نرى إنّ الإصلاح الذي اجري في هذا المجال تناول الرجوع من التأريخ الشاهنشاهيّ إلى التأريخ الهجريّ الشمسيّ. وحيث السنون الشمسيّة لا زالت رسميّة سارية المفعول، والشهور المجوسيّة القديمة كخرداد وبهمن لم تتغيّر أيضاً.
وهنا ثلاثة إشكالات:
الأوّل: ما هو معنى الجمع بين التأريخين واعتبارهما رسميّين معاً؟ ونحن نعلم أنّ القرآن الكريم يركّز على الشهور القمريّة في التأريخ فقط. وكذلك السنّة النبويّة ومنهج أئمّة الدين فإنّهما يقتصران على الشهور القمريّة لا غير إجماعاً واتّفاقاً، فرسميّة الشهور والسنين الشمسيّة منضمّة إلى الشهور القمريّة أمر غير صحيح أبداً.
والثاني: لما ذا تتبنّى الدوائر الحكوميّة التأريخ الشمسيّ في أعمالها، إذ يبقى الإشكال قائماً في كلا المرحلتين؟ وإذا كان الدين غير منفصل عن السياسة، فلا بدّ أن تتبنّى الدوائر الحكوميّة الشهور القمريّة فقط. فمن أين جاء هذا الانفصال؟
والثالث: أنّ تبنّى التأريخ الشمسيّ من قِبَل الدوائر الحكوميّة عبارة اخرى لإضفاء الرسميّة على الشهور والسنين الشمسيّة، لأنّ الرسميّة لا معنى لها إلّا أن يطبّق التأريخ عمليّاً. وعلى هذا فالدوائر الحكوميّة تعترف بالتأريخ الشمسيّ لا القمريّ. وتتعامل فيما بينها به دون القمريّ. وهذا هو المحذور عينه والحرج نفسه.
وما الفرق بين هذا المشروع وذلك المشروع الذي تمثّل بالتغيير الثالث المصادق عليه في المجلسين؟ فأصحاب ذلك المشروع كانوا يقولون: «التأريخ الهجريّ له موقعه وحرمته، ويستعمل عند القيام بالامور الدينيّة. والتأريخ الشاهنشاهيّ القديم يستعمل في الشؤون الرسميّة للبلاد ودوائرها، وفي الزيارات الحكوميّة الرسميّة، والجلسات، والندوات، والمؤتمرات والاحتفالات، والمناسبات، والمعاهدات، وغير ذلك».
وهؤلاء اليوم لا يهتمّون بالتأريخ القمريّ في الشؤون الرسميّة، ويؤرّخون ذكرى الثورة، واستشهاد رجالها، والاحتفالات وغيرها بالتأريخ الشمسيّ. فاستشهاد المرحوم الشيخ مرتضي مطهّري مثلًا كان في اليوم الخامس من جمادي الآخرة، بينما يؤرّخونه في اليوم الثاني عشر من ارديبهشت.[1] وهكذا دأبهم في المناسبات الاخرى، فيؤرّخون استشهاد المرحوم دستغيب، والمرحوم صدوقي، والمرحوم قاضي، والمرحوم أشرفي، والمرحوم مفتّح الذي جعلوا يوم استشهاده يوماً للفيضيّة (مدرسة دينيّة في قم) والجامعة، ويوماً لتلاحم طلّاب العلوم الدينيّة مع طلّاب الجامعات، وغير ذلك من المناسبات بالتأريخ الشمسيّ الفارسيّ.
ويؤرّخون رحلة العلّامة آية الله الطباطبائيّ التي وقعت في الثامن عشر من المحرّم،[2] في 24 آبان، في حين أنّ روح ذلك المرحوم تستاء من إحياء المناسبات السنويّة بالتأريخ الشمسيّ. وهو متحقّق بالحقّ وحقّانيّة تطبيق الشهور والسنين القمريّة.
ناهيك عن أنّ هذه المناسبات، والاحتفالات والاستشهادات، والتأبينات لمّا كانت قد جرت على أساس النهضة الدينيّة الإسلاميّة، فمن الأنسب أن يحتفل بذكراها باعتماد الشهور القمريّة وذلك لترسيخها وتخليدها في أذهان أبناء الجيل المعاصر والقادم، فاستشهاد العالم المظلوم الغريب المجاهد السيّد حسن المدرّس رضوان الله عليه بـ- «كاشْمَر» في السابع والعشرين من شهر رمضان، وهو صائم. وحيث كان قائماً بالصلاة عند غروب الشمس. فهل من الأفضل أن نحيي ذكراه في هذا التأريخ أو في العاشر من آذر؟[3] واستشهاد المرحوم الشيخ فضل الله النوريّ شهيد
طريق الحقّ والعدالة الذي شنقوه يوم الثالث عشر من رجب،[4] وهو يوم ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام فأيّهما أفضل إحياء ذكراه في هذا التأريخ أو في الشهر الشمسيّ الفلانيّ؟
وعند ما ثار الشعب بعد العاشر من المحرّم، وأقام مجالس العزاء عشرة أيّام بتمامها، وأحيى ذكر سيّد الشهداء عليه السلام في المجالس والمحافل من خلال الخطب والكلمات والمحاضرات التي ختمت بالخطاب التأريخيّ الذي ألقاه قائد الثورة في المدرسة الفيضيّة عصر العاشر من المحرّم، ممّا أدّى إلى اعتقال كثير من العلماء والفضلاء في طهران والمدن الاخرى، حيث نُقِلَ قائد الثورة إلى طهران لإعدامه، ووثبة الشعب المسلم في طهران وقم، فهل من الأفضل أن نحيي هذه الذكرى في اليوم الثاني عشر من المحرّم أو في الخامس عشر من خرداد؟
ولمّا نهض أهالى طهران في الليلة الاولى من المحرّم واليوم الأوّل منه وكانوا قد لبسوا الأكفان وهم يردّدون شعار: الله أكبر، إحياءً لذكرى سيّد الشهداء عليه السلام وقام النظام البهلويّ السفّاح بقمع هذه الوثبة قمعاً دمويّاً، فهل من الأفضل أن نحيي هذه الذكرى في الأوّل من المحرّم، أو في الخامس من مِهر
[1] استشهد المرحوم المطهّري في الخامس من جمادي الآخرة سنة 1399 هـ الموافق 12 ارديبهشت سنة 1358.
[2] كانت وفاته في صباح يوم الأحد 18 محرّم الحرام سنة 1402 هـ قبل الظهر بثلاث ساعات. وأرجئ تشييع جثمانه الطاهر إلي اليوم التالي ريثما يطّلع الأخيار والأبرار في المدن الاخري.
[3] استشهد المرحوم المدرّس في السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1356، الموافق 10 آذر 1316.
[4] استشهد المرحوم الشيخ فضل الله النوريّ في 13 رجب 1327 شنقاً في ميدان سبه [ساحة الجيش] بطهران.