قد تنبّه أعداء الإسلام في القرون الأخيرة جيّداً إلى أنّ السبيل الوحيد للسيطرة على المسلمين، والقضاء على كيانهم العقيديّ والثقافيّ هو إيجاد التفرقة بينهم في الآداب والتقاليد وتقسيم أقطارهم، وتدمير الأركان التي تقوم عليها وحدتهم، وذلك تحقيقاً لمصالحهم المادّيّة، وإمعاناً في استغلالهم. لذلك استخدموا كلّ قواهم من أجل تقويض كيان المسلمين، وعملوا كلّ ما في وسعهم لتمزيق أوصالهم على امتداد السنين الخالية.
وأفلحوا في ذلك من خلال خطط مزوّرة فجعلوهم طرائق قدداً، وزعزعوا دعائم حضارتهم وآدابهم وأخلاقهم وعلومهم واحدة تلو الاخرى.
وكان المرحوم والدي آية الله السيّد محمّد صادق الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه يقول: عند ما سيطر الإسكندر على الشرق وفتح الأقطار كلّها، وسار حتّى الهند، كتب إلى استاذه أرسطو يخبره أنّه استولى على أقطار الشرق جميعها. وطلب منه أن يرشده ما ذا يفعل لكي تبقى تلك الأقطار تحت سيطرته.
فأجابه أرسطو أن يقسّم تلك الأقطار المفتوحة إلى أقطار صغيرة، ويجعل على كلّ قطر حاكماً، ويعلن نفسه حاكماً على الجميع! وحينئذٍ تنقاد الشعوب كلّها إلى طاعته والعمل بأوامره، ولا يتمرّد حاكم منهم ولا يرفع لواء المعارضة خوفاً على عرشه. وعندئذٍ تعمر تلك الأقطار ويجدّ حكّامها لحفظ مصالحه. ولو قدّر لأحد أن يقوم ضدّه، فإنّه يبادر إلى قمعه وإخماد نار فتنته بما اوتي من قدرة كبيرة! بَيدَ أنّه إذا حكم تلك الأقطار وحده، أو فوّض امورها إلى شخص واحد غيره. فإنّه يخشى من أن يستفحل أمرها شيئاً فشيئاً وتتوحد فيما بينها وتتمرّد ضدّه. وذلك الشخص حتّى لو كان من أخصّ الخواصّ، فإنّه يتمرّد ويطغى أيضاً، وى طالب بالحكومة والسلطنة، وحينَئذٍ يندحر ويأفل نجمه، وتفلت تلك الأقطار كلّها من قبضته! وقد انتهج الإنجليز نفس الخطّة في تعاملهم مع المسلمين. وساروا عليها بعد اندحار الإمبراطوريّة العثمانيّة المترامية الأطراف التي حكمت قسماً عظيماً من آسيا، واوروبا، وإفريقيا تحت عنوان الخلافة الإسلاميّة أكثر من ستّة قرون (من سنة 1299 إلى سنة 1923 م). تعاقب على حكومتها ثمانية وثلاثون سلطاناً على التوالي أوّلهم السلطان عثمان خان الغازي الذي تسلّم زمام الامور سنة 699 هـ وآخرهم السلطان عبد العزيز الثاني الذي حكم حتّى سنة 1342 هـ وقد قسّم الإنجليز الدولة العثمانيّة عدّة أقسام، جعلوا على كلّ قسم عميلًا من عملائهم.
فالقسم الاوروبي الشامل لأقطار شبه جزيرة البلقان وهنغاريا وقسم من رومانيا الذي يضمّ بوخارست، قسّموه إلى دول: يوغسلافيا (صربيا)، وألبانيا، واليونان، وبلغاريا، وقسم من تركيا الاوروبيّة، وهنغاريا (المجر)، ورومانيا الشاملة لبوخارست.
والقسم الآسيويّ قسّموه إلى تركيا، وسورية، ولبنان والأردن وفلسطين، والحجاز، وعدن، واليمن، والعراق، والكويت.
والقسم الإفريقيّ قسّموه إلى مصر، وطرابلس التي تمثّل القطر الليبيّ، وكما يلاحظ، فإنّهم جزّءوا الدولة العثمانيّة إلى تسعة عشر جزءاً.
