تشكِّل الأراضي الفعلية للفينيقيين موضوعًا ذا أهمية متزايدة لعلماء الآثار ومؤرخي العصور القديمة هذه الأيام. وجزءٌ من المشكلة هو أن المدن القديمة الأكبر في لبنان تقع عمومًا تحت نظيراتها الحديثة، ونتيجةً لذلك، من الصعب التنقيب عنها. كما أدَّت الاضطرابات السياسية المُتكرِّرة في لبنان المعاصرة إلى إبطاء وتيرة التنقيب عن المدن الفينيقية الرئيسة. ونتيجةً لهذا، تضاءلَت فرصة استرجاع موادَّ من هذه الفترة في لبنان من مواقعَ أخرى غير صور وبيروت وجزيرة أرواد وتل عرقة (عِرقاتا القديمة). وهناك أيضًا سربتا، وهو موقعٌ تمَّ تحديده على أنه صِرْفَة التوراتية، ويقع على الساحل بين صيدا وصور، والذي أجرى فيه جيمس بريتشارد وجامعة بنسلفانيا عملياتِ تنقيبٍ في سبعينيات القرن العشرين. وقد ألقَت عمليات التنقيب المتنوِّعة هذه بعضَ الضوء على الثقافة المادية الفينيقية، وخاصة الفخار، ولكنْ ليس بالقدر الكافي (1).
ومع ذلك، فإننا نعرف الآن أن الأراضي الفينيقية في ذلك الوقت امتدَّت أيضًا إلى الجنوب، إلى ما يُعرف الآن بإسرائيل المعاصرة. هذه هي المنطقة التي يشير إليها بعض العلماء حاليًّا باسم «فينيقيا الجنوبية»، حيث قدمَت مواقعُ مثل تل دور أدلةً على الفخار الفينيقي وبقايا أخرى في مستويات العصر الحديدي، من بينها كنوز الفضة التي تشير إلى اتصالاتٍ فينيقية مع إسبانيا. في دور، عُثِر على كنزٍ يبلغ وزنه ثمانية كيلوجرامات ونصف من الفضة المطليَّة مُخبَّأ في إبريقٍ خزفي مُغطًّى بوعاء. وقد سُجِّل أنه عُثِر عليه بالقُرب من مبنًى يحتوي على فخار يوناني من جزيرة وَابِيَة، في سياقٍ أُرجِع تاريخه مبدئيًّا إلى أواخر القرن الحادي عشر أو أوائل القرن العاشر قبل الميلاد، ولكنْ يُعتقد الآن أنه يعود إلى النصف الثاني من القرن العاشر (2).
ويبدو أن الفضة الموجودة في هذه الكنوز، في دور وأماكن أخرى، تأتي من مزيجٍ من المصادر، من بينها تبرز بشدَّة إيبيريا (إسبانيا). وربما تكون قِطعٌ أخرى قد أتَت من الأناضول وسردينيا. وهذا أمرٌ بالِغ الأهمية؛ لأن كثيرًا من الكنوز في إسرائيل، التي يرجع تاريخها إلى 1200–950 قبل الميلاد، يحتوي على فضةٍ ممزوجة بالنحاس. ويفسِّر مؤلفو الدراسة التي قادَتها تسيلا إيشيل في جامعة حيفا هذا التخفيفَ بأنه ربما كان هناك نقصٌ في الفضة بعد الانهيار في نهاية أواخر العصر البرونزي، وأن هذا هو السبب وراء هذا البحث المكثَّف عن مصادرَ جديدة في الأناضول وغرب البحر الأبيض المتوسط، والتي قد بدأ الاستيراد منها بحلول منتصف القرن العاشر قبل الميلاد (3).
