الشهور القمريّة حسيّة ووجدانيّة ولها بداية ونهاية معيّنتان في عالم التكوين. فهي على عكس الشهور الشمسيّة التي تمثّل شهوراً عرفيّة واصطلاحيّة. وعلى الرغم من أنّ الفصول الأربعة والسنين الشمسيّة حسيّة تقريباً، إلّا أنّ الشهور الاثنى عشر التي لها أصل ثابت هي الشهور القمريّة. وفي ضوء هذا المعنى، فإنّ معنى الآية سيكون على النحو التالى: أنّ الشهور الإثنا عشر التي تتألّف منها السنة هي الشهور الثابتة في علم الله سبحانه وتعالى. وهي الشهور التي عيّنها في كتاب التكوين يوم خلق السماوات والأرض. وقرّر الحركات العامّة لعالم الخلق، ومنها حركات الشمس والقمر. وأصبحت تلك الحركة الحقيقيّة والثابتة أساساً وأصلًا لتعيين مقدار هذه الشهور الإثنى عشر.
ومن الآيات التي تنصّ على لزوم التأريخ القمريّ هي الآية الخامسة من سورة يونس التي مرّ ذكرها: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ}.
ومن الواضح أنّ الناس في أيّ بقعة كانوا من البرّ والبحر والجبال والصحاري يستطيعون أن يضبطوا حسابهم على امتداد الشهر القمريّ دون الحاجة إلى المنجّمين وأهل الحساب، وذلك من خلال رؤية الأشكال المختلفة للقمر في السماء كالهلال، والتربيع والتثليث، والتسديس حتّى الليلة الرابعة عشرة حيث يظهر فيها بدراً. وهي ممّا يختصّ بها الشهر القمريّ لا الشمسيّ. وعلى الرغم من ذكر الشمس في الآية السابقة، إلّا أنّها جعلت منازل القمر سبباً للحساب والتقويم.
ومن هذه الآيات: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ}.[1]
إن استبدال الشهور القمريّة بالشمسيّة هو النسيء الذي يعني تأخير الأعمال عن موعدها المقرّر. وهذا هو الذي اعتبره القرآن الكريم زيادة في الكفر. وهو ما جاء في الكلمات البيّنة الرائعة التي وردت في خطبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم التي ألقاها بمنى وأعاد فيها الشهور القمريّة إلى وضعها الطبيعيّ بعد أن استبدلت الشهور الشمسيّة بها في العصر الجاهليّ، وكانت قد جعلت على أساس سنّة إبراهيم الخليل وإسماعيل الذبيح عليهما السلام. وأعلن على رؤوس الأشهاد أنّ هذا الحجّ هو الحجّ الصحيح الذي وقع في وقته، وحان أوانه إثر استدارة الزمان. ويطلق على هذا الحجّ: حِجَّة الإسلَام لأنّه استقرّ في موضعه وفقاً للقانون الإسلاميّ، ووقع في شهر ذي الحجّة، وهو شهر الحجّ الحقيقيّ.
وجاء في «السيرة الحلبيّة»: يُقَالُ لَهَا: حِجَّةُ الإسْلَام، قِيلَ لإخْرَاجِ الكُفَّارِ الْحَجَّ عَنْ وَقْتِهِ لأنَّ أهلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْحَجَّ في كُلِّ عَامٍ أحَدَ عَشَرَ يَوْماً حتّى يَدُورَ الزَّمَانُ إلَى ثَلَاثٍ وثَلَاثِينَ سَنَةً فَيَعُودُ إلَى وَقْتِهِ. ولِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ في هَذِهِ الْحِجَّةِ: "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ"، فَإنَّ هَذِهِ الْحَجَّةَ كَانَتْ في السَّنَةِ التي عَادَ فِيهَا الْحَجُّ إلَى وَقْتِهِ، وكَانَتْ سَنَةَ عَشْرَ.[2]
ونصّ على ذلك كلّ من اليعقوبيّ، والمسعوديّ، وابن الأثير[3] بل إنّ المسعوديّ عند ما ذكر حوادث السنة العاشرة للهجرة، نقل كلام النبيّ: "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ"، مكتفياً به دون التعرّض إلى ما حصل في حجّة الوداع من امور.
وهذه المعاني كلّها صورة معبّرة ناطقة وشاهد صدق على إنّ استبدال السنين الشمسيّة بالقمريّة لا يجوز. وعلى المسلم أن يولي غاية اهتمامه لحفظ الأوقات على أساس التأريخ الذي قرّره رسول الله مرتكزاً على سنّة إبراهيم الخليل، وجعله القرآن الكريم حتماً ولازماً.
لقد منّ الله عزّ وجلّ عَلَيّ بتوفيقه وعنايته فأعددت رسالة حول لزوم التعويل على بداية الشهور القمريّة برؤية الهلال في الخارج. وهذه الرسالة موسوعة علميّة وفقهيّة في لزوم اشتراك الآفاق في رؤية الهلال لدخول الشهور القمريّة. وقد اشتملت على بحوث فنيّة ذات اسلوب رسائليّ تتكفّل بعلاج كلّ إشكال، وقطع دابر كلّ خلاف.
