جاء الدين لإصلاح المجتمع من جهة، وتوفير السعادة الأبدية من جهة أخرى، ومن هنا لم يكتفِ الله سبحانه بتقسيم الناس إلى موحد (مؤمن) وغير موحد (منافق، مشرك، كافر) (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[1])؛ (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[2])، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[3])، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ[4])، بل قسمهم إلى مؤمن وفاسق: (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[5])، وإلى مسلم ومجرم: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ[6])، وإلى متق وفاجر: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ[7]) وأمثال هذه التقسيمات.
وفي تقسيم آخر بيّن الله لرسوله سبيل الأشخاص الذين يهتدون بالتهذيب والتربية والمسائل الخلقية، كما بين له سبيل أولئك الذين لا تنفع معهم التربية والتهذيب والتزكية فلا يهتدون بها أي إنّه بيّن للرسول ﷺ خصوصيات الأفراد والأصناف، مثلما بيّن له أسلوب هدايتهم، إضافة إلى بيانه لعدم إمكانية هداية البعض.
ويشير الله في هذه الآيات إلى خصوصيات هاتين المجموعتين فيقول: إنّ الناس على صنفين: صنف لهم مظهر خادع بحيث يكون كلامهم مثيراً للإعجاب في الدنيا، وهم يشهدون الله على كلامهم كي يصدقهم الناس، و...
وهؤلاء يدوسون على كل القيم الاجتماعية في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية.
وفي الجانب المقابل يقف أفراد الصنف الثاني الذين يبذلون أرواحهم رخيصةً في سبيل الله، ولا يبخلون بجميع مصالحهم فداءً للدين.
وقسمت الآيات السابقة الناس من زاوية المنطق والسيرة العملية إلى فئتين فئة تركض وراء الدنيا، وأُخرى تطلب الحَسَنَة. ويظهر من عبارة (وَمِنَ النَّاسِ) الواردة بهيئة الاسم الظاهر في الآية التي هي مورد البحث أن في هذه الآية والآيات التالية لها تقسيم آخر يختلف عن التقسيم الذي ورد في الآيات السابقة.
وما يستخلص من هذا النوع من الآيات هو أمور: 1. من زاوية الحكمة النظرية يرد الحديث عن التقسيم إلى (يكون) و(لا يكون). مثاله أن بعض الناس هكذا أي لا يطلبون إلّا الدنيا)، وبعضهم ليسوا هكذا بل يطلبون حسنة الدنيا وحسنة الآخرة).
2. أما من زاوية الحكمة العمليّة فالحديث يكون عن تحسين أحد الأشياء وتقبيح الآخر، أي حول (يجب) و(لا يجوز).
3. ومن نفس الزاوية - أي زاوية الحكمة العملية التي تتحدث عن الوجوب وعدم الجواز - يكون الحديث عن الأمر بشيء والنهي عن آخر.
4. ومن زاوية الحكمة العمليّة أيضاً، يأتي الحديث عن الاحتياط والحذر من السذاجة واجتناب الخديعة أو الانخداع. فما أكثر الطغاة اللابسين لبوس التقوى الخادعة، وما أوفر أهل الحيل والخديعة الذين يتلوّنون تلوّن الحرباء، وما أشهر الظلمة الذين يرتقون منابر العدل، ولا يندر الأعداء الذين يتجليبون بجلباب الصداقة ويصوّرون الثرى ثريا.
[1] سورة البلد، الآية 10 .
[3] سورة الكهف، الآية 29.
[4] سورة التغابن الآية 2.
[5] سورة آل عمران الآية 110.
[6] سورة القلم، الآية 35.