لقد بذل الكفّار قصارى جهودهم بعد تقسيم هذه الأقطار وقبله أيضاً من أجل القضاء على وحدة المسلمين الذين يحملون القرآن المجيد رمزاً لها، وذلك بعد تغلغلهم في الأقطار الإسلاميّة الاخرى قدراً ما وسيطرتهم عليها تحقيقاً لأهدافهم المشئومة. وعملوا كلّ ما في وسعهم لزرع الأفكار القوميّة وتعاهدها بالرعاية، وجعل كلّ شعب متمسّكاً بقوميّته وآدابه وتقاليده، ومحبّاً لوطنه الذي يمثّل الحدود المعيّنة التي وضعوها في اجتماعاتهم. وشغلوا الناس بالصحف، والإذاعات، والسينمات، وهيمنوا على معارفهم وثقافتهم بواسطة المدارس والجامعات، وتأسيس الجامعات المستقلّة بذريعة الحفاظ على قوميّتهم وآدابهم التي لا تمثّل إلّا ألفاظاً جوفاء، وهراء لا طائل تحته. وليس فيها إلّا الفخر بالعظام البالية النخرة لأسلافهم، والتهافت على مقدار من الكؤوس والكيزان المحطّمة بوصفها آثاراً قوميّة، وجمعها في متاحف فخمة.
فحرّضوا الفرس على التمسّك بالآداب والتقاليد الزرادشتيّة وإحياء الزَّند [كتاب زرادشت] والأوِسْتا [كتابه المقدّس أيضاً] والمدح المفرط بملحمة الشاهنامه التي نظهما الفردوسيّ، وعرض الأساطير الخاصّة بكورش، وداريوش، وسيروس، ورستم، وزال [والد رستم].
وقد رأينا بأعيننا كيف كانوا يقفزون من فوق النار في آخر أربعاء من السنة الشمسيّة، وكيف يحترمون النوروز والمهرجان [و هو عيد قديم للفرس، يعتبر أكبر عيد بعد عيد النوروز] ويخرجون من البيوت في اليوم الثالث عشر من فروردين [يصادف الثاني من نيسان]، وآلاف الحكايات والأساطير المخدّرة التي كانت تمثّل التعاليم السياسيّة للطبقة الحاكمة المتسلّطة على رقاب الناس وينبغي أن تطبّق في هذا البلد مع ما تتطلبّه من تكاليف باهظة.
واعتبروا لغة القرآن لغة أجنبيّة، وهي اللغة الاولى لكلّ مسلم ولم يعد لتدريسها في المدارس قيمة تذكر، إذ امتهنوها امتهاناً حتّى كادت أن تعدم. وكانوا يستبدلون المفردات العربيّة العذبة بالمفردات الأجنبيّة والغربيّة التي يأخذونها من كتاب «أوسْتا» متذرّعين بذرائع واهيّة، وأنشأوا مجمعاً لغويّاً لوزارة التربية والتعليم لا يشمّ منه إلّا توجّه محموم يقضي بمحو الإسلام، والاهتمام بالتغريب.
وقد طبّق المستعمرون أعداء الإسلام هذا المنهج في البلدان الإسلاميّة الاخرى من خلال الاهتمام بالجذور التأريخيّة لكلّ بلد قبل الإسلام. ففي إيران ركّزوا على النعرة الفارسيّة، وفي الأقطار العربيّة على نعرة العروبة، وفي تركيا على النعرة التركيّة، وفي شبه القارّة الهنديّة، على النعرة الهندوسيّة، وهكذا في بقيّة الأقطار حتّى لو كانت صغيرة، كما في الإمارات الواقعة على سواحل الخليج الفارسيّ نحو قَطَر، والقطيف، وأبوظبي، وغيرها، إذ منحوا تلك الأقطار استقلالًا ظاهريّاً، وضربوا على وتر النعرة القوميّة.
فهذه الأقطار التي قسّموها ومنحوها الاستقلال، لم تستقلّ بحقيقة الاستقلال، بل ظلّت تعيش في بقعتها الهزيلة شبه ميّتة، تحت وصاية المستعمرين وانتدابهم.
ومن أهمّ الأشياء التي أفلحوا في طمس معالمها هو التأريخ الإسلاميّ القمريّ الذي أبطلوا مفعوله في كافّة الأقطار الإسلاميّة إلّا في المملكة العربيّة السعوديّة كما يبدو. ونسخوا ذلك التأريخ، واستبدلوا التأريخ الشمسيّ به، وذلك بحجّة أنّه نداء للإتّحاد العالميّ، وضرورة للإرتباط بتأريخ الأقطار الصناعيّة والتجاريّة، وأنّه لا بدّ منه في العلاقات السياسيّة على الصعيد العالميّ. وأصبح التأريخ القمريّ الإسلاميّ منسوخاً بالتأريخ الشمسيّ متّخذين ميلاد السيّد المسيح بداية له. فأضحى التأريخ الميلاديّ هو التأريخ الرسميّ للبلدان الإسلاميّة، وبذلك لا يعرف الناس شيئاً عن الهجرة النبويّة، ولا عن محرّم وصفر.
