كانت الدورة الخامسة لمجلس النوّاب التي عقدت جلستها الثالثة والأربعين بعد المائة يوم الثلاثاء 27 حوت 1303 شمسيّ المصادف 21 شعبان 1342 قمريّ، فنسخت التأريخ الشمسيّ الذي كان وفقاً للشهور العربيّة وبأسماء عربيّة، وأبدلته بالتأريخ الهجريّ الشمسيّ القديم.
وكلّ ما طرح في المجلس من كلمات وخطب للحؤول دون تحقيق هذا الأمر لم يؤت اكُله. ولا سيّما كلمة السيّد شريعتمدار الدامغانيّ الذي تحدّث بنحو استدلالىّ، فقال: إن الشهور الشمسيّة المعيّنة وفقاً لحركة الشمس في البروج أفضل من الشهور التأريخيّة القديمة المزيّفة المختلفة التي لا تنسجم مع المبادئ العلميّة من قريب أو بعيد.
علماً أنّ أصل الاقتراح الذي طرح في المجلس جاء من قبل الاقطاعيّ كيخسرو شاهرخ[1] المجوسيّ المعادي للإسلام وأحد أعضاء المحفل الماسونيّ الإيرانيّ، وبتشجيع من قبل السيّد حسن تقي زاده[2] العميل الخاصّ للأجانب في إيران ومن رؤساء المحفل الماسونيّ والمتمرّسين ذوي الخبرة الممتدّة ستّين سنة فيه.
وكان للسيّد محمّد تديّن[3] دور ملحوظ في هذا الموضوع كما يظهر
من كلامه في ذلك المجلس.
وهذا الاقتراح يقضي بإجراء تغييرين في التأريخ الشمسيّ الرسميّ للبلاد: الأوّل: استبدال الشهور العربيّة كالحمل والثور والجوزاء وغيرها. الشهور الفارسيّة القديمة وهي: فروردين ارديبهشت، خُرداد، تير، امرداد، شهريور، مهر، آبان، آذر، دى، بهمن، إسفند.[4]
الثاني: يكون عدد أيّام الشهور الستّة الاولى: 31 يوماً والشهور الخمسة التي تليها: 30 يوماً، والشهر الأخير: 29 يوماً فيصبح المجموع: 365 يوماً. ويحسب الشهر الأخير (إسفند): 30 يوماً في كلّ أربع سنوات، وذلك للكسر الموجود فتحسب تلك السنة: 366 يوماً.
وكانوا يقولون: إن هذا التقويم مأخوذ من تقويم السلطان ملك شاه السلجوقيّ. حيث إنّ هذا الملك لمّا رأى أنّ السنين الشمسيّة تسير إلى الوراء بسبب عدم محاسبة التعديلات، وعدم محاسبة السنين الكبيسة بدقّة، لذلك جعل السنين الشمسيّة بهذا الشكل مستهدياً بتنظيم وتنسيق الحكيم عمر الخيّام وبعض المنجّمين الآخرين؛ إذ تكون الشهور جميعها ثلاثين يوماً في كلّ شهر، ويصبح المجموع ثلاثمائة وستّين يوماً، وعندها كانوا يضيفون خمسة أيّام لآخر شهر آبان أو إسفند، لكي لا يحصل نقص في السنين، ويسمّون تلك الأيّام الخمسة: الخَمْسَة المُسْتَرَقَّةَ. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ المجوس قبل الإسلام كانوا لا يحسبون خمسة أيّام إضافية ضمن السنة، وكانوا يتطوّعون للقيام بالأعمال الخيريّة خلال تلك الأيّام.
