نرى كيف اعتبرت الآية الكريمة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}:
أوّلًا: ترتيب الشهور القمريّة منوطاً بالخلق، وعددها الإثنا عشر مرتبطاً بأصل التكوين والفطرة، وخلق السماوات والأرض. مضافاً إلى أنّها عرضت ذلك بوصفه الدين القيّم، أي: الثابت. وبعبارة اخرى، أنّ السنين القمريّة والشهور القمريّة هي دين الله القيّم الثابت وحكمه الذي لا يتغيّر ولا يقبل التحريف ما دامت السماوات والأرض.[1]
مرحباً بهذا الدين ذي التأريخ الدقيق والمنظّم إلى درجة أنّ هذا اليوم الذي نحن فيه، وهو الرابع من ربيع الثاني سنة ألف وأربعمائة وخمس للهجرة، هو نفسه في أرجاء العالم كافّة، وبين المسلمين جميعهم بلا خلاف، فاليوم هو نفسه، وكذلك الشهر والسنة.
والآن ندرك كيف حاول الإستعمار أن يخلخل هذا التأريخ القويم، ويقطع وشائج الوحدة بين المسلمين، ويقصّ هذا الحبل المتين على أساس الشهور والسنين الشمسيّة، مع أنّ بداية الهجرة محفوظة، أو على أساس استبدال التأريخ الهجريّ بالتأريخ الميلاديّ أو الشاهنشاهيّ. قَطَعَ اللهُ أيْدِيَهُمْ، وتَبَّتْ كَلِمَتَهُمْ، ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا وبِمَا عَمِلُوا، وثَبَّتَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِدِينِهِمُ الْقَوِيمِ وصِرَاطِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، وأعْلَى كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ، وهي الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا.
ثانياً: من المنافع التي تدرّها السنون والشهور القمريّة- كما يبدو-تطوّر أعمال المسلمين في جميع الفصول والأوقات المختلفة من السنة. مثلًا صيام شهر رمضان يدور في الفصول المختلفة. ويصوم المسلم في الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف دون أن يكون هناك أيّ تخلّف. وفي ضوء ذلك، مضافاً إلى أنّ طبيعته في الفصول الأربعة تحتاج إلى الصوم في الفصول الأربعة- حسب فهم الأحكام والقوانين من أصل الفطرة- وأنّ الفوائد الصحيّة للصوم تعود إليه بنحو تامّ. فإنّه يهيّئ طبيعته وإرادته للجوع في أوقات طويلة وحارّة أيضاً. وفي ضوء ذلك يتيسّر على المسلم الجهاد في سبيل الله، وهو الفريضة الواجبة والعامّة على الشيوخ والشباب ولا تختصّ بفصل الشتاء واعتدال الجوّ. وربّما تقع في الصيف القائظ. إذ يلزم على الامّة الإسلاميّة أن تنهض للجهاد ضدّ خصومها وتدافع عن حقوقها الحقّة سواء في الجوّ الحارّ الشديد والنهار الطويل أو في البرد القارص وشدّته. وكذلك الحجّ الذي يقام في ذي الحجّة ويدور في الفصول الأربعة فإنّه يعدّ الإنسان للجهاد، والسفر في طرق نائية مهما كانت الظروف مضافاً إلى ما يقتطفه المسلم من ثمار الحجّ حتّى في البرد القارص والحرّ الشديد.
وحصيلة القول: أنّه لمّا كانت طبيعة الإنسان تتغيّر في الفصول الأربعة على امتداد السنة، فإنّ الإسلام المرتكز على قاعدة الفطرة البشريّة قد وضع أحكامه وتعاليمه لتلائم طبيعة الإنسان في دورة الفصول الأربعة.
وأمّا ما تناقلته الألسن ولاكته الأفواه عن عيد النوروز، وأنّ الإسلام أيّده، ورغّب في الغسل والصلاة والدعاء عند تحويل الشمس في برج الحمل، فهو كلام عار عن الصحّة ومجرّد من الحقيقة.
فلم يرغّب الإسلام في هذا المجال قطّ، بل رفضه واعتبر الإحتفال بهذا العيد كتقليد قوميّ بدعة من البدع. والرواية الواردة في هذا الباب عن المُعلى بْنِ خُنَيْس ضعيفة السند. والروايات والأحاديث الاخرى على هذا المنوال. والغسل والدعاء أيضاً على أساس أدلّة التسامح في السنن في ضوء روايات: "مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ على شَيْءٍ فَأتَى بِهِ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ اوتِيَهُ وإن لَمْ يَكُنْ كَمَا بَلَغَ"، فلا هو مشرّعاً للحكم، ولا هو أساس للتمّسك بتلك الروايات في هذا المجال. وفي نيّتنا تأليف رسالة شاملة وكاملة حول عيد النوروز وعدم جواز التمسّك بأدلّة التسامح في السنن في هذا المجال بحول الله وقوّته، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العلى العظيم.
وكذلك ورد النهي عن المهرجان وهو (عيد مهركان). واعتبر الشارع أنّ التمسّك بالنوروز والمهرجان من آداب الجاهليّة.
[1] حديث نبويّ رواه الشيعة والسنّة.