تفيد هذه الرسالة، بالبرهان العلميّ والدليل الشرعيّ، أنّ الشهور القمريّة يجب أن تبدأ برؤية الهلال في الليلة الاولى. وأنّ قول المنجّمين على أساس الحساب والرَّصَد ليس له حجّة شرعيّة. وبناءً على ضرورة الآيات القرآنيّة، وإجماع أهل الإسلام، وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ قال: صُومُوا لِرؤيَتِهِ، وافْطَرُوا لِرُؤْيَتِهِ! فإنّ الشهور القمريّة جميعها ينبغي أن تتحقّق بمشاهدة الهلال فوق الافق. وأينما رُئي الهلال، بدأ الشهر. وفي الأماكن التي يتعذّر فيها رؤية الهلال في تلك الليلة، ويُرى في الليلة التي تليها، فإنّ بداية الشهر تكون من هذه الليلة. لذلك صحّت الفتوى المشهورة القائلة بأنّ دخول الشهر القمريّ تابع للرؤية، وإنّ كلّ نقطة في العالم تابعة لُافقها. وقول بعض العلماء والأساطين الذين يعتبرون خروج الهلال من تحت الشعاع كاف لجميع العالم أو لنصف الكرة الأرضيّة، ويحكمون بدخول الشهر في أرجاء العالم خلال ليلة واحدة، ليس له اعتبار، بل أنّ الأدلّة المتقنة تقضي بخلافه، والبراهين المنتهية بضرورة ردّه ودحضه قائمة.
هذه الرسالة العلميّة والفقهيّة باللغة العربيّة، وعنوانها: رِسَالَةٌ حَوْلَ مَسْألَةِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وقد صدرت في سياق الكتب المطبوعة تحت الرقم (6) من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة.
فإن قال شخص: ما ضرّ لو أنّ المسلمين قاموا بأعمالهم وتكاليفهم العباديّة، من صوم وحجّ وفقاً للشهور القمريّة، ومارسوا آدابهم وشئونهم الاجتماعيّة والسياسيّة الاخرى وفقاً للشهور الشمسيّة، وحينئذٍ لا يلزم النسيء الذي يمثّل زيادة في الكفر، إذ إنّهم يقومون بأعمالهم التي لا علاقة لها بالشرع على أساس تأريخ آخر كالتأريخ الروميّ أو الروسيّ أو الفرنسيّ أو الفارسيّ القديم من حيث تعداد أيّام الشهور، حسب عقود اعتباريّة يضعونها. وعلى فرض إنّهم يجعلون هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بداية للتأريخ في هذه التواريخ المذكورة، فإنّ تأريخهم الرسميّ فقط هو التأريخ الشمسيّ تبعاً للمصالح الدنيويّة.
فإنّنا نقول في إجابته: إن جميع الإشكالات تنبع من هذا الاسلوب في التفكير، وذلك:
أوّلًا: أنّ جعل التأريخ الشمسيّ تاريخاً رسميّاً خلاف لنصّ القرآن والسنّة النبويّة وسيرة الأئمّة الطاهرين وعلماء الإسلام، بل خلاف لمنهج المسلمين جميعهم.
ثانياً: هذا العمل يؤدّي إلى فصل الدين عن السياسة، إذ إنّ القيام بالأعمال العباديّة وفقاً للتأريخ القمريّ، وممارسة الأحكام الإجتماعيّة والشئون السياسيّة طبقاً للتأريخ الشمسيّ من المصاديق الواضحة لفصل الدين عن السياسة. وينتهي بعزل الدين عن شئون الحياة المهمّة وحصره في الشؤون الشخصيّة والفرديّة.
ثالثا: ويؤدّي إلى تعطيل الكتب والتواريخ المدوّنة، وقطع الصلة بين الخَلَف والسلف الصالح، لأنّنا نرى- منذ عصر صدر الإسلام حتّى الآن- أنّ جميع كتب التفسير، والحديث، والتأريخ والتراجم، وحتّى الكتب العلميّة كالنجوم، والرياضيّات، والهيئة والفقه، وغيرها قد دوّنت على أساس السنين القمريّة والشهور القمريّة. ونجد أنّ آلاف بل ملايين الكتب المؤلّفة في النطاق الذي كان يحكمه المسلمون سواء باللغة العربيّة، أو الفارسيّة، أو التركيّة أو الهنديّة، أو الإفريقيّة، أو الاوروبيّة الشرقيّة، كلّها تستند إلى التأريخ الهجريّ والسنوات والشهور القمريّة. فلو جعلنا التأريخ الشمسيّ هو الأساس في التأريخ، أ فلا يعني هذا إقصاء تلك الكتب عنّا، وقطع الصلة بين هذا الجيل، وبين الثقافة الإسلاميّة الأصيلة في القرون والأعصار الماضية؟ إن استبدال التأريخ الشمسيّ بالتأريخ القمريّ يماثل استبدال الخطّ الإسلاميّ بالخطوط الأجنبيّة، بل هو من متفرّعات ذلك الأصل ومن الفروع الناميّة لذلك الجذر.
رابعاً: ويحول هذا العمل دون اتّحاد المسلمين في العالم، ذلك لأنّ تأريخ المسلمين جميعهم هو التأريخ القمريّ، فإذا استعملنا التأريخ الشمسيّ، فإنّنا سنختلف معهم في التأريخ. وكذلك إذا أختار المسلمون أيضاً لأنفسهم تاريخاً آخر كالتأريخ الميلاديّ أو الزردشتيّ أو الكورشيّ أو غيرها من التواريخ. فإنّهم بهذه الطريقة- ويا للأسف- سيسيرون في اتّجاه معاكس لاتّجاه النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ممّا يؤدّي إلى تفرّق كلمتهم وتشر ذمهم وشقّ عصاهم وانفصام عقدهم.
[1] الآية 189 من السورة 2: البقرة.
[2] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 289.
[3] «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 110، طبعة بيروت؛ و«مروج الذهب» ج 2، ص 302، طبعة بيروت.