وكانت السنة تتألّف من ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً بالأيّام الخمسة المضافة إليها. وكانوا يكبسون سنة في كلّ أربع سنوات، فيحسبونها ثلاثمائة وستّة وستّين يوماً. وللحصول على حساب أدق، كانوا يحسبون كبيسة ثانية، ويجعلون السنة الكبيسة سنة خامسة مرّة واحدة في كلّ ثلاث وثلاثين سنة، أي: كان المفروض أن يحسبوا سنة 32 كبيسة بعد سنين 29، 30، 31. إلّا أنّهم أخّروها سنة وكبسوا سنة 33.[5]
وفي ضوء هذا الحساب، تتأخّر السنون الشمسيّة يوماً واحداً فحسب إلى ستّة آلاف سنة.
وهكذا نظّم السلطان ملك شاه السلجوقيّ هذا التقويم، وجعل يوم جلوسه على العرش بداية للسنة معرضاً عن التأريخ الهجريّ ومهملًا إيّاه. وأراد أن يشيع هذا التقويم. إلّا أنّ الناس رفضوا ذلك بسبب تغيير بداية التأريخ من الهجرة إلى الجلوس على العرش، فلم يلق تقويمه ترحيباً من الناس، غير أنّه دقيق من حيث المحاسبة.
فإذا جعلنا أيّام الشهور الستّة الاولى من السنة: 31 يوماً، وأيّام الشهور الستّة الاخرى: 30 يوماً، وأيّام إسفند: 29 يوماً، ونكبس كلّ أربع سنين مرّة واحدة، وكلّ ثلاث وثلاثين سنة نكبس كبيسة ثانية، فلا يظهر أيّ تغيير في عدد أيّام السنة، ولا تتأخّر السنة أيضاً أي: أنّ هذا الحساب ينسجم مع تقويم ملك شاه من حيث المحتوى ويغايره من حيث عدد أيّام كلّ شهر خاصّة. وهذا الأمر ليس ذا بال.
وخلاصة القول إنّ هذا الحساب ضروريّ في السنين الشمسيّة بمقدار أوّل السنة وآخرها، ولكن ليس هناك من فرق فيما إذا كانت أيّام الشهر الشمسيّ ثلاثون أو واحد وثلاثون، أو قلّ عن ذلك أو زاد، فالأصل في الحساب هو مجموع أيّام السنة.
نحن نجعل اسم فروردين للشهر الأوّل من الربيع، طابق شهر الحَمَل أو لم يطابق.
هذا من حيث عدد أيّام الشهور، وأمّا من حيث تغيير الأسماء فقد قالوا: لا يهمّنا، لأنّ التغيير هو تغيير الألفاظ، ولا يضرّ أحداً. إذ إنّه رفع للألفاظ العربيّة واستعاضة الألفاظ التراثيّة القديمة بها، وفي ذلك إحياء للسنن القوميّة. وكلّ شعب ينبغي أن يحترم طقوسه وشعائره. ويزيدون على ذلك أنّهم يزعمون بأنّ الإسلام دعاهم إلى إحياء السنن القوميّة.
ولمّا قيل لهم: إنّكم تقصدون رفع محرّم وصفر وطمس معالمهما! قالوا: لا، لا نقصد ذلك! فالامور الشرعيّة لها حرمتها وأنّما نريد رفع الألفاظ العربيّة ووضع ألفاظنا العريقة الجميلة العذبة موضعها! ولا ينبغي لنا أن نكون أشدّ تحمّساً على العروبة من العرب أنفسهم. فما يستعمل بين النهرين (العراق) وغيره هذا اليوم هو: تشرين، وكانون، وشباط، ولا نعرف دولة من الدول العربيّة قد استعملت الحَمَل، والجوزاء، والسنبلة.
وهنا قال المرحوم المجاهد والعالم العظيم السيّد حسن المُدَرِّس: إن الأقطار الإسلاميّة كلّها تستعمل مُحَرَّم، وصَفَر.