وجعلوا بداية السنة في العراق وبين النهرين: كانون الثاني والشهور شهوراً روميّة، وهكذا بدءوا بالتقويم وفقاً للشهور الميلاديّة التي تبدأ بكانون الثاني، ويقع الشتاء في الشهر الأوّل والثاني منها. وهذه الشهور هي: كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تمّوز، آب، أيلول، تشرين الأوّل، تشرين الثاني كانون الأوّل،[1] وهو الشهر الأوّل في الشتاء، وجعلوا ميلاد السيّد المسيح بداية للتقويم، وأطلقوا على السنين: اسم السنين المسيحيّة أو الميلاديّة.
وفعلوا مثل ذلك في أقطار بلاد الشام (سوريا- لبنان- فلسطين) ومصر وغيرها مستعملين تأريخ الإفرنج نفسه وبأسماء إفرنجيّة أجنبيّة مثل: نوفمبر، وديسمبر وأمثالهما. وجعلوا تقويمهم ميلاديّاً أيضاً. وهكذا فعلوا في شبه القارّة الهنديّة (الهند، والباكستان).
وقد وجدوا أنّ من غير الصالح أن يجعلوا التأريخ ميلاديّاً في إيران دفعة واحدة لأنّ شعبها يتشرّف بتشيّعة واتّباعه العلماء الأبرار ولعدم استسلامه وخضوعه لحكّام الجور، على عكس الشعوب الاخرى التي تعتنق المذهب السنّيّ فإنّها تنظر إلى الحكّام على أنّهم أولو الأمر وأنّ طاعتهم واجبة مهما كانوا. فإذا حكموا بتبنّى التأريخ الميلاديّ، فالجميع سامعون طائعون.
وكان استبدال التأريخ الميلاديّ الشمسيّ بالهجريّ القمريّ عسيراً جدّاً، بل ممتنعاً، وذلك بسبب وجود العلماء المتنفّذين في هذا البلد الشيعيّ.
لذلك نرى أنّ المستعمرين قاموا بتحقيق أهدافهم في هذا المجال مرحليّاً، لكي يعتاد الناس على المراحل السابقة ويألفوها شيئاً فشيئاً، حتّى لا يجدوا مانعاً من تنفيذ المراحل اللاحقة.
[1] جاء في «النصاب»:دو تشرين دو كانون وپس آنكه***شباط وآذر ونيسان أيّار استحزيران وتموز آب وأيلول***نگهدارش كه از من يادگار استو تعريبها:تشرينان وكانون يتلوهما *** شباط، وآذار، ونيسان، وأيّارحزيران، وتمّوز، وآب، وأيلول *** فاحفظها فهي منّي لك تذكارو أمّا أيّام هذه الشهور فهي: تشرين الأوّل 31 يوماً، تشرين الثاني 30 يوماً كانون الأوّل 31 يوماً، كانون الثاني 31 يوماً، شباط 28 يوماً وفي الكبيسة 29 يوماً، آذار 31 يوماً، نيسان 30 يوماً، أيّار 31، حزيزان 30 يوماً، تموز 31 يوماً، آب 31 يوماً، أيلول 30 يوماً ( «التنبيه والإشراف» للمسعودي ص 183).و أمّا شعر «نصاب» المعروف فهو قوله:لَا ولَا لَبْ لَا ولَا شش مه است***لَلْ كطْ وكطُ لَلْ شهور كوته استلا ولا لب لا ولا لا فهذه ستّة أشهر***لل كط وكط لل فهذة ستّة قصيرةفإنّه يعود إلى الشهور الروميّة على الحمل والثور والجوزاء باللغة العربيّة. أي: أنّ عدد أيّام الشهور الروميّة من الحمل هي بالترتيب: 31، 31، 32، 31، 31 31، الشهور الستّة الأولى حتّى آخر السنبلة، و30، 30، 29، 29، 30، 30، الشهور الستّة الأخيرة حتّى آخر الحوت، ومجموعها: 365 يوماً.من الطبيعيّ، لمّا كانت السنة الشمسيّة 365 يوماً و5 ساعات و48 دقيقة و45 ثانية، وأرادوا أن لا تتأخّر السنة، لذلك عليهم أنّ يجمعوا هذه الكسور في كلّ أربع سنوات مرّة واحدة، فتكون يوماً واحداً، يضيفونه إلى تلك السنة. ويطلق على هذه السنة: الكبيسة.