كان هناك أيضًا دليلٌ على أنه دُفن مع درع وخوذة ناب خنزير؛ ومن المُحتمَل أن تكون رءوس الأسهم قد جاءت من سهامٍ صارت الآن متحلِّلة ربما كانت سابقًا في جعبة، عُثِر أيضًا على بضع شظايا منها (2).
كان كاتلينج منبهرًا بخاصة بوجود خوذة ناب الخنزير، التي لا بدَّ أنها كانت إرثًا في ذلك الوقت؛ لأن مثل هذه الخوذات كانت قد بطَلَ استخدامها، وصارت عتيقة الطراز، منذ فترة طويلة. وخلَصَ قائلًا: «كان محاربنا شخصيةً مبهرَجة، في ضوء مُمتلكاته؛ على الأقل، في سياق عصور الظلام اليونانية. أعتقد أنه شخصية يمكن العثور على نظراء لها في كتابات هوميروس، وهناك أوجُه تشابُه معها في اكتشافاتٍ أثرية أخرى» (3).
ثم تابَعَ كاتلينج، ومضى في تقديم اقتراحٍ جريء إلى حدٍّ ما، ألَا وهو أنَّ الأدلة من هذه المقبرة في كنوسوس تُشير إلى أن بعض السكان في هذه القبور التي تعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد «ربما كانوا من الناجين ومن أحفاد السلالة المينوية القديمة، ولكن من المُرجَّح وجود عناصر جديدة بينهم؛ أشخاص من خارج جزيرة كريت، أو عادوا إلى كريت بعد غيابٍ طويل، ربما قضَوه في شرق البحر الأبيض المتوسط. ربما يكون الوافدون الجُدد قد فرضوا زعامتهم على السكَّان الأصليين؛ وربما كان فتْحُ مدافن جديدة، ومن بينها المقبرة الشمالية، من اختيارهم. وأقْتَرِح أنَّ المحاربين الذين دُفِنَ رمادهم في [القبرين] 186 و201 ربما كانوا من هؤلاء الوافدين الجدد، الذين انفصلوا عن السكَّان الأصليين بعاداتهم الجنائزية، وخاصةً طقوس حرق الجثث» (4).
إضافةً إلى ذلك، فيما يتعلق بالأغراض الجنائزية المختلفة في هذه المدافن، استشهَدَ كاتلينج ﺑ «الأوديسة» الخاصة بهوميروس، التي وصفَت رحلات عودة الأبطال المختلفة إلى اليونان بعد انتهاء حرب طروادة (المعروفة عمومًا باسم Nostoi، أي «رحلات العودة إلى الوطن») والأغراض التي أحضروها معهم. في إحدى الحالات، عندما يتحدَّث مينلاوس، زوج هيلين، عن تجواله في أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط، يقول: «أخذتْني رحلاتي إلى قبرص وفينيقيا، وإلى مصر، وزرتُ بلاد الإثيوبيين، والسيدونيين والإيرمبيين، ورأيتُ ليبيا» («الأوديسة»، الكتاب الرابع، الأبيات 83–85). وفي وقتٍ لاحق، يصف مينلاوس وعاءً يوشِك على إعطائه لتليماخوس، والذي له أيضًا سيرةٌ ذاتية أسطورية: «سأُعطيك وعاءً خُلِط من معدن مطاوِع. إنه من الفضة الخالصة، وحافاته مَطلية بالذهب، وقد صنعه هيفايستوس بنفسه. لقد حصلتُ عليه من صديقي الملكي ملك صيدا، عندما آواني بمنزله لمَّا كنتُ في رحلتي إلى الوطن» («الأوديسة»، الكتاب الرابع، الأبيات 615–619) (5).
وهذا هو السبب في أن كاتلينج يربط بين «قبور المحاربين» هذه التي شُوهدَت في قبرص وكريت والبر الرئيسي لليونان، وأوديسيوس ومينلاوس وغيرهما من «الأبطال» الهومريين الذين تجوَّلوا في أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط حين كانوا في طريقهم للعودة إلى الوطن من حرب طروادة. واقْتَرَحَ «أن بعض الكريتيين أمضَوا فتراتٍ طويلةً في قبرص في النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد»، وأن «الأبطال/العظماء في قبرَي المقبرة الشمالية 186 و201 ربما يكونون قد أمضوا جزءًا من حياتهم في قبرص؛ حيث كانوا ربما من عِرقٍ كريتي، ووُلِدوا ونشَئوا في قبرص، أو ربما بدَءوا حياتهم في كريت وعادوا إلى هناك بعد غيابٍ طويل، قضوا جزءًا منه على الأقل في قبرص» (6).
وبينما لا يقبل جميع العلماء اقتراحات كاتلينج، فإن هذه القبور قد تُمثِّل بالفعل ظهور مجموعةٍ جديدة من النخب المحلية في كلٍّ من قبرص واليونان. على سبيل المثال، يرى جيمس مولي، الأستاذ الفخري في جامعة بنسلفانيا، أنهم «قادة عسكريون، وأمراء مُحاربون قُساة مُصمِّمون على صنع شيءٍ جديد من حُطام القديم؛ محاربون لديهم الدافع والطاقة والطموح للاستيلاء على كلِّ ما يمكنهم الاستيلاء عليه وتشكيل نوعٍ من قاعدة السُّلطة لأنفسهم.» وقد اقترح آخرون أن هذه الآثار، في قبرص على الأقل، قد تكون «لمحاتٍ من الأدلة على وجودٍ ونشاطٍ لرجالٍ مسلَّحين ربما شاركوا في صراع سلطة حول التعريف الإقليمي الجديد للجزيرة» (7).