فقالوا: لا يعنينا محرّم، وصفر، فهما ممّا يعني الشعوب ويخصّها، إذ تقوم بشؤونها الشرعيّة حسب تلك الشهور، وأنّما يرجع كلامنا إلي التقويم الحكوميّ الرسميّ، لا الشؤون الشرعيّة للناس. وها نحن نريد أن نغيّر أسماء الشهور في هذا التقويم الرسميّ الشمسيّ نفسه الذي لا زلنا نعهده إلى اليوم. هو أمر لا ضرر فيه، ولا علاقة له بمحرّم وصفر، إذ لهما حرمتهما. وما نريده هو استبدال الحَمَل والجوزاء بارديبهشت وفروردين وليس هذا إلّا إحياءً لتقاليدنا العريقة وتراثنا القديم.
فقال أحد النوّاب المعارضين: إذا أردتم تغيير الألفاظ فغيّروها إلى الألفاظ التي اخترعها أحد المنجّمين المعاصرين لهذه الشهور، وهي تناسبها أكثر من غيرها. وهذا المنجّم هو السيّد جلال الدين الطهرانيّ، فقد وضع تقويماً، وجعل شهور السنة الشمسيّة كالآتي: چَمَنْآرا، گُلآور، جان پرور، گرما خيز، آتش بيز، جهانبخش، دِژَم خوي، باران ريز، أندوهگين، سرماده، برفآور، مشگينفام.[6]
فهذه الأسماء أجمل، وتناسب الشهور من حيث المعنى أكثر من الأسماء التي أعدّها الإقطاعيّ كيخسرو من الكتب القديمة.
«فچمنآرا» أكثر مناسبة من «فروردين» الذي ترجم إلى «هم مانندى روانان» ويعني: مساواة الأرواح. [چمنآرا في اللغة العربيّة يعني: مُزيّن المرج] و«گلآور» أفضل من «ارديبهشت» الذي ترجم إلى «النظم التامّ وقدسيّة الأفضل».
والخلاصة فقد أصرّوا على أن «فروردين» و«ارديبهشت» وغيرهما أفضل، وذلك إحياءً للأعراف القديمة. وحتّى أنّهم قالوا بأن «مُرداد» ينبغي أن يكون أمرداد، وذلك لمجيئة بالهمزة المفتوحة في اللغة القديمة.[7]
وكم دعا النوّاب المعارضون إلى: التأمّل في هذه الامور، وإلى اهتمام المجلس بأعمال أهمّ منها، ومناقشة الموادّ المهمّة التي تستلزم الإهتمام، وعدم تضييع الوقت في تغيير الأسماء، إلّا أنّ دعوتهم لم تلق اذناً صاغية، إذ تمّ التصويت على ما أرادوا حالًا.
[1] يرجع إلي كتاب «فراموشخانه وفراماسونرى در ايران» وتعني: «المحفل الماسونيّ والماسونيّة في إيران» تأليف إسماعيل رائين، الطبعة الخامسة، ج 2، ص 142 إلي ص 147. وكذلك الصفحات 49 و50 و54 و75 و451.
[2] «فراموشخانه وفراماسونرى در إيران» ج 3، ص 531 إلي 534.
[3] كان لهذا الشخص دور يؤبه له في مؤازرة البهلويّ [رضا خان] وتمكينه من التسلّط على الناس. وكان عضواً في مجلس الشوري لعدّة سنين، ثمّ رئيساً للوزراء في عهده ثمّ في زمن ابنه [محمّد رضا].
[4] ذكر المسعوديّ هذه الأسماء في كتاب «التنبيه والإشراف» ص 184.
[5] في ضوء محاسبات الخيّام، ينبغي كبس ثماني سنين في كلّ ثلاث وثلاثين سنة لكي لا يظهر اختلاف. لذلك بناءً على هذا الوضع، يكبسون سنة في كلّ أربع سنين. وفي رأس السنة الأخيرة وهي السنة الثالثة والثلاثون يجعلون الكبيسة في رأس السنة الخامسة وهي السنة الثالثة والثلاثون. لذلك فالدورة الأخيرة للسنين الأربع البسيطة والسنة الخامسة ستكون كبيسة.
