السنة الشمسيّة عبارة عن دوران الأرض حول الشمس. أي: من بداية وصول الأرض إلى أوّل برج الحمل، إلى وصولها ثانية في تلك النقطة، وهو عبارة عن ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً وخمس ساعات وثمانى وأربعين دقيقة وخمس وأربعين ثانية. ولمّا كان تقسيم هذا المقدار على اثني عشر شهراً غير محسوس، ويبقي كسراً، لذلك كما أنّ محاسبة المنجّم ضروريّة لأصل تعيين هذا المقدار، فهي من الامور الضروريّة والحتميّة أيضاً لكيفيّة تقسيم هذا المقدار على الشهور الاثني عشر. ولمّا اختلف المنجّمون في كيفيّة التقسيم، لذلك تتباين الشهور الشمسيّة على أساس التواريخ المختلفة: الروميّ والميلاديّ القيصريّ المعروف بتأريخ جولين، والميلاديّ الغريغوريّ، والهجريّ الشمسيّ، والشمسيّ اليزدجرديّ، والجلاليّ الملكشاهيّ، والشمسيّ القديم[1]. ويختلف عدد...[2]...[3]أيّام الشهر في كلّ واحد من هذه التواريخ.
وأمّا السنون القمريّة فلمّا كانت اثني عشر شهراً قمريّاً، والشهر القمريّ محسوس ومشهود، وهو عبارة عن الفترة بين مقابلتين متواليتين للشمس والقمر، وبدايته ينبغي أن تتحقّق برؤية الهلال، فلا حاجة إلى محاسبة المنجّم، والتعديلات، وضبط الكبائس، وعلى الرغم من أنّ المنجّمين نظّموا لهم كبائس، إلّا أنّها تعود إلى الشهور القمريّة النجوميّة، لا إلى الشهور القمريّة الشرعيّة التي يجب أن تتمّ برؤية الهلال بعد خروجه من المحاق.
ولمّا كان الدين الإسلاميّ المقدّس هو دين الفطرة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.[4] فلهذا ترتكز أحكامه وقوانينه كلّها على قاعدة الفطرة والطبيعة والمشاهدة والرؤية وأمثالها. يقول: متى رأيت الهلال في افق السماء بعد المحاق فاجعله أوّل الشهر! واستمرّ بهذا الشهر حتّى الرؤية الاخرى!
هذا تعليم بسيط ويسير وعامّ ولا يقبل التغيير والتحريف والزيادة والنقصان.
وهذه الكيفيّة من محاسبة الشهر، ورؤيته في أوّله، ومشاهدة سيره في السماء، لتعيين الوقت قضيّة عامّة يتساوى فيها العالم والجاهل، والرياضيّ والامّيّ، والمنجّم وغير المنجّم، والحضريّ والبدويّ، والحاضر والمسافر، ولا يختلف فيها هؤلاء، ولا يُشْتَبَه بها في الحساب.
ولو بقي شخص على ظهر السفينة الراسيّة في الماء أعواماً كثيرة، مثلًا خمسين سنة أو أكثر، أو عاش على سفوح الجبال وحده بعيداً عن أنظار الناس، أو قضي عمره في القري والأرياف منعزلًا عن مجتمعه، أو أنقطع عن القافلة، وظلّ في البوادي والفلوات سنيناً من عمره، فإنّه يعرف شهره، ويعرف اليوم الذي يعيش فيه.
والإسلام الذي هو دين عامّ وعالَميّ وفطريّ قد قرّر لجميع الناس في العالم تنظيم السنين والشهور على أساس رؤية الأهلّة والشهور القمريّة. وهذا الأمر في غاية من الدقّة بحيث لو افترق شخصان من المجاهدين في سبيل الله، أحدهما في شرق الكرة الأرضيّة، والآخر في غربها، وظلّا على ذلك الإفتراق أعواماً مديدة ليس معهما تقويم، ولا منجّم ولا حاسب، ثمّ التقيا، فإنّهما يعلمان في أيّ يوم من أيّام السنة، وفي أيّ شهر من شهورها يعيشان. ذلك لأنّ عندهما حساب الشهور بواسطة رؤية الهلال، وحساب السنين باثني عشر شهراً لكلّ سنة، وكذلك عندهم حساب الأيّام.