إن فكرة أن الفينيقيين ربما كانوا يستوردون الفضة من إسبانيا في وقتٍ مبكِّر من القرن الحادي عشر قبل الميلاد وبالتأكيد بحلول القرن العاشر قبل الميلاد؛ لا تستند فقط إلى تحليلات لمصدر الفضة الموجودة في كنوز العصر الحديدي في بلاد الشام، مثل تلك الموجودة في دور، بل وإلى الفخار الفينيقي الموجود بالفعل في موقع وَلْبَة في إسبانيا، والذي يزعم البعض أن تاريخه يعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وكان اكتشاف مصدرٍ جديد للفضة في إسبانيا واستغلاله؛ حدثًا رئيسيًّا في ذلك الوقت. وكما ناقَشَ ميتشل ألين في أطروحته المُقدَّمة إلى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1977، فقد أتاح هذا للفينيقيين نطاقًا كبيرًا؛ مما جعلَهم أثرياء بما يكفي لإنشاء مُستعمراتٍ في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، وخاصة للمساعدة في حمايتهم من استيلاء الآشوريين على مُدُنهم من خلال دفْعِ الجزية إذا لزم الأمر (4).
إضافةً إلى ذلك، إن موقع تل شيقومونا القريب من مدينة حيفا المعاصرة، قد قدَّم الآن أدلةً جيدة على إنتاج الصبغة الأرجوانية من القرن العاشر قبل الميلاد على الأقل، واستمراره حتى القرن السابع قبل الميلاد. وقد أُعيد مؤخرًا فحص الاكتشافات من الموقع، الذي جرى التنقيب فيه لأول مرة في ستينيَّات القرن العشرين وسبعينياته، وخاصة قِطع الفخار العديدة، والتي لا تزال ملطَّخة باللونَين الأرجواني والأزرق من الداخل. ويظنُّ جولان شالفي وأيليت جِلْبُوع، وكلاهما من جامعة حيفا، أنَّ الموقع كان مشاركًا بنشاطٍ في صناعة الصبغة. وعادةً ما نجد في مثل هذه المواقع أو بالقُرب منها أكوامًا من الأصداف المسحوقة من الحلزون البحري، والتي كانت جزءًا لا يَنفصِم من عملية التصنيع، ولكنْ هنا في شيقومونا توجَد أدلةٌ إضافية، مثل شَقَفات الفخار هذه، والتي قد تساعد في إلقاء المزيد من الضوء على الفينيقيين وإنتاج الصبغة الأرجوانية، ومن بين ذلك هذه المنطقة من «فينيقيا الجنوبية» (5).
إذا كان الفينيقيون يسافرون إلى أقصى الغرب حتى إسبانيا، فقد كان لزامًا عليهم القيام بالرحلة على مراحل، منها التوقُّف في قبرص وفي منطقة بحر إيجه، وربما الرسو في مواقع الموانئ في جزيرة كريت والبر الرئيسي لليونان. ومن الأمور ذات الصِّلة في هذا الصدد، الواردات الفينيقية التي يرجع تاريخها إلى هذه الفترة، والتي كان قد عُثِر عليها في قبرص، وخاصةً في سياقات المقابر على الجانب الغربي من الجزيرة، مثل منطقة باليبافوس. وقد اقترحَت كارول بيل على وجه التحديد أن الفينيقيين ربما استخدموا غربَ قبرص «نقطةَ انطلاقٍ للرحلات نحو الغرب». ولكنْ في الوقت الحاضر لا يوجَد سوى القليل من بقايا المواد في منطقة بحر إيجه من الاتصالات الفينيقية خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد (6). وهذا لا يعني أن مثل هذه الاتصالات لم تحدُث، وخاصة إذا كانت السفن الفينيقية متجهةً إلى الغرب إلى إيبيريا، ولكنْ يتعيَّن علينا أن ننتظِر لنرى ما ستكشف عنه عمليات التنقيب المستقبلية.
............................................