[6] ذكر السيّد جلال الدين الطهرانيّ هذه الأسماء في الصفحة 79 من تقويمه المؤرّخ سنة 1309 شمسيّ. [1930 م].
[7] يقول دهخدا في معجمه [معجم خاصّ باللغة الفارسيّة] في مادّة أمرداد: جاء في «الابستا»: أمُرْتات. وتات مقطع أخير في الكلمة، وليس له استعمال مستقلّ. ويلاحظ هذا المقطع في خُرداد أيضاً.
و أمّا المقطع الآخر في الكلمة فإنّه يتألّف من جزءين: الأوّل: «ا» وهو من أدوات النفي، يعني: لا. ويستعمل له بالفارسيّة كلمة «نا» أو «بي». الثاني: مِرْت أو مَرْت ويعني: الموت والوفاة والفناء والهلاك. فيعني أمرداد- إذَنْ: عدم الموت والفناء أو الخلود. وينبغي أن يكون مُرداد بأداة النفي: «أَ» لا مجرّداً عنها، لأنّ المعنى يخالفه.
و أمرداد في دين زرادشت: أمشاسْپَندي، ويمثّل عدم الفناء، والخلود، أو مظهر الذات التي لا تزول: أهُور مزدا [وجود غير مرئيّ وخالق الحياة وواحد لا شريك له وعظيم وعالم]. وقد فوّض إليه حراسة النباتات والخضروات في عالم التراب (الأرض) (عن «معجم إيران القديمة» بقلم إبراهيم پور داود، ص 59). ويُرجع إلي: «مزديستا» [يطلق على دين زرادشت] وتأثيره في الأدب الفارسيّ، للدكتور معين. وكذلك يرجع إلى: «أمشاسْپَندان».
و خلاصة ما نقلناه هنا عن «معجم دهخدا» جاء في تعليقة مادّة مرداد من هذا المعجم. ويقول أيضاً: أمرداد وهو الشهر الخامس في السنة، وقد وكّل إليه اليوم السابع من الشهر، من أمشاسْپَندان ومظهر أهور مَزدا في الخلود، وثواب أعمال المحسنين في جنّات الله تعالى. ورعاية النباتات في العالم الأرضيّ تقع على أمرداد.
و رأى المؤرّخ اليونانيّ إسترابون معبد أمرداد في آسيا الصغرى. وكان يقام حفل أمردادگان في يوم أمرداد من شهر أمرداد.
و يسمّيه المجوس في إيران: أمرداد أيضاً (من حاشية الدكتور معين على «البرهان القاطع» ذيل مرداد). وجاء في هذه التعليقة أيضاً أنّ تات وهو المقطع الأخير في الكلمة يدّل على اسم مؤنّث مجرّد.
و يقول في هذا المعجم أيضاً في مادّة أمشاسْپَند: هو المَلَك. وجاء في الابستا «أمِشَه وسِپَنته» مركّبة من جزءين: الأوّل «أمشه» وهو مركّب أيضاً من «ا» علامة النفي، و«مشه» من مادّة مَرْ بمعنى مُردن [الموت]. الثاني «سپنته» يعني المقدّس. فيكون المعنى: «جاودان مقدّس» [الخالد المقدّس].
عدد «أمشاسپندان» أو «مهين فرشتگان» سبع، وقد اندرج ستّ منها في الشهور الاثنى عشر الحاليّة. هو من/ بَهْمَن، اشه وهيشته/ ارديبهشت، خشتره وائيريه/ شهريور، سپنته أرمئيتي/ سپندارمذ، هئوروتات/ خرداد، أمرتات/ أمرداد، ووقع سپتامينيو (العقل المقدّس) على رأس هذه الستّ. بعد ذلك استبدلوا أهورا مزدا به، وقد ذكر اسم أمشاسْپندان مرّات عديدة في «گات» وهو أقدم قسم في الابستا.