وهذا قانون لا يعتريه النقصان والزيادة، وهو غنيّ عن محاسبة المنجّم. ولا خلاف بين القائلين به وأتباعهم. ولا يحتاج إلى الجَعْل والحَدْس والتقريب والتخمين والوضع العرفيّ.
وهذا قانون يتيسّر له توجيه الناس وإدارة شئونهم. ويبثّ حكمه إلى شتّى أرجاء العالم مهما كانت الظروف والأحوال، ويوحّد الجميع تحت راية واحدة وتأريخ واحد وتقويم واحد. وهذه هي الشريعة السهلة العامّة التي تحدّث عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذ قال: "بُعِثْتُ عَلَى شَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ سَهْلَةٍ".
[1] تتألّف السنون الروميّة من اثني عشر شهراً هي: تشرين الأوّل 31 يوماً، تشرين الثاني 30 يوماً، كانون الأوّل 31 يوماً، كانون الثاني 31 يوماً، شباط 28 يوماً وفي الكبيسة 29 يوماً، آذار 31 يوماً، نيسان 30 يوماً، أيّار 31 يوماً، حزيران 30 يوماً، تمّوز 31 يوماً، آب 31 يوماً، أيلول 30 يوماً.
تعديل التأريخ الروميّ بتعديل تأريخ جولين، وكبيسته أيضاً مرّة واحدة في كلّ أربع سنين تضاف في آخر شباط. ولذلك فإنّ السنين الكبائس تتألّف من 366 يوماً.
و السنون الميلاديّة القيصريّة تشبه السنين الروميّة تماماً من حيث مقدار الشهور والكبائس، إلّا أنّها تفترق عنها في أنّ بداية السنة فيها هي الأوّل من كانون الثاني سنة 754 من بناء مدينة روما، وأنّ ولادة السيّد المسيح في الخامس والعشرين من كانون الأوّل.
و تجري سنون هذا التأريخ كسنين التأريخ الروميّ، ويعرف هذا التأريخ بتأريخ جولين. وشهوره هي: يناير 31 يوماً، فبراير 28 يوماً وفي الكبيسة 29 يوماً، مارس 31 يوماً، أبريل 30 يوماً، مايو 31 يوماً، يونيو 30 يوماً، يوليو 31 يوماً، آغسطس 31 يوماً، سبتمبر 30 يوماً، اكتوبر 31 يوماً، نوفمبر 30 يوماً، ديسمبر 31 يوماً.
و كما يلاحظ هنا فإنّ أسماء الشهور تختلف عن أسماء الشهور الروميّة فقط وأمّا مقدارها فهو متساو، لأنّ يناير الواقع بين الشهر الأوّل والشهر الثاني من الشتاء، يطابق كانون الثاني. وفبراير هو شباط نفسه، وهكذا بقيّة الشهور. في هذا التأريخ المعروف بتأريخ
(تابع الهامش في الصفحة التالية ...)
[2] جولين تتألّف السنة- كما في التأريخ الروميّ، من ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً وستّ ساعات 25/ 365. فلهذا تكون السنة كبيسة مرّة واحدة في كلّ أربع سنوات.
أمّا التأريخ الميلادي الغريغوريّ، فلمّا كانت السنة الحقيقيّة فيه شمسيّة فإنّه يفترق عن السنة الشمسيّة في تأريخ جولين. لذلك فإنّ التأريخ فيه يتأخّر يوماً واحداً في كلّ 120 سنة. فلهذا صحّحه البابا غريغوريوس بمساعدة المنجّم الإيطاليّ ليليو، فمضافاً إلي أنّهم يجعلون السنة كبيسة مرّة واحدة في كلّ أربع سنوات، كانوا ينقصون ثلاثة أيّام في كلّ أربعمائة سنة. وذلك على النحو التالي: يفترض أنّهم يجعلون السنة كبيسة في رأس كلّ مائة سنة، إلّا أنّهم لا يفعلون ذلك، ولا يكبسون ثلاث مرّات، أي: في رأس ثلاثمائة سنة، ويكبسون عادة في رأس القرن الرابع. وكان التأريخ قد تأخّر عشرة أيّام حتّى عصر غريغوريوس، فكان الناس يظنّون أنّ التأريخ هو (5) اكتوبر فأمر أن يجعلوه (15) اكتوبر، فاشتهر التأريخ الغريغوريّ منذ ذلك الحين، ونسخ تأريخ جولين. ويستعمل النصارى كلّهم هذا اليوم التأريخ الغريغوريّ ويتعاملون به.