(1) See, e.g., Pritchard 1978; Bikai 1978; Markoe 2000: 24; Aubet 2001: 66–69; Bell 2006: 113. See now the very useful concise overview by Aubet 2014; also Sader 2014, 2019a: 127-28, 2019b: 17–20, 38–41; Killebrew 2019; Charaf 2020-21.
(2) Other nearby sites with Phoenician remains in Iron Age levels include Tell Abu Hawam, Akko, Achziv, Atlit, and Tel Keisan; see, e.g., Fales 2017: 204; Killebrew 2019; Sader 2019a: 127-28, 2019b: 31, 41-42; Hodos 2020: 153-54; previously Aubet 2001: 66–69. On Dor, see, e.g., Gilboa 2005; Bell 2006: 99; Gilboa, Sharon, and Boaretto 2008; Gilboa and Sharon 2008; Sharon and Gilboa 2013; Bell 2016: 95-96; Gilboa, Waiman-Barak, and Jones 2015; Fales 2017: 203; Sader 2019b: 20-21, 42–44; Arie 2020: 1, 3; Hodos 2020: 97, 150-51; Gilboa 2022: 40. On using the term “southern Phoenicia,” see Lehmann 2019, 2021; Arie 2020: 7–9. Regarding Dor and the silver hoard in particular, see, e.g., Aubet 2008: 183 and see again the sources cited re the silver hoards, esp. C. Thompson and Skaggs 2013; Eshel, Yahalom-Mack, et al. 2018: 4, Ben-Yosef 2019a; Eshel, Erel, et al. 2019; Sader 2019b: 256, 315; Hodos 2020: 144, 150-51; Wood, Bell, and Montero-Ruiz 2020: 4, with earlier references; López-Ruiz 2021: 99; Gilboa 2022: 43. On the original discovery, see Stern 1998, 2001.
(3) Eshel, Gilboa, et al. 2021; see also Ben-Yosef 2019a.
(4) Allen 1977: 157–62. Note that this reverses the original model for Phoenician expansion, such as proposed by Frankenstein in 1979; see the discussion in Monroe 2018: 232-33, 247, 257–60, who describes the previous view (i.e., that the Phoenicians were essentially at the beck-and-call of the Neo-Assyrians, fetching raw materials for them, including metals, and thus moved out into the Mediterranean because of these demands placed on them), as the Assyrian Pressure Paradigm (APP); also (briefly) J. F. Osborne 2021: 73-74; Regev 2021: 2. Compare also Faust 2011 to Thareani 2016a and see discussions by Aubet 2001: 88–91 with citations of previous scholarship, 281–83, 2008: 183, 2016; I. Morris 2006: 83; Fletcher 2012: 211 (with earlier references), 216–18; Broodbank 2013: 482–84, 488-89, 491; Fales 2017: 271; Edrey 2019: 206–8; Hodos 2020: 77-78, 143-44. See also the discussions in, e.g., C. Thompson and Skaggs 2013; Arruda 2015: 275; Bell 2016: 98–100; Eshel, Yahalom-Mack, et al. 2018; Gonzalez 2018: 39, 175-76; Monroe 2018: 240-41; Wood 2018; Aubet Semmler 2019: 75–78; Eshel, Erel, et al. 2019; Sader 2019b: 256, 275; Wood, Montero-Ruiz, and Martinón-Torres 2019; Sherratt 2020: 200-201; Wood, Bell, and Montero-Ruiz 2020; Knodell 2021: 183; López-Ruiz 2021: 27-28, 97-98, 100; Regev 2021: 120-21; Gilboa 2022: 35n9, 43.
(5) Shalvi 2018, 2020; Stub 2020; Regev 2021: 80-81. Note that other sites in the region also have stained pottery sherds and/or crushed murex shells in contexts ranging from the thirteenth to the seventh century B.C., including Akko, Dor, Abu, Hawam, and Tel Kabri, as mentioned with earlier references by Shalvi; see now also Gilboa 2022: 37, 44; Shalvi and Gilboa 2023.