وفي الآونة الأخيرة، أعاد كوتسوناس النظر في «المحارب» الذي تحدَّث عنه كاتلينج في مقبرة كنوسوس رقم 201 وربطه على وجه التحديد بشخصية ميريونس، وهو بطل آخي شاب وأقل شهرةً من أبطال «الإلياذة»، اشتهر ببراعته في الرماية بالقوس والسهم، وجاء إلى طروادة تحت قيادة إيدومينيوس، ملك كنوسوس. ويشير كوتسوناس إلى أن المجموعة الكاملة من الأسلحة وغيرها من الأغراض الجنائزية الأخرى ذات الصلة؛ فريدةٌ من نوعها في هذا المدفن على وجه الخصوص، من بين جميع القبور التي تم التنقيب عنها في العصر الحديدي في منطقة بحر إيجه، وأن المجموعة ككُلٍّ تضاهي العُدة الحربية التي أعطاها ميريونس لأوديسيوس في الكتاب العاشر من «الإلياذة»، والتي تشمل قوسًا وكنانةً وخوذةً من ناب الخنزير وسيفًا («الإلياذة»، الكتاب العاشر، الأبيات 260–265). وكما يُعلِّق كوتسوناس: «هذه الأسلحة نادرة جدًّا في الملحمة، تمامًا كما هو الحال في السجل الأثري.» ويشير أيضًا إلى أن ميريونس كان يمتلك خوذةَ ناب الخنزير الوحيدة التي ذكرها هوميروس في «الإلياذة» وأنه «استثنائي بين اليونانيين في استخدام القوس»، مشيرًا إلى أنَّ ميريونس كان يفوز بمسابقة الرماية بالقوس والسهم في الألعاب الجنائزية على روح باتروكلوس («الإلياذة»، الكتاب الثالث والعشرون، الأبيات 859–895) (8).
لا شك في أن هذا ليس ميريونس نفسه المدفون في هذا القبر في كنوسوس، حيث يرى العلماء أن ميريونس كان بطلًا يونانيًّا قديمًا للغاية، مثل آياس وعدد قليل من المحاربين الميسينيين الآخرين من حرب طروادة الذين أُدمِجَت قِصصهم السابقة في «الإلياذة» أثناء تطوير الملحمة بمرور الوقت. ومع ذلك، يقدِّم كوتسوناس اقتراحًا مثيرًا للاهتمام بأنَّ ما نراه هنا هو دفن أحد السكان البارزين في كنوسوس في العصر الحديدي، حيث «نَظَّمَت عائلته جنازته كعرضٍ عزَّز ارتباط المُتوفَّى بميريونيس»، البطل من جزيرة كريت (9).
لم يتحدَّد بعدُ كيف يمكن أن يتناسب اقتراح كوتسوناس أو لا يتناسَب مع تأمُّلات كاتلينج السابقة حول «الأبطال» الهومريين الذين يتجوَّلون في أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط أو الكريتيين في العصر الحديدي الذين يقضون وقتًا في قبرص، ولكنْ من المؤكد أنه باعث على إعمال الفكر، خاصة وأن هذا القبر يحتوي أيضًا على حاملٍ ثلاثي القوائم من البرونز حُدِّد أنه قادم من قبرص. كما أنه يتناسب بشكلٍ جيد مع تعريف رينفرو لانهيار النظام، الذي ينظر فيه الناجون إلى العصر السابق بحسد، ويختلقون حكاياتٍ رومانسية عنه، ربما كما نظَرَ الرجُل المدفون في مقبرة العصر الحديدي هذه، أو عائلته، إلى شخصية العصر البرونزي ميريونس.
.......................................
(1) H. W. Catling 1993, 1995: 124-25, 1996; see also Crielaard 1998: 187-88; Muhly and Kassianidou 2012: 124; S. P. Morris 2022: 104-5.
(2) H. W. Catling 1996: 646-47; see also H. W. Catling 1995: 124, 126-27; Kourou 2008a: 363. See now also the further description and discussion in Kotsonas 2018: 15-16; Hatzaki and Kotsonas 2020: 1038–41.
(3) H. W. Catling 1996: 646-47. Previously, in H. W. Catling 1995: 127, the relevant passage from the Iliad was quoted in full, showing the “biography” of the well-traveled boar’s-tusk helmet that Odysseus was given (Il. 10.261–71, citing the Penguin translation by E. V. Rieu). The boar’s-tusk helmet in this North Cemetery grave at Knossos would have had a similar history, since they were no longer being made at the time this sub-Minoan warrior was buried.
(4) H. W. Catling 1996: 648-49.
(5) H. W. Catling 1995: 128.
(6) H. W. Catling 1995: 128; see now also comments by Kourou 2008a: 363-64.
(7) Quotations from Muhly 2003: 24-25 (also 2011: 49-50) and Iacovou 2007: 467 (citing also Iacovou 1999: 18); see also Iacovou 2012: 214; previously Crielaard 1998: 187-88.
(8) Kotsonas 2018: 1, 9-10, 21-22; see now also Hatzaki and Kotsonas 2020: 1038–41.
(9) Kotsonas 2018: 14-15, 25-26.