و أمّا التأريخ الهجريّ الشمسيّ الذي يبدأ بهجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وسنونه شمسيّة حقيقيّة، وشهوره المتمثّلة بالبروج الشمسيّة قد نظّمت مطابقة لحركة الأرض في البروج الاثني عشر بحيث لا تزيد على 32 يوماً، ولا تنقص عن 29 يوماً، فشهوره على النحو التالي:
الحَمَل 31 يوماً، الثَّوْر 31 يوماً، الجَوزاء 32 يوماً، السَّرَطان 31 يوماً، الأسَد 31 يوماً، السُّنْبلَة 31 يوماً، الميزان 30 يوماً، العَقْرَب 30 يوماً، القَوْس 29 يوماً، الجَدْي 29 يوماً، الدَّلْو 30 يوماً، الحوت 30 يوماً. وأوّل السنة الهجريّة الشمسيّة هو أوّل الاعتدال الربيعيّ دائماً.
و تعديل هذا التأريخ لضبط الكبائس هو تعديل التقويم الملكشاهيّ نفسه الذي سيأتي فيما بعد.
و أمّا التأريخ الشمسيّ اليزدجرديّ فإنّه يبدأ بجلوس يزدجرد الثالث آخر الملوك الساسانيّين على العرش، وكان ذلك في سنة 11 هـ. وسنون هذا التقويم تقريبيّة. لأنّ السنة حسبت (365) يوماً، فلهذا يتأخّر التأريخ يوماً واحداً في كلّ أربع سنوات على النحو التالي:
فروردين 30 يوماً، ارديبهشت 30 يوماً، خُرداد 30 يوماً، تِير 30 يوماً، مُرداد 30
(تابع الهامش في الصفحة التالية...)
[3] (...تتمة الهامش من صفحة السابقة)
يوماً، شهريور 30يوماً، مهر 30 يوماً، آبان 30 يوماً، آذر 30 يوماً، دي 30 يوماً، بهمن 30 يوماً، اسفنى 30 يوماً.
و كانوا يضيفون خمسة أيّام باسم(اندركاه) إلى آخر إسفند أو آبان، وهي الخمسة المسترقّة نفسها.
و أمّا التأريخ الجلاليّ الملكشاهيّ فهو التقويم الذي تمّ تنظيمه بمساعدة الحكيم عمر الخيّام. والسبب في ذلك هو أنّ التأريخ الشمسيّ اليزدجرديّ كان متداولًا حتّى ذلك الحين وهو عصر حكومة ملكشاه. ولمّا كان التأريخ يتأخّر يوماً واحداً في كلّ أربع سنوات بواسطة النقص في الحساب، فلهذا جعلوا عدد الشهور مثل التأريخ اليزدجرديّ، وأضافوا خمسة أيّام في آخر إسفند. وقالوا بدور 33 سنة لنقص الكبائس وضبطها، إذ يكبسون ثمانى سنوات في كلّ 33 سنة، أي، مرّة واحدة في رأس كلّ سنة رابعة، وأربع سنوات متوالية بسيطة، ويكبسون في رأس السنة الخامسة. وبهذا التقويم لا يرد نقص حتّى ستّة آلاف سنة. وأمّا التأريخ الشمسيّ القديم الذي أصبح رسميّاً في الدورة الخامسة لمجلس النوّاب، فشهوره الستّة الاولى التي تبدأ بشهر فروردين كلّ واحد منها 31 يوماً، والخمسة التي تليها 30 يوماً، والشهر الأخير، إسفند 29 يوماً، وجعلوه في الكبيسة 30 يوماً.
[4] الآية 30، من السورة 30: الروم.